أبوذر علي الأمين يكتب: كسر عظم الأزمة السياسية

أبوذر علي الأمين يكتب: كسر عظم الأزمة السياسية

هذا المقال محاولة للمساهمة وتطوير النقاش الذي طرحه د.الواثق كمير في مقاله المعنون (القوى المناهضة لإنقلاب فض الشراكة: حانت ساعة الجلوس للحوار) بتاريخ 19 فبراير 2022م، وكان الأستاذ الحاج وراق قد إبتدر النقاش بمحاضرته الأخيرة بدار حزب المؤتمر السوداني قبل ذلك بأسابيع. أحاول الدفع في ذات الإتجاه بضرورة أعمال السياسة والإجتهاد في استغلال الفرص المتاحة لمناصرة خط الثورة وهزيمة الانقلاب والانقلابيين، وإعمال الحوار لإعادة بناء الكتلة الحرجة لتجاوز أزمة انقلاب 25 أكتوبر 2021، وفتح الباب لبناء النظام المدني الكامل. لكني أطمح في أن نمضي بالتغيير الذي فرضته الثورة على الجميع إلى أبعد آفاقه بفتح كل المستقبل القريب والبعيد لترسيخ و(تمكين) الدولة المدنية الديمقراطية بخطوة جوهرية في طريق ختم العسكرة و(الانقلابات العسكرية) للأبد. وهي أن نعمل كل الأدوات والإمكانات والخبرات في أنهاء (الإقصاء السياسي) بإعتباره منتج العسكرة ومعمل إعادة انتاجها. وهذا سيكون مدخلي لطرح وجهة نظري.

أعتقد أن التشخيص الصحيح للأزمة السياسية الراهنه وفقاً للمصطلح الذي بلورته الثورة وايقاعها المتصل لثلاثة أعوام هي (العسكرة) بإعتبارها المشكلة وهدف التغيير. بل العسكرة بلغت بالبلاد بحسب إيقاع الثورة مرحلة ضرورة التغيير بما لا يدع مجالاً لمشروع آخر سوى بناء وترسيخ نظام حكم مدني ديمقراطي. هذا الأمر كان جلياً لحظة اعتصام القيادة الذي كشفت لنا عن مشروع إعادة انتاج العسكرة، قبل أن يبلغ تعبيره الاقصى بإنقلاب فض الشراكة، إنقلاب 25 اكتوبر 2021م.

المشروع الذي كان وما يزال يقوده المؤتمر الوطني، الذي تعامل مع الثورة والثوار  بوصفها مظاهرات شغب يمكن توظيفها لعزل البشير ثم إعادة بناء نظام الإنقاذ بمنقار جديد وفقاً للمثال المشهور الذي أشار إليه القيادي الرفيع.  بل إن هذا التشخيص الضال  كان هو الدافع الرئيس لتنفيذ جريمة فض الاعتصام. إذ إن الأمر عند العسكر سينتهي بفض الإعتصام الذي سيختم الحفل المزعج،  ثم ليتفرغوا لترتيب سلطتهم وقد انجزوا عزل البشير وإبعاده، قبل أن يصعقهم موكب الثلاثين من يونيو 2019، الذي كان كافياً أن يقرعهم وينبههم لقوة الثورة وتيارها، ومعرفة إتجاهات مسارها لولا أن على قلوب أقفالها. على النقيض من ذلك تعاملوا مع الأمر بالإنحناء  للعاصفة ريثما تحين لحظة الإنقضاض التي أخذت في التصاعد عبر خلق ومراكمة الأزمات من جهة، و العمل على ضرب تماسك قوى التغيير لينتهي كل ذلك  بانقلاب عسكري يعتمد التمويه للمرة الثانية.

من جهة أخرى يمثل موقف الثوار الشباب على تشدده (اللاءات الثلاثة) البعد أو بالأصح المشروع الأخر الموازي الذي يسعى بوضوح تام إلى بناء نظام حكم مدني تعود فيه (العسكرة) إلى وظيفتها الطبيعية المعروفة، (العسكر للثكنات) بتعبيرهم. هنا المشروع هدفه الواضح والمعلن هو (يجب وضع حد للعسكرة)، ويجب بناء وترسيخ نظام حكم مدني.

بإستصحاب المقدمات السابقة، يبدو جليا أننا أمام مشروعين يسيران في خطين متوازيين بمعنى أنه لا يمكن بل من المستحيل أن يلتقيا. ولكن موقف شباب الثورة في رفضه للعسكرة ينظر للقوى السياسية كجزء من الأزمة، وأنه بعد تجربة حكومة الانتقال الإولى والثانية ضعفت ثقته في أن تحقق القوى الحزبية أي نقلة بإتجاه تجاوز العسكرة لفيحاء الحرية والسلام والعدالة ورحابة النظام المدني الديقراطي وسعته. وهنا نحتاج لنغوص في تشخيص الأزمة حتى نستطيع أن نتعاطى مع الحل بكامل الصراحة والمرونة، خاصة وأن لحظة التغيير الماثلة لا تقبل إلا التعامل معها وفقاً لشروطها، ولا تحتمل الفهلوة والاستهبال والإلتفاف السياسي.

بالنظر المتأمل في تاريخنا تتجلى العسكرة  وفقا لصيرورة دلفت إلى ساحة السياسة السودانية وترسخت بسبب (الإقصاء). ذلك أن القوى السياسية بتياريها العريضين ( اليمين  – واليسار) لجأت للجيش ساعة تضييق الخناق عليها ومحاولة استئصالها لتحسم أمر السلطة باعتباره السبيل الأوحد الذي هدته إليها غريزة البقاء، بل ويضمن لها بالمقابل اقصاء خصمها وتضيق الخناق عليه واستئصاله ريثما يدور عليها ويطبق ذات السيناريو الجهنمي. ولكن للمفارقة كانت كل جولة تنتهي بتخلص العسكر من القوى المدنية الحزبية التي أوصلتهم  للسلطة لينفردوا بها، ودائما نصل هذه المحطة بخسائر كبيرة للقوى التي لجأت للعسكر (تجربة الجزب الشيوعي، وتجربة الجبهة الاسلامية القومية).

أما المفارقة الثانية الأخطر فهي انتقال الإقصاء والإستئصال إلى الداخل الحزبي بإهمال أي عمل أو نشاط بإتجاه الديمقراطية مهما يكن مستواه فهو يثير الريب ويدعو الرفاق والإخوة لتحسس مسدساتهم، فقد أهمل النشاط التثقيفي وسط الجماهير وبين وداخل القوى السياسية، فأصبح الإقصاء منهجاً راسخاً وقوياً حتى في التعامل داخل الأحزاب نفسها، سواءً على مستوى الاشخاص أو المجموعات في حالة الإنشقاق أو الخروج وتكوين حزب آخر، والنعوت جاهزة لتصف الناصح والناقد فضلاً عن المتمرد على الخط بالمرتد والمارق و الخارج عن الملة أو الانقسامي والإنهزامي والبرجوازي الصغير، وتلك ثقافة راسخة وسلوك.

بل من فرط الإقصاء استبعدت السياسة والتعامل السياسي تماماً ليحل محله العسكرة بشتى صورها. فبدلأ عن تكوين أحزاب أو مجموعات ضغط أو جمعيات، أضحت وسيلة التعامل هي الحركات المسلحة، أقصد التعبير العسكري القح في المطالبة والمغالبة، ولا مجال للحوار والمنافسة وسلمية تبادل وانتقال السلطات بين وداخل القوى الموجودة بالساحة. غابت السياسة والتعامل وفقاً للأعراف السياسية وسادت العسكرة وأصحبت هي القاعدة والنموذج.

لقد جاءت ثورة ديسمبر 2019م بتحول في المساق الأعمق للتاريخ وفي إتجاه المستقبل الإنساني الذي انتهى إليه النضج والتجربة البشرية الكونية في تقديس حقوق الإنسان وترسيخ المؤسسات المعبرة عن إرادة الشعوب والامم، وهي بهذا الاعتبار والتغيير ستكون لها جولات ومراحل لتغيير هذا المسار، الذي تتجاوز به الأن حدة المواقف بسبب ثقافة الإقصاء التي تطاولت في الزمان والمكان حتى طغت على السياسة وإستحالت إلى عسكرة شاملة، فالثورة بوجه من الوجوه هي ثورة جيل في مواجهة الإرث السلبي للأجيال السالفة. وهنا الأزمة وتحدي الحلول التي يجب أن تكون في اتجاه خط الثورة والتغيير لمدنية النظام وديمقراطية الحكم.

على الساحة الآن مشروعان وتياران يسيران في تواز والتحدي هو أن نخرج من بينها بنظام قابل للحياة والديمومة نستبدل فيه العسكرة إلى نظام مدني ديمقراطي انتصاراً للثورة وأهدافها. هنا لا ينفع منهج الإقصاء والتمركز على المواقف. يجب أن نعبر ونفتح طريق التغيير بإتجاه الحريات والمدنية. ولكن كيف نواجه (القديم الراسخ) وندفعه للتراجع وإفساح المجال للجديد؟

مشروع مع العسكرة، وآخر مع الثورة والتغيير وإبدال العسكرة بنظام مدني ديمقراطي. سيكون التعويل هنا على معسكر الثورة الراغب في إنهاء العسكرة لبناء أكبر تحالف بين القوى التي تدعم وتؤيد إنهاء العسكرة (بناء الكتلة الحرجة كما طرحها د.الواثق كمير)، ليس هذا فحسب بل يجب الإجتهاد في توسيع هذا الحلف بأي قوى يمكن استقطابها لدعم إنهاء العسكرة، وبنفس الدفع والقوة يجب محاربة تيار العسكرة وحصره وحصاره في اقل قوى ممكنه، العمل في الاتجاهين يتكامل ببناء مؤسسات تدعم وترسخ المدنية والديمقراطية بلا تأخير أو تلكع.

في هذا الإطار يحب إعادة الحركات المسلحة (الموقعة على اتفاقية جوبا) إلى خط الثورة خط المدنية إرتكازا على نضالهم الطويل ضد العسكرة والحرب التي خاضوها من أجل العدالة والسلام، مهما كلف من تكاليف، إذ من الخطأ تركهم للجيش يستغل فيهم البعد المسلح الذي اضطروا له في نضالهم، وهذه مهمة ليست بالسهلة لكنها السياسة ومطلوبات التغيير التي لا مفر من موافاتها حتى تبلغ الثورة تمام المدنية  والديمقراطية وكمالهما.

أعظم تحديات الثورة هي كتلة الاسلاميين، خاصة إذا تركت مستبعدة بالروح والمنهج القديم (الإقصاء)، ستكون معيق كبير لبلوغ غاية الثورة (نظام مدني ودولة مدنية). خاصة والإسلاميين لم يعودوا كتلة واحدة، بل منهم من يدفع بقوة باتجاه الديمقراطية والنظام المدني، ومنهم من هم ضد العسكر، وغالبهم غادروها لكن عاطفتهم تميل بأتجاههم. وقليل الذين تعسكروا وصاروا متشددين عسكرياً أكثر من العسكر، وهؤلاء تحديداً هم الذين يساندون العسكر بكل قدراتهم وإمكانياتهم للمرة الثانية بعد مساندهم لإكمال مشروع المفاصلة الشهير. ولكن ترك هذه الكتلة مقصية ومستهدفة بالاستئصال ممالاة لشهوة وثقافة الخصومة القديمة، خطأ كبير لن يترتب عليه كبير انتصار بإتجاه الدولة والنظام المدني الديمقراطي، بل سنمضي خطوة نحو المدنية لنرجع خطوتين أو أكثر بإتجاه اللانظام والفوضى وطغيان المعاداة الشاملة بين الكتل والمجموعات السياسية.

يجب أن لا نسمح بهزيمة الثورة وذلك بالتحدي ومواجهة الصعاب، وإعمال السياسة باستقطاب أكبر كتلة ممكنة لصالح خط الثورة وتأييدها، وتوظيف كل خطوط التواصل التي سبقت من إتفاقيات أو تحالفات أو حوارات، وحتى تفاهمات ولو على مستوى الأفراد. فدعم خط الثورة وأهدافها نحو مدنية كاملة يتطلب أن يؤسس على أساس قوي ومتين يفتح أمام المدنية كل أبواب وأفاق المستقبل القريب والبعيد، هنا نكون قد أكملنا كل المراحل (الحرجة) تكتلاً للعبور من أزمة انقلاب 25 أكتوبر، واستعدنا بناء تحالف الثورة وقوى التغيير.

المستهدف هنا ليس كسب كتلة بعينها تبدو في حالة إقصاء أو عزلة بل المنهج، أعني يجب إلغاء الإقصاء تماماً، ويجب الأخذ والعطاء مع كل الفضاء السياسي وفقا لروح التغيير الذي طرحته الثورة ووفقاً لأهدافها. هنا يجب كذلك الانفتاح والتعامل مع الإدارة الأهلية، والطرق الصوفية  ومؤسسات المجتمع المدني كافة، وبكلمة واحدة مع الجميع وبإطلاق لا تحفظ فيه إلا وفقاً لموقفك وقراراتك تجاه الثورة وأهدافها، ولكن بلا استسلام وعزل وإقصاء، بل بإعمال السياسة حتى يفئ الجميع للتغييرالذي بات لا مفر منه . هنا يجب الا نقبل حتى بالإستسلام لمن يعزل نفسه، ففتح أفاق التغيير نحو المدنية والديمقراطية يستدعي كل جهد لتمامه بلا بخل أو خشية.

بهذه الروح سنتجاوز أزمة انقلاب 25 إكتوبر بلا عودة لمثلها. بل سنكون قد أغلقنا باب العسكرة والإنقلابات للأبد. فقط بمجاهدة النفس بتغيير منهج الإقصاء، فالإقصاء هو الباب المفرغ لكل مجهود أو مشروع ليصير محض مطية للعسكر، والإقصاء منهج وطريق العسكر لإعادة انتاج سلطتهم وتسلطتهم. يجب كسر عظم الأزمة بإنهاء العسكرة. أختم بأني قد نويت أن أجعل عنوان هذه المقال (حتى يغيروا ما بأنفسهم) ذلك لأن خط قتال هذه الثورة الأول هو أن نغير طرائقنا القديمة في التعامل السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.