قرار رسمي برفع سعر الدولار الجمركي

قرار رسمي برفع سعر الدولار الجمركي
الميناء الجنوبي

يشير القرار الأخير برفع السعر الجمركي للدولار في السودان إلى مسار متواصل من التعديلات النقدية التي تعكس ضغوطًا متزايدة على المالية العامة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد المحلي تحديات حادة مرتبطة بتراجع قيمة العملة واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية. ويأتي هذا التطور ضمن سياق إقليمي ودولي يتسم بارتفاع تكاليف الواردات وتقلص هوامش المناورة أمام الاقتصادات الهشة.

ورفعت السلطات الجمركية السعر المعتمد للدولار إلى 2,827 جنيهًا، وهو التعديل الخامس منذ بداية العام، ما يعكس محاولة مستمرة لمواءمة الرسوم الجمركية مع مستويات الصرف السائدة في السوق. ويُعد هذا الارتفاع امتدادًا لسلسلة من التحركات التي بدأت مطلع يناير، عندما انتقل السعر من 1,700 إلى 2,000 جنيه، قبل أن تتوالى الزيادات بوتيرة متقاربة خلال الأشهر التالية. ويشير هذا المسار إلى سياسة تهدف إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، لكنها في الوقت ذاته ترفع تكاليف الاستيراد وتزيد الضغوط التضخمية.

وشهد سبتمبر الماضي تعديلًا بارزًا عندما رفعت وزارة المالية السعر التأشيري بمقدار 300 جنيه ليصل إلى 2,600 جنيه، بعد فترة استقرار نسبي عند 2,300 جنيه. وكان ذلك رابع تعديل خلال أقل من ستة أشهر، في وقت كانت فيه قيمة الجنيه تتراجع بسرعة أمام الدولار في السوق الموازية، حيث تجاوز السعر 3,700 جنيه في أحدث التداولات. ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ما يجعل التعديلات الجمركية أداة لتعويض جزء من خسائر الإيرادات الحكومية الناتجة عن تآكل قيمة العملة.

ورغم الاتجاه التصاعدي العام، سجّل السعر الجمركي تراجعًا محدودًا في أغسطس، عندما خُفّض بمقدار 87 جنيهًا ليصل إلى 2,313 جنيه، بعد زيادة كبيرة في يوليو رفعت السعر من 2,000 إلى 2,400 جنيه. ويُظهر هذا الانخفاض الاستثنائي محاولة لامتصاص جزء من الضغوط على المستوردين، لكنه لم يغير الاتجاه العام الذي ظل مائلًا نحو الارتفاع.

وتعكس هذه التحركات اعتماد السلطات على آلية تسعير مرنة تتفاعل مع تقلبات سعر الصرف، سواء في البنوك أو في السوق الموازية. غير أن استمرار الفجوة بين السوقين يحد من فعالية هذه السياسة، إذ تبقى الأسعار الجمركية أقل بكثير من مستويات التداول الفعلية، ما يقلل من قدرتها على ضبط حركة الواردات أو كبح التضخم. كما أن ارتفاع السعر الجمركي ينعكس مباشرة على تكاليف السلع المستوردة، وهو ما يضيف ضغوطًا إضافية على المستهلكين في بيئة تتسم بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية.

وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن استمرار تراجع الجنيه سيجعل من الصعب الحفاظ على استقرار السعر الجمركي دون زيادات إضافية خلال العام المقبل. كما أن قدرة السلطات على إدارة هذه السياسة ستظل مرتبطة بتطورات سوق الصرف، ومستوى التدفقات الخارجية، ووتيرة النشاط التجاري. وفي ظل غياب تحسن ملموس في بيئة الاقتصاد الكلي، من المرجح أن تبقى التعديلات الجمركية أداة أساسية لتعويض ضعف الإيرادات، لكنها في الوقت ذاته ستواصل تغذية الضغوط التضخمية التي يواجهها الاقتصاد السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *