السودان فى دائرة الانهيار المالى والجنيه يواصل الانهيار

السودان فى دائرة الانهيار المالى والجنيه يواصل الانهيار

يواصل الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية تسجيل تباين واضح لليوم الثالث على التوالي ، وسط تذبذب واسع في الأسعار من مدينة إلى أخرى، وغياب أي سلطة نقدية مركزية تضبط السوق. هذا الانهيار لا يُعد مجرد تدهور في سعر الصرف، بل يمثل تحولًا هيكليًا في طبيعة الاقتصاد السوداني، الذي بات يُدار خارج مؤسسات الدولة، وتحت سيطرة شبكات غير رسمية من المضاربين والمجموعات المسلحة.

وفق بيانات ميدانية، تراوحت أسعار بيع الدولار الأمريكي في السوق الموازي اليوم الخميس 16 أكتوبر 2025 بين 3550 و3700 جنيه سوداني، بفارق 150 جنيهًا بين المدن، ما يعكس تفاوتًا بنسبة 4.2% في نفس اليوم. هذا التباين انسحب على باقي العملات الأجنبية، حيث بلغ سعر الريال السعودي بين 946 و986 جنيهًا، والدرهم الإماراتي بين 967 و1008 جنيهًا، واليورو بين 4127 و4302 جنيهًا، والجنيه الإسترليني بين 4733 و4933 جنيهًا. هذه الفروقات لا تعكس فقط اختلافات في العرض والطلب، بل تشير إلى غياب آلية وطنية لتحديد الأسعار، وتحول كل مدينة إلى وحدة تسعير مستقلة.

منذ بداية الحرب، فقد الجنيه السوداني أكثر من 560% من قيمته، حيث كان سعر الدولار لا يتجاوز 560 جنيهًا في أبريل 2023، بينما بلغ اليوم 3700 جنيه. هذا الانهيار لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بوظيفة العملة نفسها، التي لم تعد تُستخدم في المعاملات الكبرى، وتحولت إلى وسيط غير موثوق، يُستبدل بالدولار أو الريال في معظم التعاملات التجارية. هذا التحول يعكس انهيارًا في الثقة، ويضع تحديات جسيمة أمام أي محاولة مستقبلية لإعادة بناء النظام النقدي.

مؤشرات دولية: السودان في دائرة الانهيار المالي

تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أكتوبر 2025 صنّف السودان ضمن الدول ذات المخاطر القصوى في استدامة الدين العام، مع تجاوز الدين الخارجي حاجز 60 مليار دولار، معظمها في حالة تعثر. كما أشار التقرير إلى أن الاحتياطات الأجنبية الفعلية تقلصت بنسبة 85% منذ بداية الحرب، ما أدى إلى فقدان الدولة لأدوات التدخل النقدي، وترك السوق الموازي يحدد الأسعار دون أي رقابة. البنك الدولي بدوره أكد أن الناتج المحلي الإجمالي للسودان انكمش بنسبة 42% خلال ثلاث سنوات، مع توقف أكثر من 60% من المصانع، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية.

التضخم المفرط: الأسعار تنفصل عن الواقع

في ظل هذا الانهيار، سجل السودان معدلات تضخم مفرط تجاوزت 118% في 2025، وفقًا لتقديرات البنك الدولي. هذا التضخم لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل يعكس فقدان الدولة للسيطرة على أدوات السياسة النقدية والمالية. في بعض المدن، تجاوز سعر كيلو اللحم 26,000 جنيه، وسعر لتر الوقود 9,000 جنيه، ما يعكس انفصال الأسعار عن الواقع الاقتصادي المحلي، وتحول السوق إلى بيئة غير قابلة للتنبؤ أو التنظيم.

في ظل استمرار الحرب، وتوسع الاقتصاد الموازي، وتراجع الإنتاج، تشير التوقعات إلى أن سعر الدولار قد يتجاوز حاجز 5000 جنيه بحلول منتصف 2026، وفقًا لنماذج التحليل المالي التي نشرتها مؤسسات بحثية دولية مثل IFPRI وIMF. هذه التوقعات لا تستند فقط إلى مؤشرات التضخم أو سعر الصرف، بل إلى تحليل بنيوي لطبيعة الاقتصاد السوداني، الذي بات يُدار خارج الدولة، وتحت سيطرة شبكات غير رسمية من التجار والمضاربين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *