احتدام معارك السودان يدفع الرباعية للعودة إلى المشهد عبر تحركات دبلوماسية مكثفة
تظهر التحركات الدبلوماسية المتسارعة في القرن الأفريقي حجم الاهتمام الإقليمي والدولي بالأزمة السودانية ومساعي الوصول إلى وقف للقتال.
اختتم وزير الدولة في وزارة الخارجية الإماراتية شخبوط بن نهيان زيارة رسمية إلى أديس أبابا، الثلاثاء، أجرى خلالها مباحثات مع وزير الخارجية الإثيوبي ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي تناولت تطورات الوضع في السودان وضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية. واتفق الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا والإمارات على أهمية وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء عملية انتقالية شاملة تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة.
وأكدت إثيوبيا والإمارات خلال اللقاء أهمية شراكتهما الاستراتيجية في دعم الأمن والاستقرار وحماية مصالحهما الاقتصادية، مشددتين على التزامهما المشترك بترسيخ السلام. وأدانت الدولتان الهجمات التي ينفذها طرفا النزاع ضد المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، ودعتا الجانبين المتحاربين إلى الالتزام بحماية المدنيين، معتبرتين أن إنهاء الحرب مسؤولية تقع على عاتق الطرفين.
وجدد الجانبان دعمهما للمسار الإنساني والسياسي في السودان، مستذكرين المؤتمر الإنساني رفيع المستوى الذي استضافته الإمارات وإثيوبيا بالشراكة مع الهيئة الحكومية للتنمية والاتحاد الأفريقي في فبراير 2025، والذي أسهم في حشد دعم دولي واسع لمواجهة تدهور الأوضاع المعيشية في السودان.
وفي سياق متصل، بحث رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف مع شخبوط بن نهيان تطورات الملف السوداني، حيث أدان الطرفان الهجمات التي تستهدف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وأكدا ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته. وبالتوازي مع ذلك، ناقش المستشار الأميركي الأول لشؤون العرب وأفريقيا مسعد بولس، الثلاثاء، مع مسؤولين سعوديين تطورات الأزمة السودانية، واصفاً اجتماعاته مع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بأنها مثمرة. وقال بولس في منشور على منصة إكس إن المحادثات ركزت على الجهود المشتركة للتوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار، وعلى سبل تعزيز الشراكة الأميركية السعودية في القضايا الإقليمية.
كما أجرى وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد اتصالاً مع نظيره المصري بدر عبدالعاطي، تناول تطورات الوضع في السودان وضرورة التوصل إلى هدنة تسمح بإيصال المساعدات الإنسانية.
وفي قراءة أوسع للمشهد، قال الخبير الإعلامي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور النور جادين إن زيارة شخبوط بن نهيان إلى إثيوبيا واجتماعاته مع المسؤولين الإثيوبيين والاتحاد الأفريقي تأتي ضمن حراك مكثف تشهده منطقة القرن الأفريقي والسودان، إلى جانب تحركات موازية في السعودية ومصر ودول أخرى معنية بالملف السوداني. وأوضح أن الحرب في السودان دمرت البنية التحتية ودَفعت الأطراف الإقليمية والدولية إلى تكثيف جهودها لوقف القتال والوصول إلى اتفاقات تضمن السلام.
وأضاف أن الدول ذات المصالح في السودان، مثل السعودية ومصر وإثيوبيا والإمارات وإريتريا والولايات المتحدة وتركيا، تتحرك بفعالية سعياً لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن السودان يتمتع بأهمية استراتيجية في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، سواء من حيث موارده أو موقعه الجيوسياسي. وذكر أن السودان يمتلك موارد كبيرة تشمل المياه والبترول واليورانيوم والمعادن والذهب والصمغ العربي والأراضي الزراعية الواسعة، إضافة إلى موقعه على البحر الأحمر وقربه من إثيوبيا وإريتريا.
وأشار إلى أن هذه العوامل تجعل السودان محوراً مهماً في الحسابات الإقليمية والدولية، لافتاً إلى أن دولاً مثل إثيوبيا تسعى للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، وهو ما تسبب في توترات مع الصومال، خاصة مع وضع إقليم أرض الصومال الذي تعترف به إسرائيل فقط.
وتحدث جادين عن مصالح إسرائيل في المنطقة، مشيراً إلى ارتباطها بممر باب المندب واليمن، وإلى أن السودان يشكل جسراً بين أفريقيا والعالم العربي والإسلامي والآسيوي. وقال إن استقرار السودان يهم العديد من الدول، خاصة في ظل موجات النزوح الكبيرة التي يشهدها، مؤكداً أن العامل الإنساني أصبح محورياً في المواقف الدولية.
وأوضح أن دولاً غربية وإقليمية تدعو إلى فتح ممرات إنسانية عبر تشاد وإثيوبيا والقاهرة لإنقاذ ملايين المتضررين من الحرب. وأضاف أن ما يحدث في السودان يؤثر على القرن الأفريقي والقارة الأفريقية والعالم العربي، ويمتد تأثيره إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر الهجرة وتنامي الحركات المسلحة.
وتطرق جادين إلى جهود الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، مشيراً إلى أن هذه الدول بذلت جهوداً كبيرة في مسارات جدة وجنيف، وأن السعودية تجري حالياً حوارات مع السلطات السودانية وقيادة الدعم السريع للوصول إلى اتفاق. وأكد أن الدول تتحرك وفق مصالحها، وأن امتلاك السودان موارد ضخمة غير مستغلة يجعله عرضة للتدخلات.
وأشار إلى أن منطقة الفشقة مثال على الأراضي الخصبة التي تتنافس عليها أطراف عدة، مؤكداً أن السودان يواجه تحديات كبيرة في حماية حدوده الممتدة مع تشاد وليبيا ومصر وإثيوبيا وإريتريا.
وقال إن السودان يحتاج إلى جيش قوي قادر على حماية حدوده، وإلى دبلوماسية فعالة، وإلى استخدام أدواته السياسية والإعلامية بما يخدم مصالحه. وذكر أن الإمارات ضخت استثمارات كبيرة في دول المنطقة، بما في ذلك السودان، في مجالات التعدين والمشروعات الكبرى، وأنها تتحرك وفق مصالحها.
وختم جادين بالقول إن المنطقة تشهد حراكاً واسعاً، وإن زيارة الوفد الإماراتي واجتماعه مع الاتحاد الأفريقي يأتيان ضمن هذا السياق، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه الجهود في وقف الحرب وإنقاذ المدنيين في السودان والقرن الأفريقي.
