مستويات جديدة فى سعر الجنيه السودانى مقابل العملات الاجنبية
في تحول جديد يعكس تفكك المنظومة النقدية في السودان، سجلت أسعار صرف العملات الأجنبية اليوم الخميس 9 أكتوبر 2025 مستويات غير مسبوقة في السوق الموازي، لتؤكد أن الجنيه السوداني بات خارج السيطرة الرسمية. الدولار الأميركي بلغ 3700 جنيه للبيع، في قفزة تعكس انهيارًا تامًا في قيمة العملة الوطنية، التي كانت قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 عند مستوى 560 جنيهًا. هذه الزيادة البالغة 560% خلال أقل من ثلاث سنوات لا تمثل مجرد تراجع في سعر الصرف، بل انهيارًا هيكليًا في الثقة، في ظل غياب أي أدوات نقدية أو مؤسسات مالية قادرة على التدخل.
تقرير حديث صادر عن مركز الدراسات الاقتصادية التابع لجامعة أكسفورد، نُشر في سبتمبر الماضي، وصف الوضع في السودان بأنه “تفكك نقدي غير قابل للعكس”، مشيرًا إلى أن السوق الموازي أصبح المرجع الوحيد لتحديد قيمة الجنيه، بعد أن فقد البنك المركزي قدرته على التدخل. التقرير أشار إلى أن أكثر من 85% من المعاملات التجارية تتم اليوم خارج النظام المصرفي، إما بالدولار أو عبر المقايضة، ما يعكس انهيارًا في الثقة بالعملة المحلية والمؤسسات الرسمية. هذا التحول البنيوي في طبيعة الاقتصاد السوداني يضع البلاد على حافة “الدولرة الكاملة”، وهو سيناريو سبق أن شهدته دول مثل زيمبابوي وفنزويلا.
الاقتصاد خارج السيطرة
في تقرير نشرته وكالة Bloomberg Economics في أكتوبر الجاري، وصفت فيه السودان بأنه “اقتصاد خارج السيطرة”، مشيرة إلى أن الحرب المستمرة منذ 18 شهرًا تسببت في شلل كامل للقطاع المصرفي، وتوقف شبه تام للإنتاج الزراعي والصناعي، وانهيار سلاسل الإمداد. التقرير أشار إلى أن التضخم تجاوز 400%، وأن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة 21% خلال عام واحد، مع فقدان أكثر من 70% من الوظائف في القطاع الرسمي. هذه المؤشرات تضع السودان في المرتبة الثانية عالميًا من حيث سرعة الانهيار النقدي، بعد فنزويلا، وفقًا لتصنيف صادر عن Global Economic Fragility Index.
توقعات قاتمة
في حال استمرار الحرب دون تدخل دولي حاسم، يتوقع خبراء أن يتجاوز سعر صرف الدولار حاجز 5000 جنيه سوداني خلال النصف الأول من عام 2026. تقرير صادر عن معهد Peterson Institute for International Economics أشار إلى أن السودان يواجه خطر “الانهيار النقدي الكامل”، حيث تصبح العملات الأجنبية هي الوسيلة الوحيدة للتبادل التجاري، وتفقد الدولة قدرتها على إدارة السياسة النقدية. التقرير حذر من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تفكك اقتصادي واجتماعي، مع تزايد معدلات الفقر، وانهيار الخدمات العامة، وتراجع الاستثمار الأجنبي إلى مستويات صفرية.
نهاية العملة الوطنية
الجنيه السوداني، الذي كان يومًا رمزًا للسيادة الاقتصادية، بات اليوم في طريقه إلى الزوال كعملة متداولة. في ظل غياب إصلاحات هيكلية، واستمرار الحرب، وتراجع الدعم الدولي، فإن السودان يتجه نحو مرحلة من “الاقتصاد الرمادي”، حيث تسود العملات الأجنبية، وتُستبدل المؤسسات الرسمية بشبكات غير رسمية. هذا التحول لا يهدد فقط الاستقرار المالي، بل يضعف قدرة الدولة على إعادة البناء بعد الحرب، ويجعل من استعادة الثقة في النظام النقدي مهمة شبه مستحيلة دون تدخل دولي واسع النطاق.
