ألف يوم من الانكماش الاقتصادي .. اطالة الحرب افقد الجنيه السوداني قيمته

ألف يوم من الانكماش الاقتصادي .. اطالة الحرب افقد الجنيه السوداني قيمته

حين تطول الحروب ويتآكل فيها ما تبقى من مؤسسات الدولة، تتحول العملة الوطنية من أداة للتبادل إلى مقياس يومي لمدى تفكك الاقتصاد.

وفي السودان، بعد مرور ألف يوم على اندلاع القتال، لم يعد الجنيه مجرد ضحية للتقلبات النقدية، بل تجسيدًا لتحول أعمق في بنية الاقتصاد نفسه، حيث باتت السوق الموازية هي التي تحدد الإيقاع، فيما تراجع دور السياسات الرسمية إلى الهامش.

فالسعر المتداول للدولار—نحو 3750 جنيهًا للبيع و3665 جنيهًا للشراء في 11 يناير 2026 وفق مؤشرات اخبار السودان اليومية —لا يعكس مجرد ضعف في العملة، بل يعبر عن اقتصاد أعاد تشكيل نفسه بعيدًا عن القنوات المؤسسية. فقبل الحرب، كان الدولار عند حدود 560 جنيهًا؛ أما اليوم، فقد فقدت العملة أكثر من خمسة أسداس قيمتها، في تحول يشي بأن أدوات السياسة النقدية لم تعد قادرة على التأثير في سوق تعمل وفق قواعد جديدة نشأت خلال سنوات الصراع.

هذا الانفصال بين السوق الرسمية والواقع الفعلي لم يأتِ من فراغ. فخلال الألف يوم الماضية، تراجعت قدرة البنوك على توفير النقد الأجنبي، وتقلصت التحويلات الخارجية، وتراجعت الصادرات الزراعية والنفطية. ومع غياب مصادر مستقرة للعملات الصعبة، أصبح السوق الموازي هو المرجع الوحيد للتسعير. العملات الأخرى تعكس الاتجاه ذاته: الريال السعودي عند حدود الألف جنيه، اليورو فوق 4400 جنيه، والجنيه الإسترليني يقترب من 5000 جنيه—أرقام لا تعكس قوة تلك العملات بقدر ما تعكس هشاشة الجنيه.

وتشير تقارير المؤسسات الدولية خلال 2025 إلى اقتصاد يتقلص بينما تتضخم الكتلة النقدية. فالناتج المحلي انكمش بشدة، والتضخم اقترب من 119%، والإيرادات الضريبية تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تجاوزت خسائر القطاع المصرفي 20 مليار دولار. هذه المؤشرات تفسر لماذا أصبح سعر الصرف يتحرك وفق العرض والطلب في السوق الموازية، لا وفق قرارات البنك المركزي. فالنقود المطبوعة تتزايد بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، ما يضغط على الجنيه باستمرار.

وفي قلب هذا المشهد، برزت مصادر النقد الأجنبي—الذهب والنفط—كعناصر صراع لا كموارد اقتصادية. فسيطرة قوات الدعم السريع على حقل هجليج عطلت جزءًا من صادرات جنوب السودان، بينما توسعت شبكات تهريب الذهب لتصبح المورد الأكثر استقرارًا للعملات الأجنبية، وإن كان خارج النظام الرسمي. كما أصبحت طرق الإمداد خاضعة لرسوم متعددة تفرضها جهات مختلفة، ما رفع تكلفة الواردات وزاد الضغط على سعر الصرف. وهكذا باتت قيمة الجنيه مرتبطة بتوازنات القوى العسكرية أكثر من ارتباطها بالسياسات الاقتصادية.

أما على مستوى الحياة اليومية، فقد كان أثر هذا الانهيار النقدي مباشرًا وقاسيًا. فالرواتب فقدت معظم قيمتها الحقيقية، والمدخرات تبخرت، وأسعار الغذاء والدواء والنقل ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة. ففي بورتسودان، تضاعفت أسعار اللحوم من 12 ألفًا إلى اكثر من 26 ألف جنيه، وفي الخرطوم باتت الأسر تشتري السلع الأساسية بكميات صغيرة بسبب ارتفاع الأسعار. وهكذا أصبح سعر الصرف مؤشرًا اجتماعيًا بقدر ما هو اقتصادي.

ورغم أن السوق تبدو مستقرة نسبيًا اليوم، فإن هذا الاستقرار هش. فالفروق الضيقة بين سعري البيع والشراء تعكس استعدادًا لتحركات جديدة، خصوصًا مع اقتراب رمضان، حيث يرتفع الطلب على النقد الأجنبي لتمويل واردات السلع الغذائية. وفي ظل غياب أي تحسن في جانب العرض، قد تشهد السوق موجة ضغط جديدة خلال الأسابيع المقبلة.

وبالنظر إلى الاتجاهات التي ترسخت خلال الألف يوم الماضية—استمرار الحرب، تراجع التحويلات، ضعف الإنتاج، توسع اقتصاد الظل، والطلب الموسمي—يرى محللون تحدصثوا مع مراسل موقع اخبار السودان أن بلوغ الدولار مستوى 4000 جنيه قريبًا يبدو مرجحًا، وأن الوصول إلى 5000 جنيه خلال الربع الأول من 2026 ليس سيناريو مبالغًا فيه، بل امتداد لمسار نقدي مستمر.

فبعد ألف يوم من الحرب، أصبح الجنيه السوداني عملة تتحرك وفق اقتصاد موازٍ، وأداة تسعير خارج سيطرة الدولة، ومؤشرًا على الضغوط الاجتماعية بقدر ما يعكس الأداء الاقتصادي. وفي غياب تحول سياسي يعيد للدولة دورها في إدارة الاقتصاد، سيظل سعر الصرف يتحرك ضمن نطاق يعكس المخاطر الهيكلية، لا إمكانات التعافي، مع احتمالات متزايدة لمزيد من التراجع في الأشهر المقبلة.

سوق موازية أصبحت مركز التسعير الرئيسي

خلال الألف يوم الماضية، فقدت البنوك قدرتها على توفير النقد الأجنبي، وتراجعت التحويلات الخارجية، وتقلصت الصادرات الزراعية والنفطية. النتيجة: السوق الموازي أصبح المرجع الوحيد لتحديد سعر الصرف.

العملات الرئيسية الأخرى تعكس الاتجاه نفسه:

  • الريال السعودي حول 1000 جنيه
  • اليورو فوق 4400 جنيه
  • الجنيه الإسترليني قريب من 5000 جنيه

هذه المستويات لا تعكس قوة العملات الأجنبية، بل ضعف الجنيه في اقتصاد فقد أدواته النقدية.

ألف يوم… وألف طريقة تغيّر بها الاقتصاد

خلال هذه الألف يوم، لم يتغير سعر الصرف فقط. تغيّر من يملك القدرة على تحديده.

  • البنوك فقدت دورها
  • الاحتياطي الأجنبي تبخر
  • التحويلات الخارجية تراجعت
  • الذهب أصبح العملة الحقيقية
  • طرق التهريب تحولت إلى شرايين الاقتصاد
  • المجموعات المسلحة أصبحت جزءاً من منظومة التسعير

في تقرير للبنك الدولي، وُصف السودان بأنه “اقتصاد يعمل خارج الدولة”. وفي اخبار السودان، نترجم هذه العبارة إلى صورة: اقتصاد يتحرك مثل قارب بلا دفة، تدفعه الرياح لا القرارات.

سعر الصرف كقصة إنسانية

في مخيمات النزوح، لا أحد يسأل عن سعر الدولار. لكن كل شيء في حياتهم مرتبط به:

  • عدد الوجبات
  • كمية الدواء
  • تكلفة النقل
  • القدرة على البقاء في المدرسة
  • احتمال الهجرة

ألف يوم من الانكماش: اقتصاد يتقلص بينما تتوسع الكتلة النقدية

تقارير البنك الدولي وصندوق النقد خلال 2025 تشير إلى:

  • انكماش اقتصادي واسع
  • تضخم يقترب من 118.9%
  • تراجع الإيرادات الضريبية إلى مستويات تاريخية
  • توسع في الكتلة النقدية لتمويل العجز
  • خسائر مصرفية تتجاوز 20 مليار دولار

هذه المؤشرات تفسر لماذا أصبح سعر الصرف يتحرك وفق العرض والطلب في السوق الموازي، لا وفق السياسة النقدية.

فخلال الألف يوم الماضية، توسعت الكتلة النقدية بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد السلع والخدمات، ما أدى إلى ضغط مستمر على الجنيه.

الجنيه بين رقمين: 560 و3750… وما بينهما حياة كاملة تغيّرت

بين الرقمين مسافة زمنية قصيرة، لكنها مسافة اجتماعية هائلة:

  • موظف كان راتبه يكفي شهراً كاملاً، أصبح يكفي أسبوعاً
  • مدخرات عمر كامل تقلصت إلى أقل من السدس
  • تكلفة الخروج من السودان أصبحت حلماً بعيداً
  • أسعار التعليم والعلاج تضاعفت مرات عديدة

سيناريوهات الربع الأول: لماذا يبدو مستوى 5000 جنيهاً ممكناً؟

استناداً إلى الاتجاهات التي ترسخت خلال الألف يوم الماضية، يرى محللون أن:

  • استمرار الحرب
  • تراجع التحويلات
  • ضعف الإنتاج
  • توسع اقتصاد الظل
  • زيادة الطلب الموسمي

كلها عوامل قد تدفع الدولار إلى 4000 جنيه قريباً، وربما إلى 5000 جنيه خلال الربع الأول من 2026.

هذه التوقعات ليست مبنية على المضاربات، بل على مسار نقدي مستمر منذ ألف يوم.

باختصار

بعد ألف يوم من الحرب، أصبح الجنيه السوداني:

  • عملة تتحرك وفق اقتصاد موازٍ
  • أداة تسعير خارج سيطرة الدولة
  • مؤشر ضغط اجتماعي واقتصادي
  • ضحية مباشرة لتوسع الكتلة النقدية وتراجع الإنتاج
  • مرآة لاقتصاد فقد بنيته الرسمية

في نهاية هذا التحقيق، لا يبدو الجنيه مجرد عملة فقدت قيمتها. بل يبدو قصة بلد كامل:

  • حرب أعادت تشكيل الاقتصاد
  • دولة فقدت أدواتها
  • مجتمع يعيش على الحد الأدنى
  • سوق موازية أصبحت المؤسسة الأكثر نفوذاً
  • عملة تتحرك وفق منطق البقاء لا منطق الاقتصاد

بعد ألف يوم من الحرب، أصبح الجنيه السوداني مرآة: مرآة لاقتصاد يتآكل، ولمجتمع يقاوم، ولحياة تتغير كل يوم مع كل رقم جديد على شاشة الصرف.

وفي غياب تحول سياسي يعيد للدولة دورها، سيظل سعر الصرف يتحرك ضمن نطاق يعكس المخاطر الهيكلية، لا الأداء الاقتصادي، مع احتمالات متزايدة لمزيد من التراجع خلال الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *