الذهب في السودان… أرقام متضاربة واتهامات متصاعدة بالتهريب وسط ضعف الرقابة

الذهب في السودان… أرقام متضاربة واتهامات متصاعدة بالتهريب وسط ضعف الرقابة

حين تصبح الموارد الطبيعية أكثر غموضًا من أن تُقاس وأثمن من أن تُدار، يتحول الذهب من نعمة اقتصادية إلى مرآة تكشف هشاشة الدولة ومحدودية قدرتها على فرض النظام.

وهذا هو حال السودان اليوم، حيث يدور جدل محتدم حول حجم الإنتاج الحقيقي للذهب، وحول ما إذا كانت عائداته تجد طريقها إلى الخزانة العامة أم تتسرب عبر شبكات تهريب تعمل في الظل.

فالبيانات الرسمية، التي تشير إلى إنتاج سنوي يبلغ 70 طنًا، تبدو بعيدة عن إقناع المختصين. فبحسب خيري عبد الرحمن، وزير الطاقة الأسبق، لا تمثل هذه الكمية سوى أقل من 7% من حجم الميزانية العامة، وهي نسبة لا تتناسب مع الدور المفترض للذهب في اقتصاد يعتمد عليه لتعويض انهيار القطاعات الإنتاجية الأخرى. ويشير عبد الرحمن إلى أن 58 طنًا من هذا الإنتاج تأتي من التعدين التقليدي، وهو قطاع غير منظم بطبيعته، يصعب إخضاعه للرقابة أو دمجه في منظومة رقمية توقفت مشاريعها بسبب نقص التمويل.

ويضيف أن المستثمرين في مربعات الامتياز باتوا يميلون إلى شراء مخلفات التعدين التقليدي—المعروفة محليًا بـ“الكرتة”—بدل الاستثمار في عمليات استكشاف حقيقية، ما يحد من تطوير القطاع ويزيد من الفاقد الإنتاجي. هذا السلوك يعكس اقتصادًا يعمل بمنطق الربح السريع، لا بمنطق بناء صناعة مستدامة.

لكن الصورة الرسمية تبدو أكثر ضبابية عند مقارنتها بتقديرات خبراء مستقلين. فالدكتور شوقي عزمي محمود وفق تصريحات لراديو دبنقا رصدها اخبار السودان يرى أن الإنتاج الفعلي قد يتجاوز 120 طنًا سنويًا، بقيمة تقارب 9.8 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف ما تعلنه الحكومة. ويشير إلى أن تهريب الذهب لا يزال مستفحلًا، وأن السياسات الحكومية—التي تعتمد على الرسوم بدل الإنتاج المباشر—تخلق حوافز تدفع المعدنين إلى البيع خارج القنوات الرسمية.

ويذهب عزمي إلى أن شركات مثل “أرياب” ينبغي أن تتحول إلى منتج فعلي، لا مجرد جهة تجبي الرسوم، حتى تتمكن الدولة من الاستفادة من مواردها بدل تركها تتبدد في اقتصاد موازٍ لا يخضع للضرائب ولا للرقابة. كما يدعو إلى إنشاء بورصة ذهب بمعايير تقنية عالية، وربطها بالمؤسسات ذات الصلة لضمان الشفافية، إلى جانب تخفيض الرسوم الحكومية التي تدفع المنتجين نحو السوق السوداء.

هذه النقاشات تأتي في لحظة حرجة. فالسودان يعتمد على الذهب كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية بعد تراجع عائدات النفط وانهيار قطاعات الزراعة والصناعة بفعل الحرب. ومع توسع نفوذ الجماعات المسلحة في مناطق التعدين، وغياب رقابة حكومية فعالة، تتزايد المخاوف من أن يتحول الذهب إلى مورد يغذي الصراع بدل أن يدعم الاقتصاد.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن مستقبل الذهب في السودان لن يُحسم عبر الأرقام وحدها، بل عبر قدرة الدولة على استعادة السيطرة على قطاع استراتيجي يتداخل فيه الاقتصاد بالسياسة والأمن. فإذا لم تُعالج جذور الفوضى—من ضعف المؤسسات إلى غياب الشفافية—سيظل الذهب موردًا يلمع في الأسواق العالمية بينما يتلاشى أثره داخل البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *