غياب الجامعات السودانية عن التصنيف العالمى.. مخاوف ازمة تعليمية
غياب الجامعات السودانية عن تصنيف دافوس يعكس أزمة التعليم العالي وسط الحرب والاضطرابات
في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الصادر من دافوس لعام 2024، خرجت الجامعات السودانية بالكامل من التصنيف الدولي لجودة التعليم، وهو ما يعكس تراجعاً شاملاً يشهده قطاع التعليم العالي في البلاد. هذا الغياب يأتي في ظل تقاطع آثار الحرب والاضطرابات السياسية مع ضعف البنية المؤسسية وغياب الاستقرار الأكاديمي، الأمر الذي عمّق الفجوة بين السودان ومحيطه الإقليمي والدولي.
نتائج التقرير
التقرير الذي صدر قبل أسبوع أظهر أن السودان أصبح ضمن ست دول عربية لم يشملها التصنيف، إلى جانب ليبيا والصومال والعراق وسوريا واليمن، في وقت تواصل فيه بعض الدول العربية تحقيق تقدم ملحوظ في مجالات التعليم وجودته. وجاءت قطر في المرتبة الأولى عربياً والرابعة عالمياً، تلتها الإمارات في المركز الثاني عربياً والعاشر عالمياً، ثم لبنان في المرتبة الثالثة عربياً والـ25 عالمياً. كما توزعت بقية المراتب العربية على البحرين والأردن والسعودية وتونس والكويت والمغرب وعُمان والجزائر وموريتانيا، فيما جاءت مصر في المرتبة الأخيرة عربياً والـ139 عالمياً. وعلى المستوى العالمي تصدرت سنغافورة القائمة، تلتها سويسرا ثم فنلندا، وهو ما يعكس اتساع الفارق بين الأنظمة التعليمية المتقدمة وتلك التي تواجه تحديات بنيوية.
معايير التصنيف
يعتمد المؤشر على مجموعة من المعايير التي تشمل جودة المؤسسات التعليمية، مستوى الكفاءات، تشجيع الابتكار والبحث العلمي، البيئة الاقتصادية الداعمة للعملية التعليمية، الصحة العامة للطلاب، ملاءمة التعليم لسوق العمل، تطور المناهج، والجاهزية التكنولوجية. هذه المعايير مجتمعة تمثل الأساس الذي تُمنح على ضوئه مواقع الدول في التصنيف السنوي لجودة التعليم، وهو ما يبرز حجم التراجع الذي عانت منه الجامعات السودانية في السنوات الأخيرة.
تعليق سياسي
المحلل السياسي إسماعيل شريف أوضح أن خروج الجامعات السودانية من التصنيف الدولي يُعد نتيجة طبيعية لظروف الحرب وتوقف الدراسة بالجامعات خلال العامين الماضيين، إلى جانب التذبذب الذي سبق الحرب منذ جائحة كورونا والأحداث التي صاحبت ثورة ديسمبر. وأشار في مقابلة مع صحيفة “التغيير” إلى أن التعليم الإلكتروني لم يشهد التطور الذي يضمن استمرارية العملية التعليمية، رغم اعتماد أول مدرسة إلكترونية في نهاية عام 2023، إلا أن مقاومة التغيير والتمسك بالنمط التقليدي حالا دون الاستفادة من هذه الخطوة. وأضاف أن تراكم الدفعات الجامعية تحت مسميات ساخرة يعكس عمق الأزمة، مؤكداً أن خروج السودان من التصنيف سينعكس سلباً على سمعة الجامعات وقدرتها على جذب الطلاب السودانيين والأجانب، بعد أن كانت تحظى باحترام واسع في المنطقة العربية والأفريقية.
أزمة بنيوية
شريف أشار إلى أن غياب الجامعات السودانية عن التصنيف العالمي يمثل مؤشراً خطيراً على مستقبل التعليم والاقتصاد وحتى الأمن القومي، لارتباط التعليم بالوعي والاستقرار. وأوضح أن المعايير التي تقوم عليها التصنيفات الدولية تضررت في السودان بصورة واضحة، بدءاً من البنية التعليمية التي تعرضت للتلف والنهب في ولايات عدة، مروراً بنقص أعضاء هيئة التدريس نتيجة الهجرة الواسعة، وصولاً إلى تراجع الإنتاج البحثي بفعل غياب الكفاءات العلمية. وأضاف أن المؤسسات التعليمية باتت عاجزة عن القيام بدورها التنموي والاجتماعي بسبب ظروف الحرب، وأن الإنفاق الحكومي يميل نحو الجانب العسكري على حساب التعليم، إلى جانب غياب الخطط الإصلاحية الضرورية لتطوير هذا القطاع.
موقف المعلمين
المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر اعتبر أن خروج السودان من التصنيف لم يكن مفاجئاً لمن يتابع ملف التعليم، لأنه ناتج عن أخطاء تراكمت عبر عقود طويلة ظل فيها التعليم في أدنى سلم أولويات الدولة، وتعرض خلالها ليكون أداة للصراع الفكري والسياسي، وصولاً إلى تأثيرات الواقع العسكري الراهن. وأوضح في حديثه مع صحيفة “التغيير” أن أي إصلاح يتطلب وضع التعليم في إطار صحيح يقوم على سياسات وقوانين وهياكل جديدة، وإجراء تغيير جذري في المدخلات والعمليات حتى تصبح المخرجات قادرة على تلبية احتياجات الفرد والمجتمع والدولة، مع ضرورة إبعاد التعليم عن الصراعات ليكون شأناً عاماً يتداعى المجتمع لحمايته عند الأزمات.
رؤية أكاديمية
من جانبه، أوضح عميد كلية دار العلوم والتكنولوجيا البروفسور إبراهيم محمد آدم أن خروج الجامعات السودانية من تصنيف دافوس أمر متوقع، لكنه قلل من تأثير هذا التصنيف على وضع الجامعات الفعلي، مؤكداً أنه لا يعدو أن يكون تصنيفاً صادراً عن مركز واحد من بين مراكز تصنيف مختلفة عالمياً مثل شنغهاي وويبوماتريكس. وأكد أن هذا التصنيف لا يؤثر على الاعتراف الأكاديمي، لأن الاعتراف تمنحه اتحادات الجامعات العربية والإقليمية والأفريقية، والسودان عضو فيها وملتزم بمعاييرها. وأشار إلى أن الحرب أثرت بشكل كبير على الجامعات، وبعضها أغلق بالكامل في ولايات غرب السودان، إلا أن الجامعات استطاعت رغم الظروف الصعبة مواصلة العمل والاعتماد على التعليم الإلكتروني الذي أُقر منذ عام 2020، مع استعادة بعض المؤسسات لمعاملها واستمرار التدريب السريري في الكليات الطبية.
دعوة للاستقرار
آدم شدد على أهمية عودة الأسر السودانية إلى البلاد من أجل تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات التعليمية، مبيناً أن التنمية لا تتحقق دون مشاركة المجتمع في إعادة الإعمار، وأن الاستقرار في الجامعات يرتبط مباشرة بعودة الكفاءات والطلاب لدعم استمرار العملية التعليمية. ودعا إلى القيام بالأدوار المجتمعية التي تعزز إعادة تأهيل الجامعات وإعادتها إلى مكانتها السابقة. ورغم محاولات صحيفة “التغيير” للتواصل مع وزارة التعليم العالي، لم يتسنّ الحصول على تعليق من الوكيل علي الشيخ بشأن ما أورده التقرير من تراجع في وضع الجامعات السودانية.
