الأخبار
Time: 5:54

زيدان إبراهيم... الرومانسية السمراء!!

الثلاثاء, 26 كانون1/ديسمبر 2017 15:45

الخرطوم: سودان تايمز

لما علم خال الفتى (محمد إبراهيم)، بأنّ ابن أخته يُغنّي، قطع بعدم فائدته في الحياة بتاتاً، بل ويستحق (الموت الأحمر). فكيف وهو على قيد الحياة، يرضى بأنْ يترك ابن أخته درب الدراسة والتعلم، ليُصبح (فناناً)، بل و(صعلوكاً، وصايعاً) لم يستغرق زمناً كثيراً في التفكير، حمل بُندقيته، وانتظره حتى قدومه البيت متأخراً في المساء، وبدأتْ المطاردة بين الخال حامل البندقية، وبين الفتى محمد إبراهيم. وانتهت المطاردة بقرار الفتى تركه المنزل، هروباً من البندقية، وحتى تهدأ الأمور. لعلمه بمحبة خاله له، التي سرعان ما تعود الى ماء محبتها. وقد كان.

ولما اكتشف ناظر مدرسة أمدرمان الأهلية، أوائل الستينيات، أنّ (محمد إبراهيم)، طالبه بالسنة الثانية يغني، خيّره بين أمرين: المدرسة، أو الغناء. فاختار الغناء، وترك المدرسة. وحين قرر الاشتراك في احتفالية العيد السنوي لـ(بخت الرضا)، لكنه أُبعد بحجة عدم قبولها لصوته، لكن كل تلك المعوّقات، وغيرها، لم تقنعه بأمر آخر، سوى قناعته هو الكبيرة بأنّ يوماً ما سيأتي على الناس، وتملكهم عبقرية مغنٍ، يملأهم طرباً، إسمه (زيدان إبراهيم).

"ز"

كعادة المغنين، بدأ زيدان إبراهيم مسيرته الفنية عازفاً لآلة (المزمار)، ومردداً لأغنيات الذين سبقوه، إلا أنّه كان يضع في باله دوماً، أنْ تكون له شخصيته الفنية المستقلة التي تخصه، والتي يُعرف بها من بعد. وكعادة أبناء جيله من الفنانين، بدأ مفتوناً بتجربتي الفنانيْن: الذري، إبراهيم عوض، ومحمد وردي. والأخير بالذات عُرف بترديد أغنياته أكثر من الأول، للدرجة التي كان يُلقّبْ فيها بـ(وردي الصغير). ليس ذلك فحسب، ولكن لمّا سمعه محمد وردي وهو يُغني أغنياته، أشار للذين معه بأنّ هذا الفتى سيكون له شأنٌ في دنيا الغناء في السودان، بل وتنبأ بأنّه سيكون خليفته. وصدق تنبوء وردي، فكان للفتى (العندليب الأسمر) شأنٌ في دنيا الغناء في السودان، وأيُّ شأنْ!!

منذ أول خطوةٍ له في دروب الغناء؛ اختار الفنان زيدان إبراهيم، أنْ يكون مغنياً للمُتْعبين، والمرهقين عاطفياً، وللمُنكسرين في دروب المحبة، والذين لم تربح بورصاتهم في دنيا المحبة. صار أحد المنفّسين الحصريين عن انكساراتهم، واحباطاتهم. ساعده على ذلك شركاء تهيأوا له في حيّه بشكلٍ خاص، وفي الوسط الفني بشكلٍ عام. هيأتْ له الأقدار ضمن ما هيّاتْ: أحمد زاهر، الملحن صاحب التجربة الجديدة وقتها، والذي قدّم للساحة الفنية عبر ألحانه أصواتاً جديدة، وبرع في تقديم المغنيات، أمثال فاطمة الحاج. كما هيّاتْ له كذلك شعراء جُدد، ومقتدرون، لهم كلماتهم الجديدة؛ التي أدهشتْ المتلقين. شعراء في قامة التجاني الحاج موسى، والذي سنكتشف مستقبلاً ثنائيتهم، بل قل ثلاثيتهم بصُحبة الملحن وضابط الجيش عمر الشاعر. ثم في حيّه ذاك التقى بضابط الجيش برتبة "شاعر" عوض أحمد خليفة.

"ي"

كثيرون يردون عبقرية زيدان الغنائية، الى اقتباسها من عبقرية إبراهيم الكاشف، الذي صنع لزيدان (مشايته)، لما كان نجاراً، وقبل اشتغاله بالغناء، واحترافه له. فقد كان الكاشف بارعاً في عمله بالنجارة، وفي صنع (مشّايات) الأطفال. وكان من حظ زيدان إبراهيم وهو صغير أنْ يصنع الكاشف له مشّايته. هذه المشاية لم تُعلّمه المشي على تراب بيته بالعباسية والموردة فحسب، وإنّما بشكلٍ، وبآخر، علّمته المشي بمهارةٍ، وعبقريةٍ، على دروب وطُرق، بل ومنعرجات الفن السوداني. فاستطاع أنْ يسير في دروبه بجمالٍ، وإبداع. قدّم أغنيات من الممكن أنْ توصف أي واحدة منهن بـ "الجماهيرية". وهي صفة لا تتحقّقُ بالسهولة.

وعلى ذكر الجماهيرية، فالصفة الوحيدة التي تُطلق على الحفلات التي كان يُحييها الفنان الراحل زيدان إبراهيم هي الجماهيرية، فقد عُرف بجمهوره الغفير والكبير، ليس في العاصمة الخرطوم لوحدها، وإنّما في كل ولايات السودان. وأكثر دليل على جماهيريته الغفيرة والكبيرة، هي الجماهير المحتشدة على جانبي مطار الخرطوم، والى اتحاد الفنانين بأمدرمان، وأيضاً التي احتشدتْ في بداية طريق الردمية بالحاج يوسف وحتى منزله بالشقلة. ملقين النظرة الأخيرة على نعشه، بعد وفاته بالقاهرة.

يدين زيدان لتجربته الغنائية بعددٍ من الأشخاص، أولهم عوض أحمد خليفة، الذي قال عنه بأنّه أول من اكتشفه فنياً، وجعله يشعر بكل كلمةٍ كتبها، وكأنها تُعبّر عن حالته العاطفية. أما الملحن عمر الشاعر، والشاعر التجاني الحاج موسى، فهما قد شكّلا ثلاثياً فنياً قل أنْ تجود به التجارب اللحنية السودانية.

"د"

ساهم في ذلك التقاء هؤلاء الفرسان الثلاثة في حي العباسية الأمدرماني العريق، وهو حي ظلّ يحفظ له زيدان الوفاء بالوفاء، بالرغم من أنّ خروجه منه لم يُرضه، وظلّ قريباً الى نفسه وقلبه كما قال: (وانا ادين لها بالفضل في تقوية أواصر الفن بداخلي. وأن بعدت عنها بجسمي فأنا قريب منها جداً بقلبي وروحي).

لكن بالرغم من ذلك، تركت الطريقة التي أُخرج بها من الحي في نفسه حرجاً كبيراً، لم يتمنى بعدها أنْ يعود إليه. فقد ترك مسلسل إخراجه عبر الشرطة من الحي في نفسه أثراً كبيراً. ولم يشفع له بقائه في الشارع هو وأمه لثلاثة أيامٍ متواصلة من تدخل العقلاء لاحتواء المشكلة. وهكذا غادر زيدان العباسية آسفاً الى الحاج يوسف، التي وجد فيها الحضن والملاذ.

"أ"

سؤالٌ مهم سئل عنه زيدان لأكثر من مرةٍ، وإنْ بصيغٍ مختلفةٍ: ما هو سر الصمود الكبير لأغنيات زيدان الى الآن؟ أو كيف استطاع زيدان أنْ يستمر في تجربةٍ ممتدةٍ منذ الستينيات، وحتى رحيله عن الدنيا؟ متنقلاً بين أزهار الغناء السوداني، وعيون ما كتب شعراء الفصحى، في السودان محمد جعفر عثمان، مهدي محمد سعيد. وفي مصر: إبراهيم ناجي، ومحمود العقّاد.

الإجابة بكل بساطة في الصدق والدقة في الاختيار، والتجويد في العمل. لا أكثر من ذلك، ولا أقل. فكل لحنٍ قدّمه زيدان للناس عاشه أولاً وبصدق، ثم أخرجه من بعد للناس. وكما ظل يُردد هو أكثر من مرةٍ: (ما يخرج من القلب يصل مباشرةً الى القلب). وهو أداء سحر في مرةٍ القنصل اليوناني السيد (بافلو بنيوتى كريازيس)، الذي قال مداعباً خليل إسماعيل وإبراهيم حسين، بعد أنْ استمع لزيدان وهو يُغني: (حقو الغناء الفى السودان ده كلو يجيبوه يدوه لزيدان إبراهيم يعزل وينقى العاجبو والباقى يديكم ليهو)!!

وكما ردد زيدان في حداثة تجربته أغنيات الفنانين الذين سبقوه، أيضاً تناول الكثير من الفنانين الشباب عدداً من أغنياته، رضي لأداء بعضهم، واستنكر أداء البعض. وحدثتْ مشكلات كثيرة بينه وبين شباب رددوا أغنياته، منهم شكر الله عز الدين، ومصطفى حمزة. كان رأيه مبدأً ألا يحجر على أحد الفنانين من تأدية أغنياته، فهو يعترف بأنّه بدأ مردداً لأغنيات الغير، لكن شرطه أنْ يتم الاستئذان، ومن بعد يُعطى الطريقة المثلى للأداء اللحني، وللكلمات.

"ن"

كل من كان قريباً من الفنان زيدان إبراهيم، وسمع برحيلها، بدى مشفقاً على زيدان. ويرجع هذا الإشفاق الى العلاقة الأثيرة والقوية التي كانت تجمع بينهما، فهي من كانت له السند والحائط منذ رحيل والده عن الدنيا، وهو بعد صغير، مروراً بمراحل حياته المختلفة، وصولاً الى كونه أحد أساطين الطرب في السودان.

في آخر حواراته الإذاعية، بإذاعة البيت السوداني، لما سأله (الشفيع عبد العزيز) عن الأثر الذي تركته والدته فيه بعد رحيلها، جرّ زيدان وقتها نفساً طويلاً، وأجاب بأنّه وبعد عامين من رحيلها ما يزال يتداوى!! لكن مصادفات الأقدار اتفقتْ مع المشفقين على زيدان بعد رحيل والدته، إذْ لم يُعمّر كثيراً بعد رحيلها، ففاجأه المرض، ولم يتركه إلا جسداً بلا روح، في واحدةٍ من مشافي العاصمة المصرية (القاهرة) قبل ست سنوات.

Rate this item
(0 votes)
Read 310 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001