الأخبار
Time: 5:57

نور الهدى محمد: إنقلاب يوليو يعرف حقيقته أربعة أشخاص ماتوا.. وماتت معهم!! Featured

الخميس, 19 تموز/يوليو 2018 13:06

يُعرّف الأستاذ نور الهدى محمد نور الهدى، في العادة، باعتباره، الناشر، ومدير دار عزة للنشر والتوزيع. لكن قليلون يعرفون علاقته السابقة بالحزب الشيوعي السوداني، وكذلك بإنقلاب 19 يوليو 1971م، الذي ما تزال أسئلته معلّقة في انتظار الإجابة عليها. لكن نور الهدى الذي تمّ اعتقاله عقب الانقلاب، باعتباره قيادياً نقابياً، وعضواً بالحزب الشيوعي المتهم بتنفيذ الانقلاب أو المشاركة فيه، يقطع  بأنّ حقيقة الانقلاب ومنفذوه، ماتت مع موت قيادات الإنقلاب، وسكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب.

وأشار نور الهدى، الى أنّ الانقلاب كان بمبادرة من العسكريين المنتمين للحزب الشيوعي، لكن بمبادرةٍ منهم، وليس بموافقة الحزب، لأنّ اللجنة المركزية لم تجتمع حتى تقرر الموافقة أو الرفض.

حوار: موسى حامد

* لنبدأ بالسؤال الابتدائي... ماهي علاقتك بأحداث إنقلاب 19 يوليو 1971م؟

- ليست لدي علاقة مباشرةً بالإنقلاب. مباشرةً أعني بها التنفيذ أو المشاركة. لكني كنتُ أحد المعتقلين السياسيين بسجن كوبر، عقب قيام الإنقلاب، باعتباري عُضواً بالحزب الشيوعي السوداني المتهم بالقيام بالإنقلاب، أو بالمشاركة فيه كما كان يُقال تلك الأيام عبر الإعلام. كما تمّ اعتقالي بسبب مشاركتي في مسيرة التأييد للإنقلاب التي انطلقت عقب نجاح الإنقلاب. ودام اعتقالي عامين.

* أنت كنت من الذين هتفوا (الخرطوم ليست مكّة) وغيرها من الشعارات؟

- كنت أحد القيادات بنقابة الجامعة الإسلامية، ونظمّنا مسيرةً مؤيدة للإنقلاب مع بقية النقابات. كانت شعاراتنا عادية، تأييداً لما اعتبرناه (حركةً تصحيحية) لحكومة مايو.

* وكنتم تحملون اللافتات الحمراء؟

- ما كان في أي لافتات حمراء، ولا أي حاجة.

* وبعدها تمّ اعتقالك؟

- لا، لم يتم اعتقالي، ذهبت لتسليم نفسي، لأني كنتُ أحد المطلوبين، وبعدها تمّ تحويلي عبر عربة (كُومر) من القسم، ليلاً، الى سجن كوبر، لأجد نفسي عند الصباح بمعيّة بدر الدين مدثّر، القيادي البعثي المعروف، في عنبرٍ واحد.

* كيف بدا لك سجن كوبر، وأنت تدخله معتقلاً لأول مرة، صغير السن وقليل التجربة في الحياة؟

- كان في سجن كوبر أكبر من ألف معتقل -يومها- وكنا في القسم الرئيسي، وهو ما يُعرف بالسرايا، وهو مبني من طابقين، وبه ثمانية عنابر. وضعوا فيه المعتقلين السياسيين، بعد أنْ أفرغوا منه المساجين الذين كانوا فيه.

بالنسبة لي، فإنّ تجربة الاعتقال في يوليو 1971م، كانت تجربةً غريبةً، لشاب في الحادية والعشرين من عمره. دخلتُ السجن ووجدتُ نفسي أمام أسماء لامعة في حركة السياسة في السودان، أمثال: عبد الكريم ميرغني، بدر الدين مدثر، زكي عبد الرحمن، عبد المجيد شكّاك، وغيرهم وغيرهم. أساتذة وجامعيون، وموظفون وعمّال وعسكر. وكان نصيبي عنبر (8)، بمعيّة عبد القادر الرفاعي، بدر الدين مدثر، عبد الباسط الكدور، وآخرين.

* وكيف تمّ التحري معك؟

- كما أشرتُ لك سابقاً، فقد كنتُ ظاهراً في مسيرة التأييد للإنقلاب، باعتباري وآخرين من المنظمين لها. وكانت صوري منشورة في الصحف التي غطّت المناسبة، وعليه، لم يكن هناك مجال للإنكار عندما تمّ سؤالي ومواجهتي. لكنه لم يكن تحقيقاً بالمعنى, كانت مجرد أسئلة عادية، وأجبت عليها مباشرةً بالاعتراف بمشاركتي بمسيرة التأييد للإنقلاب.

لكن ما لا أنساه أنني دخلت سجن كوبر، في ذات اليوم الذي تمّ فيه تنفيذ حكم الإعدام شنقاً على الشفيع أحمد الشيخ، القيادي العمّالي والشيوعي. والذي تربطني به علاقات في العمل النقابي، عندما كان سكرتيراً لاتحاد العمال. تمّ إعدام الشفيع نهاراً على غير عادة تنفيذ الإعدامات.

* ولماذا حدث ذلك؟

- تعرّض الشفيع أحمد الشيخ الى تعذيبٍ مرعب. أنا لم أشاهده، وهو على تلك الهيئة، لكن نقل لي مَنْ رآه أنّه واجه تعذيباً حد الموت. وربما كان سبباً للاستعجال أنّهم أعدموه خوفاً من تدخّل الرُوس والتوسط، لأنّ الشفيع كان يحمل وسام لينين، وكانت هناك ضغوطات من أجل إطلاق سراحه. ويُقال إنّ السادات اتصل هاتفياً بالرئيس جعفر نميري ألا يستعجل في إعدامه.

* بعد (47) عاماً من أحداث إنقلاب يوليو 1971م.. كيف تُقيّمها وتنظر إليها، وكيف تقرأها الآن؟

- الآن، وبعد (45) عاماً، فإنّ الإنتماء الى الوطن أولى من الإنتماء الى الحزب. صرتُ أقيّم الأمور من باب أنّها في مصلحة الوطن، أم ضد الوطن. فإنّ كانت معه فأنا معها، وإلا فلا. وعليه فإنّ الإنقلاب العسكري ليس حلاً على الإطلاق. والآن أنا الآن ضد أي إنقلاب يكبتْ الحريات، ويمنع الحرية في الجامعات، والمؤسسات التعليمية، ويتدخل في القضاء واستقلاليته وعدالته.

وما خرجتُ به بعد (47) عاماً من أحداث إنقلاب 19 يوليو، أنني مع أي عملٍ ديمقراطي، وإنّ حل مشكلات السودان في الوعي. وعلى ذلك أنشأتْ وأسستْ دار عزّة للنشر، استهداءً بإجابة الأستاذ عبد الخالق محجوب (قدّمتُ الوعي ما استطعت)، عندما سأله نميري، وهو يُخطّط لإعدامه: مالذي قدّمته لوطنك يا عبد الخالق محجوب؟

* أيضاً بعد (47) عاماً ما تزال الأصابع تشير الى الحزب الشيوعي باعتباره وراء هذا الإنقلاب، والحزب الى اليوم ينكر علاقته به.. لماذا؟

- كنتُ -وقتها- عضواً بالحزب الشيوعي السوداني، وكنتُ قريباً من الأستاذ محمد إبراهيم نقد، لكن هنا جزئيات وتفاصيل لا يستطيع أحد الجزم بها إلا الأستاذ عبد الخالق محجوب وآخرين، مثل: هاشم العطا، ومحجوب طلقة، الذين كانوا قريباً منه. هناك سؤال محدّد جداً، وهو: هل وافق عبد الخالق محجوب على الإنقلاب؟

الضباط والعساكر المنتمين للحزب الشيوعي، كتبوا خطاباً الى الحزب، قالوا فيه إنّ الجيش به صراعات، وإنّ لديهم المقدرة على تنفيذ عملٍ عسكري، يتم من خلاله الاستيلاء على السلطة، عبر إنقلابٍ عسكري. وصل هذا الخطاب الى اللجنة المركزية للحزب، وكان من المخطّط أنْ تجتمع اللجنة المركزية لمناقشة هذا الخطاب.

* وهذا يعني أنّ الحزب الشيوعي له العلم بتخطيط عساكره وضباطه لإنقلاب عسكري؟

- نعم، لديه خطاب من عساكره وضباطه، يقول بنيتهم القيام بإنقلاب عسكري، لكن الاجتماع لم يُعقد حتى يأخذ الحزب الموافقة على الانقلاب من عدمها. لأنّ الانقلاب تمّ تنفيذه في الثانية ظهراً من نفس اليوم المقرر عقد الاجتماع فيه عصراً.

وعليه، فإن اللجنة المركزية لم تتخذ أي قرار بشأن تأييد الحزب للإنقلاب من عدمه.

* وبذلك تريد القول بأنّ الحزب الشيوعي ليست له أية علاقة بإنقلاب 19 يوليو؟

- نعم، الحزب ليست له أية علاقة. لكن السؤال ما يزال قائماً: هل أعطى عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، الموافقة على تنفيذ الإنقلاب والقيام به؟ باعتبار أنّه كان مختفياً بالقصر الجمهوري، وقريباً من الضباط الذين نفّذوا الانقلاب، أم لم يُعطِ الموافقة؟

هذا السؤال لن يستطيع أحد الإجابة عليه. لأنّ من يستطيع الإجابة عليه، هم: هاشم العطا، عثمان أبو شيبة، ومحجوب طلقة.

* وما هو رأيك أنت؟

- رأيي أنّ عبد الخالق محجوب كان من ناحية المبدأ ضد الانقلاب العسكري، ويرفضه. ولو كان السكرتير العام وجّه الضباط بعدم تنفيذ الإنقلاب لما نفّذوه، لما عُرف عن هاشم العطا الانضباط التنظيمي والعسكري.

* حسناً. بقاء عبد الخالق محجوب، طوال الفترة التي تلتْ تهريبه من معتقله في الشجرة، كان في القصر الجمهوري، مع الذين نفّذوا الإنقلاب. أليس ذلك دليل على موافقته على الإنقلاب؟

- ما قلته يعتبر اجتهاداً منك، وليس عليه دليل، ولا يُعتبر موافقةً من عبد الخالق على الإنقلاب، أو رفضه.

* لكنه ظلّ معهم منذ ما قبل الإنقلاب، وحتى نهايته؟

- بقاءه معهم، لا يقفُ دليلاً على موافقته. وإنّما بقي معهم لأنّهم هم من هرّبوه من معتقله في الشجرة الى القصر الجمهوري.

* على افتراض أنّه لم يكن موافقاً على الإنقلاب، وأنّ هاشم العطا منضبط تنظيمياً، كما وصفته بذلك قبل قليل، ألم يكن لدى عبد الخالق القدرة على منعهم إنْ كان غير موافقاً؟

- نعم، كان في إمكانه ذلك، لكنّه كما ذكرته لك، حوّل خطابهم الى اللجنة المركزية، وهي بدورها لم تجتمع حتى تُقرر كما قلت لك سابقاً. رأيي، كان من الأولى أنْ يرفض عبد الخالق محجوب الخطاب من البداية، ولم يكن في حاجةٍ حتى لتحويله الى اللجنة المركزية باعتبار أنّه ضد الانقلابات العسكرية تاريخياً، وكذلك الحزب.

لكن، لماذا تحرّك العسكريين، ولم ينتظروا رد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بالموافقة من عدمها، تبريرهم هو معرفتهم بعددٍ من التحركات العسكرية لعددٍ من التنظيمات السياسية، وهم بالتالي أخذوا المبادرة، وفق تقديراتهم العسكرية، والسياسية.

لكن من نفّذ الإنقلاب، هم ضباط شيوعيين (مافي إتنين تلاتة).

* الى الآن، وبعد (47) عاماً، هناك العديد من الذين كتبوا عن إنقلاب 19 يوليو، مقالات وكتب، ومخطوطات. لماذا لم تظهر الصورة المكتملة والإجابة الحقيقية للأسئلة التي ما تزال معلّقةً في أذهان الناس عن الإنقلاب؟

- كل ما كُتب عن 19 يوليو، قرأته، لكن ليس هناك شخص يستطيع الجزم بأنّ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ناقشتْ الإنقلاب أو أيّدته. صحيح أنّ هناك ربكةٍ ما...

* مقاطعة... ربكة من ماذا؟

- الربكة نتجت من أنّ العمل العسكري داخل الحزب مسؤولية السكرتير العام، وليس هناك طرف ثالث. وليس هناك تعامل مباشر بين العسكريين في الحزب، واللجنة المركزية. كل هذا يتم فقط عبر السكرتير العام للحزب, وأغلب هؤلاء (استشهدوا)، وليس هناك معلومة عن ذلك على الإطلاق.

* سؤالي لك شخصي، وإجابته بنعم أو لا: هل كان الحزب الشيوعي وراء انقلاب 19 يوليو؟

- كنتُ قريباً من الأستاذ محمد إبراهيم نقد. وهو يجزم بأنّهم في اللجنة المركزية للحزب، لم يُناقشوا هذا الأمر. لكن ليست لدي معلومة واضحة أنقلها لك، فكل معلوماتي نقلاً عن نقد، وهو بالنسبة لي صديق شخصي.

سألته مرةً سؤالاً مباشراً، فأجاب بأنّهم لم يُناقشوا الإنقلاب في اجتماع اللجنة المركزية، بالرغم من نيّتهم وترتيبهم مناقشته. لكن رأيي الخاص، والذي قلته لك سابقاً أنّ السكرتير العام لم يكن محتاجاً للرجوع الى اللجنة المركزية لمناقشة موضوع الإنقلاب. باعتبار أنّ الإنقلاب ضد توجهات الحزب، وسياسياً الإنقلاب لن ينجح.

* مقاطعة... في نقاش سابق معك، رجّحت مساندة الحزب للإنقلاب، ولم تستبعدها؟

- حتى لو كنتُ رجّحته، فليست لي أدلة واضحة تؤكد ذلك. لكن الإنقلاب لم يكن واحدة من توجهات الحزب، إلا أنّ العسكريين المنتمين للحزب، قالوا بتقديراتهم العسكرية وذهبوا للتنفيذ. وهذا ما وجدته عند عسكريين كثيرين جمعني بهم المعتقل، وخارج المعتقل. كانوا يقولون بانعدام أي خيارات أخرى بالنسبة لهم غير الإنقلاب العسكري، لأنّ هناك تحركات كثيرة داخل الجيش، مسنودة بأحزاب سياسية.

* هل تتوقع، بعد كل هذه السنوات، أنْ تتضح الصورة عن انقلاب يوليو، وتنكشف الحقائق؟

- مافي صورة ح تتضح. فالحقيقة القاطعة، والصورة الكاملة، لدى أربعة أشخاص فقط، عبد الخالق محجوب، هاشم العطا، وعثمان أبو شيبة، ومحجوب طلقة. وجميع هؤلاء (استشهدوا).

* هذا يعني أنّ السر مات معهم؟

- نعم.

* لكن عدد من الضباط الذين شاركوا في تنفيذ الإنقلاب، يقولون بأنه آن الأوان للحزب الشيوعي أنْ يعترف بمسئوليته من انقلاب 19 يوليو. على الأقل لأجل العساكر الذين حملوا أفكار الحزب، ونفّذوا بها الإنقلاب. من هؤلاء الرائد عبد الله إبراهيم الصافي؟

- التنظيم الذي نفّذ الإنقلاب، هو تنظيم الضباط الشيوعيين داخل الجيش، (دي ما فيها نقاش)، لكن هل تمّ تنفيذ الإنقلاب بتوجيه من الحزب، أم بمبادرة منهم، كما يقولون، هذا ما لا يملك أحدٌ الإجابة عليه.

* طيب، ولماذا يكوّن الحزب الشيوعي تنظيماً عسكرياً داخل القوات المسلحة، إنْ لم يكن بنيّة الإنقلاب العسكري؟

- الحزب الشيوعي يقول بأنّه خلق تنظيماً عسكرياً داخل القوات المسلحة للمحافظة على معادلة الجيش، مثلما حدث في أكتوبر 1964، حينما انحاز الجيش للجماهير والشعب.

* وهل تُصدّق أنّ هذه الأحزاب كوّنت فصائل داخل الجيش فقط لهذه الأسباب؟

- تصدّق أولا تصدّق، هذا ما قالوه، لكن بالنسبة لي أي حزب سياسي، لديه تنظيم داخل القوات المسلحة، هذا يعني أنّ الحزب لديه تطلعات نحو التغيير باعتبار أنّ الجيش يحمل السلاح. وهذا ينطبق على كل التنظيمات السياسية، التي لها تنظيمات داخل الجيش. وهل تعتقد أنّهم كوّنوه لكي يكون (فِرقة كشّافة)؟

Last modified on الخميس, 19 تموز/يوليو 2018 13:54
Rate this item
(0 votes)
Read 146 times

إعلان

 

 

sarmag

 

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001