الأخبار
Time: 7:16
اخر تحديث:24-11-17 , 07:16:26.

فاروق عثمان يكتب: إشكالات اللاوعي والذهن الانتهازي عند ياسر عرمان

السبت, 28 تشرين1/أكتوير 2017 09:29

هناك الكثير من التساؤلات وعلامات التعجب أثارها التحول السريع والدراماتيكي والمربك لموقف الأمين العام السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان في مقاله الأخير وتبنيه لرؤية عجولة موغلة في السرديات التاريخية والنوستالجيا الحالمة والزخم اللفظي، ومن ثم دلقها علي شوارع الأسافير وممرات السايبر. فهو بمقاله ذلك قد فعل كل هذا، بدلا عن وضع رؤيته بين يدي الجماهير المعنية بها في خطوط النار وميادين التماس وأراضي المعاناة الحقة. وهذه أول شواهد الانفصال والانفصام في من يفترض أنهم قادة سياسيون بصدد التواصل مع جماهيرهم.

وربما هي السابقة الأولى في مجال التحضير لمؤتمر عام (convention) لحزب ما في فضاء الأسافير، بدلا عن أرض الواقع، الأمر الذي يشئ بأننا ربما بصدد حزب إسفيري. مثل هذا الشيء يضطرنا كيما نذهب في سياحة في لاوعي الرجل متتبعين فترة صعوده على سلم القيادة في الحركة الشعبية وتصدره المشهد المعارض طيلة السنوات السبع الماضية على أقل تقدير.

تسنّم الثلاثي ياسر عرمان ومالك عقار والحلو قيادة الحركة الشعبية شمال لدواعي معينة وضرورات ملحة فرضتها ضرورات المرحلة، ما يعني أنه لم يكن بينها إطلاقا انتخابات قاعدية ولا تفويض جماهيري مبني على الاقتراع، مما يعلمه الجميع. لذا يبقى الحديث عن انقلاب وغيره مجرد استهلاك لا يغني، وعبارة عن محاولة شرعنة اللامشرعن. إذ جاء وصول القيادة الثلاثية ضمن تداعيات ما بعد انتخابات عام 2010م وما تلاها من انفصال الجنوب. وطبعا حدث في تلك الانتخابات نزول ياسر عرمان كمرشح رئاسي عن الحركة الشعبية، ثم أعقبتها مفاجأة انسحابه من سباق الرئاسة، فيما تكشف الآن عن أنه كان اتفاقا مبروما من جانبه مع المؤتمر الوطني. وكان ذلك أول الوهن وبدء التنكب عن خط السودان الجديد. بذلك فوت ياسر عرمان على الشعب في شطري الوطن وعلى نفسه الفرصة التاريخية، ليس في الفوز فقط، بل فرصة بقاء الوطن موحدا. بهذا أثبت ياسر عرمان أنه لم يكن بقدر التحدي، قوي الشكيمة، كما لم يكن واسع الأفق، متفتق القدرات الذاتية، ليتخذ الموقف الأقوى في الزمن الأصح. لقد انسحب ياسر عرمان، فيما تكشف لاحقا، انسحاب المنكسرين لينزوي بعدها انزواء المنهزمين. بهذا أثبت لنفسه قبل أن يثبت للشعب السوداني وللتاريخ بأنه كان الرجل الخطأ في الزمن الصحيح. ومما يحز في النفس وفي الخاطر أن ياسر عرمان، إلي الآن، لم يعتذر للشعب السوداني ولمن دعموه وراهنوا عليه. فقد آثر أن يسفه الناس كما سفه أحلامهم وذبحها على قربان طموحاته التي تفوق قدراته. وليته وقف عند ذلك! إذ ها هو يثبط الهمم، ممارسا عادته القديمة المتجذرة في بنية شخصيته، ألا وهي التكبر والخيلاء.

كانت هذه الصفة السالبة ضمن أول العيوب الكثيرة التي يخرج بها المرء عند تقييم ياسر عرمان سياسيا ووضع رأي حاد تجاهه. وبالطبع لم يخيب الرجل ظن نقاده على كثرتهم المتنامية باستمرار. ولكم توقف الكثيرون عن تبني رأي قاطع بإدانة الرجل على تبذّل خطاياه وأخطائه القاتلة، تخوفا منهم أن يتبعوا النفس الأمارة بالسوء. لكن انتهى بهم الأمر إلى عميق إيمانهم بسديد رأيهم وحصيف تقييمهم لموقف الرجل وسوء طويته ووخيم عاقبته.

هذه رحلة قطعها الكثيرون من حيث حسن الظن بياسر عرمان انتهاءا بخيبة الأمل فيه بدرجة تفوق سوء الظن. في تقديرنا يرزح ياسر عرمان تحت وطأة لاوعي متوحش يعمل بكل شراسة لإثبات الذات. ويكمن وجه الصراع هنا في أن الرجل في عميق واعيته يعلم علم اليقين ضعف قدراته مقابل جموح طموحاته. فمن جانب يجعله ضعف قدراته من المترددين، بينما يدفعه الطموح ليبدو كما لو كان من ذوي الجسارة. فهذه شخصية متنازعة ما بين وهم الناجحين من جانب، وبين حقيقة الفاشلين في الجهة الأخرى. هذا التناقض يتجلى على المستوى اليومي في جملة تناقضات لكم اندهش لها من يعرفون الرجل بالسنوات الطوال. فهو في جانب مخلص لأصدقائه ورفاق الأمس، ثم هو بين عشية وضحاها فاجر الخصومة، ناكر للجميل كما لو كانت له صلة قرابة بالعقارب. ولكم تسامر في هذا رفاق الأمس من اليسار، ولهم قصص في تنكر الرجل لتاريخه ورفاقه. هذا بينما في جانب آخر ذي طابع نظري بحت نجد الرجل يبدي من الاهتمام والاغتنمام بقضية اليسار والماركسية ما يجعل البعض يتوهم أن كارل ماركس قد شمله بوصاياه. لذا نظن، وبعض الظن أقرب لليقين، أن هذه الإشكالية التناقضية قد أحكمت قبضتها على فكر وأفعال الرجل، ثم وعيه وسلوكه وما زالت. فياسر عرمان كانت له خلافات مع الشيوعيين حين ذهب للحركة الشعبية، وحتى وفاة جون قرنق المفاجئة. وفي ذات الوقت، لم يكن ضمن دائرة جون قرنق الداخلية مهما حاول تصوير الأمر على غير ذلك بادعاءات زائفة ومحاولة تصوير نفسه على أنه كان رجل جون قرنق المقرب، وغيرها من اشياء وبطولات وهمية يكذبها التاريخ القريب والشهود الأحياء. فأقصى منصب وصله في الحركة بعد وفاة جون قرنق هو نائب الأمين العام لقطاع الشمال، ذلك بعد المرحلة التي كان فيها عبد العزيز الحلو وقتها الأمين العام لقطاع الشمال، بينما كان فاقان أموم هو الأمين العام لقطاع الجنوب. وذلك كان منصبا بالتعيين.

بالنظر إلى انكفاء الحركة على الجنوب وانشغالها عن قضايا ومطلوبات السودان الجديد بالسعي وراء الانفصال، يتضح أن ذلك المنصب كان مجرد منصب هامشي. وحتى هذا المنصب لم يتمكن ياسر عرمان من أن يستثمره في بناء جسم تنظيمي قوي وفعال للحركة. بدلا عن ذلك نجده قد اتجه لقضايا انصرافية، انجرف وراءها وتلاشى معها، لكن ليس دون أن يخلف وراءه تركة ضخمة من الفشل والضحايا. فقد انسلخت سنوات قيادته للحركة عبر قطاع الشمال دون أي وجود فعلي للحركة، ليس فقط في الشمال النيلي، بل في الشمال الكبير الذي هو كلما تبقى من السودان اليوم. هذا برغم القاعدة الجماهيرية والشعبية الكبيرة التي تمتعت بها الحركة الشعبية بعد اتفاقية السلام الشامل، وهو مما شهد به الجميع حينها.

في سلسلة صعوده لكابينة القيادة في الحركة بعد الانفصال، نجد أن ياسر عرمان، بالرغم من تشدقه بقضايا الهامش وأهله ومظالمهم التاريخية وتبنيه لقضاياهم، إلا أنه كان بعيدا عن هذا الإنسان في أرض الواقع، منفصلا عنه من حيث الوجدان والجغرافيا، دون أن نقول تأففا. فالفكرة التي لا تتطور إلى سلوك شخصي وفردي يعيش ويتلمس الواقع الظالم والمزري الذي يعيشه المهمشون، تصبح يوتوبيا ما أغنى عنها الفقراء والمهمشون. مثل هذه اليوتوبيا لها تفسيران: إما أن صاحبها غير مؤمن بها برغم انتفاعه منها، أو أنه يتكذّب ويتنفّع بها.

فياسر عرمان كان قصارى همه تسويق نفسه لرفقاء الأمس من أهل اليسار الذي سقط من قبل في معياره. إذ أراد أن يثبت لهم أنه قد أصبح رقما مهما في الحراك السياسي السوداني وأصبح شخصية أساسية في هذا الشأن. في هذا المستوى من لاوعيه أراد ياسر عرمان أن يثبت لهم أنه الأفضل من بينهم جميعا حتى لو لاحقته لعنات الحزب الذي انشقّ عليه في مبتدأ أمره. في خلال زياراته للغرب فيما بعد نشوب الحرب عام 2011م، لم يكن ياسر عرمان يأبه لمواصلة أبناء الهامش، خصوصا ابناء المنطقتين التي كانت تعيش تحت رحمة قذائف طائرات الأنتينوف والسيخوي. فهو لم يكن يعرف همومهم كما لم يكن يتلمس مشاكلهم، دع عنك ان يشعر بأنه واحد منهم. ولهذا لم يكن يتداخل معهم اجتماعيا ولم يكن يصادقهم حتى يعيش همومهم ويعيشوا همومه كقائد لهم. في كل هذا لم يكن يهمه شيئ غير مواصلة رفقاء الأمس من يساريي النخب النيلية حيث دأب على أن يتسامر معهم، مستلذا أوهامه العصافيرية بالتفوق عليهم. فقد أصبح زعيما يشار له بالبنان، بينما هم طردوه وفصلوه من حزبهم. كان يفعل هذا بينما هو في واقع الحال يتماهى فيهم ويتداخل بينهم، مقدما لهم نفسه من باب نقد الذات بطريقة معكوسة. وهنا يتضح أن لاوعيه كان ولا يزال يرزح تحت وطأة نزعته الطاغية لإثبات الذات، ليس لنفسه، بل لهم. في ذلك، تفوق ياسر عرمان على نفسه المأزومة من حيث تصوير نفسه بأنه قد أصبح زعيما ورقما لا يمكن تجاوزه في واقع السياسة السودانية. فلماذا لا يقبل به رفاق الأمس من قوى اليسار الشيوعي كزعيم لهم؟ ألم يحقق ما عجزوا فيه جميعا؟ في كل هذا كما لو كان يريد أن يقول لهم إنه عرف كيف يكون زعيما دون أي مساعدة يقدمها له اليسار او حتى دون أن يعتمد عليهم. وان الوصول للزعامة عن طريق المهمشين أيسر الطرق من الزحف في مدارج الترقي التنظيمي الوعر والشائك للشيوعيين.

هذه كانت معاركه الدون كيشوتية مع نفسه ومع وضد يساره المهجّس به. إلا أن ما يهمنا هنا هو حقيقة أن ياسر عرمان في حمى معاركه النفسية المنهزمة هذه قد أتخذ من دماء المهمشين ودموعهم ودموع أراملهم، ثم دماء نسائهم وكهولهم ورجالهم، ثم صراخ أطفالهم كقربان في مذبح طموحاته العصافيرية، ليثبت لرفقاء الأمس أنه قد أضحى زعيما، ليس فقط لا يدانيه زعيم، بل بدون دعمهم له.

ولكن ماذا عن ضحايا هذه الحرب اللعينة؟ هل استعملهم ياسر عرمان كمطية لتحقيق أمانيه وعكازا يتوكأ عليها في درب تحقيق أوهام الذات ومن ثم رميهم في هاوية النسيان؟ ألا بئس الطموحات!

عادة ما يكون قادة حركات التحرر في الصفوف الأمامية في مناطق النزاعات والمواجهات. بهذا يكونون دائما ملتصقين بجماهيرهم ووسط جيوشهم يتقاسمون معهم خطورة الموقف، كما يتقاسمون معهم اللقمة معايشين معهم لحظات المعاناة. في هذا يشعرون بآلامهم وهم بين ظهرانيهم كما لو كانوا قد أصيبوا بها. لذا يحترمهم جنودهم ويكبرونهم في أعينهم، كما ترفعهم شعوبهم درجات عليا في الحب والتوقير والاقتداء. ومن ثم يلتف حولهم شعبهم وجيشهم، في السلم كما عند الملمات ذلك لأن القيادة الحقة إنما هي فكرة، والفكرة هي سلوك ناجم عن درجة عالية من الوعي الثوري، وما الوعي إلا تطبيق لتلك الفكرة. لقد كان هذا ما فعله جون قرنق ويوسف كوة وحتى خليل إبراهيم، وهو عين ما يفعله عبد العزيز آدم الحلو الآن، وهو ما فعله قبل ذلك بعقود تشي قيفارا في كوبا وأمريكا الجنوبية ومجاهل أفريقيا حيث لاقى موته النبيل. لكل هذا تثق بهؤلاء القادة الأماجد شعوبهم ويحتلوا حيزا وجدانيا في قلوب شعوبهم ويتأسطروا في العقول ويبقوا في ذاكرة التاريخ ومنعرجات الذاكرة البشرية مهما تقادم عليهم الزمن وتطاولت السنين. وما كل هذا إلا لأنهم منهم وبهم وإليهم. أما التحدث والتصرف بالنيابة عنهم كما لو كانوا غير قادرين على التعبير عن أنفسهم، ثم دون دفع فاتورة المعاناة التي يمرون بها، فهذا يكشف ذهنية الانتهازي، الوصولي الصادر عن عقلية نخاس الرقيق، وهو ما عليه حال الكثيرين الذين يقف ياسر عرمان كممثل شرعي وأصيل لهم.

ولا أدل على ما سقناه من أن يصف ياسر عرمان شعوب جبال النوبة والنيل الأزرق بالعنصرية والإثنية لمجرد أنهم قد انحازوا لحكم العقل والضمير عندما شعروا بأنه إنما يقودهم للتهلكة في سبيل تحقيق طموحاته العصافيرية ولو كان ذلك على جماجم النساء والعجزة والأطفال من ضحايا طائرات الأنتينوف والسيخوي. فهذا لعمري هو السقوط الذي ما بعده سقوط، وهذه هي المصيبة التي ما بعدها من مصيبة. أفلم يكن الرجل متحدثا بالإنابة عنهم، فارضا نفسه زعيما عليهم؟ أم يا ترى أنه رأى أن هؤلاء الناس بين خيارين أحلاهما مر: فإما أن يقودهم، أو ان يكيل لهم التهم جزافا وأن يسيئ لهم ويكيل لهم اللعنات!

ولنا أن نعجب، هل هناك سياسي يمكن أن يغير رؤيته الإستراتيجية من حيث حمل السلاح في ظرف شهر واحد؟ فمثل هذا الشخص إما أن يكون خفيف العقل، او شخصا لا يمت للقضية محل النقاش بأي صلة. فهل انتفت دواعي حمل السلاح لهم لمجرد الإطاحة به، أم أصبح المؤتمر الوطني حملا وديعا يلقي عليهم بالأزهار ويرشهم بالرياحين، ويمد أطفالهم بالحليب؟ وهل أضحت حركات التحرر رهينة لإملاءات الغرب وشروطه، أم ذلك لمجرد أنه قد فقد سلطة أن يكون قائدا في جيش لم يقده ولو في معركة واحدة يوما ما؟ ألا بئس القائد المنهزم وبئس المصير! لقد فوت ياسر عرمان وفقد امتياز أن يكون قائدا لجماهير قدمته بحب، ووثقت فيه بفخر، ثم بعد ذلك صبرت عليه بألم رغما عن ثخين جراحها ونازف دمائها، ومع كل هذا لم يزده ذلك غير أن جعله يتبع سياسة حمقاء تنمّ عن الجهل والغرور فركب غروره وامتطى جهله، ثم لما كشف عنه الغطاء وحانت لحظة انكشافه أمام نفسه قبل الآخرين، شنّها حربا شعواء تحت شعار: عليّ وعلى أعدائي! إنها عداوة لن يبوء إلا هو بها دون شعوب الهامش المظلومة الصامدة، والمنتصرة حتما.

تأملوا معنا هذه الأنا المتضخمة، النرجسية، القحة التي جعلته والطيب مصطفي في ذات الكفة ونفس الجهة في شتم الآخرين وتحقيرهم والإساءة إليهم بذات ألفاظ وعبارات المركز المنتنة والطافحة بالاستعلاء والعنصرية! لا غرو أن أفردت له صحف الخرطوم المركزية مساحات، كما كالت له الود وعبارات الثناء. ألا بئس المصدر والمنتهى!

 يا ياسر عرمان، لك منا نصيحة مخلصة بفضل الماضي الجميل والنضال النبيل، دون أن نسألك لماذا التنكب عن الدرب، ودون أن نذكرك بأنه قد كان لك اسم كبير بمثلما كان لك تاريخ باذخ ومشرف في قلوب أهل الهامش: إذا أردت أن تصنع لك اسما وتاريخا واحتراما جديدا بين أهل المركز التليد، ثم ذكرى طيبة في وجدان سادته وأشرافه الغر الميامين، فلا أقل من أن تكون فارسا في الفراق بمثلما كنت فارسا في اللقاء الأول.

من جانبنا لا نملك إلا أن نستشهد بقول الشاعر:

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى

وفارق ولكن بالتي هي أحسن

هذه نصيحة أمحصها لك ولغيرك، لكن هل من مذكر؟

Rate this item
(0 votes)
Read 48 times

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

005

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001