الأخبار
Time: 7:16
اخر تحديث:24-11-17 , 07:16:43.

ورقة الأمين العام للحركة الشعبية ياســر عــرمــان: نحـو ميـلادٍ ثانٍ لـرؤية السودان الجـديد

الأحد, 22 تشرين1/أكتوير 2017 08:00

(يجب أن لا نُخفى شيئاً عن جماهير شعبنا وأن لا نُكذب، بل نفضح الأكاذيب أينما قيلت، و لا نضع قناعاً على المشاكل التى تواجهنا والأخطاء التى نرتكبها وعلي الفشل الذى يلحق بنا، وأن لا ندّعى إن الإنتصار سيكون سهلاً).

[1]

(علينا أن نضع نصب أعيننا وفى أذهأننا أن الناس لا يحاربون من أجل الأفكار التى فى مخيلتنا، بل يحاربون  للحصول على مصالح مادية من أجل حياة أفضل ومن أجل السلام وأن تمضى حياتهم للأحسن ومن أجل مستقبل أبنائهم)

[2]

(رؤية السودان الجديد أمام خيارين إما أن تتطور وتصعد نحو آفاق جديدة أو تتجمد وتنزوى فى عالم متغير على مدار الساعة، وعلينا اليوم أن نضع كامل تجربتنا وحركتنا تحت مبضع النقد والتقييم والإستعداد للإنفتاح على الجديد وتصحيح أخطائنا)[3].

 

الخـلفـية التأريخية والإطـار النظـرى للتجـديد

نشأت الحركة الشعبية فى ١٦ مايو ١٩٨٣ كحركة تقدمية، فى سياق حركات التحرر الوطنى. ومنذ البداية عمل مؤسسها (الدكتورجون قرنق دى مبيور) لتطويرها والإنتقال بها لتجمع بين قضايا الإضطهاد القومي والقضايا الطبقية. تكمن قوة الحركة الشعبية لتحرير السودان الحقيقية فى رؤيتها الفكرية والسياسية والتى عرفت  بـ (رؤية السودان الجديد)، وقد استطاعت أن تستأثر بأفئدة الملايين من السودانيات والسودانيين من كافة القوميات والجغرافيا وشكلت أساساً لبناء حركة تحرر وطني ديمقراطي تنهض ببلادنا وتوفرعملية جديدة للبناء الوطنى والتشكل القومى، وتحقق الوحدة فى التنوع والقبول بالآخر مع اخذ الوقائع التاريخية والمعاصرة فى الحسبان، وأن تكون المواطنة والمساواة فى الحقوق والواجبات أساس الرفقة الوطنية المشتركة.

تستجيب رؤية السودان الجديد لتحديات الواقع السوداني و ذات إمتداد إنساني عالمي، وأقلعت من محطة مغايرة وتشخيص مختلف ومتميز لمشكلة جنوب السودان بإعتبارها (مشكلة السودان) وليس ما يسمي (بمشكلة  الجنوب)، وبالتالي فإن الحل يكمن فى تغيير مركز السلطة وسياساته. كما طرحت الوحدة بديلاً للإنفصال وأكدت أن قضايا الهامش لا تحل إلا بتغيير سياسات المركز. وهذا البعد الإستراتيجيي من أساسيات هذه الرؤية، وإن تم إغفاله عن عمد فى اوقات عديدة مع سبق الإصرار و الترصد.

فى عام ١٩٨٣ كانت بلادنا عطشى للجديد، وأى جديد ذلك الذى خاطب أكبر معضلاتها وأى صوت وأى طيف زار خيالنا ذلك العام ولا يزال يطوف من حولنا، وقد أتى ذلك الصوت من جنوب السودان وما أدراك ما جنوب السودان!

دعى ذلك الصوت لوحدة السودان فى نسق مغاير لطرح الحركة السياسية فى جنوب السودان التى كانت تنادى بالإنفصال. لقد كان ذلك الصوت بحق صوت متفرد فى دنيا السياسة فى جنوب السودان والسودان معاً. كانت دعوة قرنق لتوحيد السودان فتحاً فكرياً وسياسياً جديداً بالنظر لتاريخ العلاقات المعقد والمتشابك بين شماله وجنوبه.

تجاوزت تلك الرؤية كافة الأفكار والأطروحات السائدة آنذاك، ولم يتوقف قرنق عند ذلك بل دعى للعدالة الإجتماعية والى سودان جديد موحد ديمقراطى علمانى بل وإشتراكى كما ورد فى المنافستو الاول للحركة الشعبية.

جذبت هذه الرؤية العظيمة أنتباه ملايين السودانيين وهزت منذ يومها الأول ساكن الحياة السياسية داخل وخارج السودان لاسيما إفريقيّاً، وكانت متسقة مع الدعوة لوحدة إفريقيا، وقد لازم دعوته بالعمل والتضحيات والشهداء، ولبى آلاف الشباب نداء العمل المسلح والتحقوا  بالحركة والجيش الشعبى لتحرير السودان.

إتسمت الرؤية بمميزات تخطت بها إرث الحركة السياسية الجنوبية التى إستندت على ما يمكن أن نطلق عليه ثنائيات "المثلث الكولنيالى" (شمال/ جنوب، مسيحية / إسلام ،عرب/ افارقة)، حيث دفع العقل السياسى الكولنيالى بأطروحة أن الجنوب المسيحى الإفريقى لايمكن أن يلتقى بالشمال العربى المسلم  مستنداً على التعقيدات التاريخية وممارسات نخب المركز. رسّخت وكالات الأنباء الغربية طوال سنوات الحرب (١٩٨٣ - ٢٠٠٥)  من ذلك المفهوم الكولنيالي، فقد كانت تورد بشكل ثابت فى تقاريرها عبارة " الجنوب المسيحي الإفريقي الذى يحارب الشمال العربي المسلم"، رغم إنضمام آلاف الشماليين والمسلمين  للحركة التى توصف بأنها جنوبية.

وهكذا ولأول مرة منذ استقلال السودان إنفتح الطريق أمام الجنوبيين والشماليين للنضال سوياً وبناء منبر سياسي موحد جسدته الحركة الشعبية لتحرير السودان. وكما هو متوقع، واجه  هذا المنبر الجديد كل تناقضات التاريخ والجغرافيا والإثنيات والسياسة والتحديات الفكرية والعملية وعداء مركز السلطة الذى هو على إستعداد لفعل كل شئ لمحاربتها، وقد  مثلت أكبر تحدٍ واجهه المركز طوال تاريخه. ومن اللافت للإنتباه إن المركز ظل يستخدم نفس مفاهيم العقل الكولنيالي لتقسيم السودانيين بما فى ذلك سياسة "فرق تسد" الكولنيالية. وإزدادت التحديات بتحالف القوميين الجنوبيين مع مركز السلطة موضوعيا أو مباشرة، حيث تعاون لاحقاً القوميين الجنوبيين ممثلين فى حركة (انانيا ٢) مع المركز وخاضوا حروباً مشتركة ضد الجيش الشعبى، كما إستمروا على مستوى قيادة وقواعد الحركة الشعبية مرتابين من الرؤية الجديدة، وعلى وجه الخصوص الدعوة لوحدة السودان والعلاقة مع المعسكر الإشتراكى وإنضمام الشماليين الى الحركة.

إرتياب وتشكك القوميين الجنوبيين لهما اسباب تاريخية، فهما نتاج عملية سياسية طويلة منذ بداية القرن الماضي وربما قبلها أدت فى نهاية المطاف الى تشكل الوعى السياسي فى جنوب السودان على يدهم؛  حتى أنتهوا فى اغسطس ١٩٥٥ بإعلان الكفاح المسلح تحت رأية حركة (الأنانيا الأولى) التى إنتهت بإتفاق أديس

 أبابا 1972.

فى السياق التأريخي العام للصراع السياسى فى السودان  فإن حركة "الأنانيا الأولى" فى الجنوب لعبت الدور الذى مثله مؤتمر الخريجين فى الشمال، حيث أستطاعت تحت قيادة القوميين الجنوبيين من تشكيل المجرى الرئيسي للحركة السياسية الجنوبية التى أتخذت من الكفاح المسلح أداة رئيسية لإنتزاع حقوقها من حكومات الخرطوم. ولأن حركة  القوميين  الجنوبيين بنت رؤيتها على أساس المثلث الكولونيالي آنف الذكر،  فقد أغرقت الرؤية الجديدة فى حروب فكرية وسياسية ومواجهات على الأرض وفى الميدان وهكذا  إتحدت  مختلف الأطراف ضد الرؤية الجديدة . بالرغم من أن الحركة الشعبية لم تنشأ فى الأصل  كحركة سياسية تقدمية جماهيرية واعتمدت حلقاتها الأولى على القوميين الجنوبيين فى القوات المسلحة السودانية المستوعبيين من حركة الأنانيا الأولى بجانب الذين أنضووا تحت لوائها من حركة أنانيا الثانية بتركيبتها الصعبة،  إلا أن رؤية السودان الجديد وفرت لها سلاحاً جديداً ذو مضاءة وكفاءة.

تعتبر رؤية السودان الجديد واحدة من أهم الرؤى السياسية إن لم تكن أهمها  فى سودان القرن الماضى والحالي، وتمتّع  منظّرها وقائدها بميزات قلّ أن تجتمع فى شخص واحد، فهو مقاتل من طراز حقيقى ومفكر تقدمى أنتمى للمدارس الأكثر جذرية فى حركة "البان أفريكانزيم"، كما تحصل على تعليم أكاديمى وعسكرى رفيع بجانب أنه ينحدر من مجموعة إجتماعية ذات قاعدة عريضة، وأتيح له الإحتكاك بحركات تقدمية فى فترة تواجده بتنزانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتمتع "بكاريزما" القيادة وحس مطبوع بالفكاهة وخفة الظل. يضاف الى كل ذلك أن الظرف التاريخى لطرح الرؤية  تزامن مع إشتعال غضب جماهيرى واسع فى السودان؛ خاصة فى الجنوب نتيجة  لسياسات نظام جعفر نميرى. وكانت هناك حاجة ماسة على مستوى السودان لرؤية ثاقبة لحل ما سمّي"مشكلة جنوب السودان".

كان قرنق مستعدا فكرياً وسياسياً ونفسياً ومصمماً على خوض التجربة الجديدة الى نهاياتها ووظف فى ذلك مناخ إقليمي ودولي ملائم. كما إنفتح بالحركة السياسية الجنوبية بشكلها الجديد على كل السودان، ورويداً وجد إستجابة من أجزاء مهمة فى هامش السودان الشمالي، ومحدودة فى المركز النيلى من بعض المثقفين التقدميين والديمقراطيين وقوى الإستنارة . و بالرغم  من هذه الأستجابة المحدودة لم يستسلم.

فى بداية عقد التسعينات وفى ظل مناخ إقليمي ودولي متغير كانت أبرز معالمه سقوط نظام "منقستو هايلمريام" الداعم الإقليمي الرئيسي للحركة الشعبية، وفشل رهان  قرنق على الفئات الجديدة من المثقفين الجنوبيين ذوى التأهيل الأكاديمي العالى فى قيادة الحركة، كما أنه لم يجد إستجابة كبيرة  من قوى التقدم والإستنارة فى الشمال، ومع إختلال موازين القوى خارجيا أسهم كل ذلك فى إنسداد أفق القوميين الجنوبيين الذين عرّضوا الحركة لإنقسام خطير فى أغسطس ١٩٩١ كاد أن يقضى عليها  وهى تخوض حرباً فى مواجهة إنقلاب عسكرى رجعى وفاشى فى مركز السلطة جسّد مصالح الراسمالية الطفيلية التى تستخدم الدين مطية لأغراض سياسية دنيوية محضة. تحالف القوميين الجنوبيين مع هذه القوى الرجعية بعد أن رفعوا فوق أسنة الرماح شعارات الإصلاح الديمقراطى وتبنوا حق تقرير المصير داخل الحركة الشعبية (وما أشبه الليلة بالبارحة). وهكذا وجد المركز، الذى يعرف القوميين الجنوبيين جيداً، فرصة سانحة لضرب الحركة الشعبية  وتحالف معهم على الأرض وقاتلا سوياً فى الميدان ضد الخط الوحدوى الذى قاده قرنق. إلا أن قرنق بقدراته الفذة قاوم ذلك الإنقلاب وكان يدرك أهمية القوميين الجنوبيين الذين يشكلون قوة ضخمة فى صفوف الحركة ومقاتليها لذلك حاول أن يوائم بين الإحتفاظ بالقوميين الجنوبيين، وتكييف رؤية السودان الجديد مع الأوضاع الجديدة دون أن يترك دعوته لوحدة السودان وأصبح يتحدث عن الأسس الجديدة لها، وبناء سودان ديمقراطي علماني موحد وجديد على أساس القبول بحق تقرير المصير، ولاحقاً تحدث عن الوحدة الجاذبة. وكانت تلك هى المرة الأولي بعد تسع سنوات منذ نشأة الحركة أن أطلقت فيها هدفين مزدوجين لا هدفاً واحداً، بعد أن كانت تدعو لوحدة السودان وأصبحت تدعو لحق تقرير المصير ووحدة السودان. هذه الإزدواجية كان لها الأثر العميق على الحركة وعلى السودان وترتبت عليها نتائج وتداعيات خطيرة لاسيما بعد أن غُيّب قرنق عن المشهد السياسى.

أدى إنقلاب أغسطس ١٩٩١ الى إهتزاز على مستوى الرؤية والتركيبة الداخلية للحركة  وبروز تيارات قبلية وقوى رجعية هددت وجود الحركة ورؤيتها، وصحب ذلك صحوة قوية للقوميين الجنوبيين فى جناحي الحركة الشعبية بقيادة قرنق مبيور ورياك مشار. مع ذلك إستمر الدكتور جون قرنق فى ملامسة آفاق جديدة للتقدم للأمام وعقد تحالفات واسعة مع قوى المعارضة فى كافة أنحاء السودان، وواصل النضال ضد مركز السلطة كخصم رئيسي حتى توّجت مجهوداته أخيرا بالوصول الى قوى إجتماعية جديدة من مهمشى المدن والريف تشكّل وعيها بمشروع السودان الجديد عبر سنوات الحرب، والتقى قرنق بهذه القوى الهائلة عياناً بياناً فى الساحة الخضراء يوم الجمعة ٨ يوليو ٢٠٠٥. كان ذلك حدثاً فريداً فى  تاريخ السودان منذ استقلاله، وكم كان رائعا أن التقى قرنق ذلك الحشد التأريخى من المؤيدين لدعوته قبل رحيله الفاجع، فهو بحق قائد تلك الملايين من الفقراء والمقهورين.

جاء حشد الساحة الخضراء كنقلة نوعية، إذ لأول مرة إنتقل قرنق من حروب الريف التى شكل عقلها السياسي وقاعدتها الإجتماعية القوميون الجنوبيين، الى جماهير المدن التى تنتمى الى كل أنحاء السودان وهى أشد مراساً فى التعامل مع مركز السلطة كما أنها الأقرب اليه من حبل الوريد.

عند تلك اللحظة التأريخية الفارقة كان قرنق والذين آمنو برؤيته "من الغرباء" على أعتاب تشكيل حلف إستراتيجى جديد من جماهير الريف والمدن والإنتقال الى مرحلة نوعية مختلفة. وقتها، كانت الإمكانيات والموارد البشرية متوفرة لقرنق وهذا هو سر تنظيمه للحركة الشعبية فى قطاعين (جنوبى وشمالى). وإمتلك تصوراً واضحاً فى كيفية بناء الحركة وإستيعاب القوى الإجتماعية الجديدة ودمج القوتين، التى حاربت معه والتى إلتقى بها فى الساحة الخضراء، الى حين عقد المؤتمر الثانى للحركة، بعد أن يرفع قدرات القوى الجديدة وينظمها. وقد  ناقش معى هذا التصور بالتفصيل حينما قدمت له تقريراً حول العمل السياسى فى مكتبه بمجلس الوزراء بالخرطوم فى يوليو2005 فى حضورالرفيق نيال دينق نيال الذى قاد وفد المقدمة. فالقطاع الجنوبى شكّل قاعدة الحركة التى خاضت الحرب فى ريف السودان بما فى ذلك جبال النوبة والنيل الأزرق وقد ضم قرنق المنطقتين الي القطاع الجنوبي حتي يبتعد من المفهوم التقليدي لتقسيم السودان شمالا وجنوبا وان يبرز الجانب السياسي من التقسيم علي أساس القوى التي خاضت الحرب والقوى الجديدة التي التقى بها في الساحة الخضراء، فقطاع الشمال يضم القوى الجديدة ومعظمها من جماهير المدن التى مثلها من ألتقوا به فى الساحة الخضراء. وبذلك التطور أصبحت الحركة أقرب الى تغيير بنية السلطة من خلال عمل سلمى وديمقراطى مدنى، وخلفها جيشها الذى أحتفظت به من خلال إتفاقية السلام الشامل (يناير ٢٠٠٥).  كان من المؤكد أن يكون لهذا التصور الجديد تأثير على رؤيتها وإستخدامها لسلطة الدولة لتنفيذ برنامج إصلاحات واسع لمصلحة الجماهير العريضة بتنفيذ إتفاقية السلام فى ظل توازن قوى مختلف.

كان هذا  التحالف بين فقراء المدن والريف والمثقفين الثوريين سيشكل القوة الفعلية لبناء حركة ديمقراطية تقدمية على نسق جديد بيدها جيش سياسى وعسكرى فى مواجهة فاشية الإسلام السياسى. فى تلك اللحظة المفصلية تم تغيّيب "المايسترو" عن المسرح السياسي.

غاب قرنق، لكن المهمة التى كان على أعتاب إنجازها لاتزال  قائمة وواجبة الإنجاز. ولذلك لابد من إيجاد صيغ جديدة للوصول لذلك التحالف. وطالما إن نيران التهميش مشتعلة والمهمشين موجودين فإن تلك المهمة هى واجب الساعة. ولأننا نؤمن بجدوى وفاعلية ذلك التحالف الذى عبر عن نفسه فى الساحة الخضراء لذلك كان موقفنا ضد تصفية الحركة الشعبية فى السودان بعد إنفصال الجنوب. ولأن قاعدة التأييد الشعبى للرؤية قائمة وحيّة تمكّنت الحركة بالفعل من اعادة تجميع  صفوفها فى السودان لتواصل مسيرتها. إن قضية التجديد أمر حيوي لبناء الحركة؛ واذا أردنا المضئ الي الامام علينا أن لا ننسي واجب التجديد. وهذه الأيام إنفتحت شهية الذين يحلمون بتصفية الحركة الشعبية والقوى التقديمة أكثر من أى وقت مضى.

مـلامـح من تكـوين الحـركة الشعـبية فى الســودان

صعدت الحركة الشعبية لأعلى مراقيها فى العمل السياسى فى الساحة الخضراء. إن تلك النقلة النوعية التى وصلت اليها والإمكانيات التى ذخرت بها للتغيير تجعل من الضرورة أن تبدأ عملها السياسى فى السودان بما وصلت اليه فى الساحة الخضراء، وما أعقبها من عمل فى كل ولايات السودان، وليس من تجاربها السابقة فى الحرب الأولى (١٩٨٣ -2005 ) وحدها.مما يجدر ذكره، أن الحركة الشعبية هى التنظيم الوحيد الذى إنتزع الفوز الإنتخابي بولاية خارج قبضة المؤتمر الوطنى ونظامه الإنتخابي المشوه وهي النيل الازرق، كما خاضت معركة إنتخابية متميزة فى جنوب كردفان/جبال النوبة ٢٠١١. يضاف الى كل ذلك إن رصيدها الضخم فى الإنتخابات الرئاسية فى ٢٠١٠ (حملة الأمل والتغيير) مثّل تهديداً فعلياً للمؤتمر الوطنى. كل هذه التجارب مضافاً إليها انتشار الحركة الشعبية فى مدن وريف السودان، وعملها السياسى الواسع فى الفترة الإنتقالية وإنضمام مئات الآلاف لصفوفها يؤهلها أن تبداء من نقاطها المتقدمة وأن لا تتراجع الى حركة إقليمية إثنية وتقزّم نفسها فى ظل إحتياج حقيقى لدورها وسط حلفائها الإستراتيجيين لتحقيق السودان الجديد.

عملية التجديد التى نحن بصددها يجب أن تضع نصب أعينها تجاربنا التى اشرنا إليها آنفاً مع تجارب الست سنوات الماضية التى أثبتت أن الحركة الشعبية - وبعد إنفصال الجنوب - ظلت عصيّة على الإنكسار وأبدت إمكانيات سياسية وعسكرية يعتدّ بها، ولم يهددها إلا إنقلاب مارس 2107الذى خدم مصالح المركز أكثر من ما خدمت المركز بنادقه وسلاح طيرانه، رغم إن الدعاية التى صحبته  قامت على الإدعاء بأنه  قام لهزيمة المركز.

تكونت الحركة الشعبية فى السودان من ثلاث مجموعات فى ١٠ أبريل ٢٠١١ وهى، القطاع الشمالي وجنوب كردفان /جبال النوبة والنيل الأزرق. لم تلتق قيادة هذه المكونات إلا بعد إعلان نتيجة الإستفتاء على حق تقرير المصير فى الجنوب وبعد خطاب  البشير فى مدينة القضارف (ما عرف بخطاب الدغمسة). تلى ذلك أن عَقد قادتها مؤتمر صحفى فى الخرطوم توج بإتفاق وإعلان عن ميلاد الحركة الشعبية فى السودان، وتم تكوين قيادة إنتقالية من المكونات الثلاث ويظل تطوير وإحترام توازن العلاقة بين المجموعات الثلاث لبناء حركة عضوية امراً لاغني عنه، وتم الإعلان عن لجنة لكتابة (المانفستو) الجديد والدستور، وبدأت خطوات فك الإرتباط مع الحركة الشعبية فى الجنوب سياسيا؛ وعسكرياً وإداريا، التى إكتملت لاحقاً.

بهويتها الجديدة وكحركة مستقلة بذاتها بدأت فى تعميق علاقاتها مع القوى السياسية والمجتمع المدنى والإقليم والعالم الخارجى فى وسط حملة شرسة من الحكومة  وحزبها لتأليب الرأى العام ضدها والتمهيد لتصفيتها. فى وجه تلك المحاولة صمدت قيادتها ونفذت خطة مدروسة داخلياً وخارجياً لتثبيت جذورهافى أرض السودان، وإستطاعت فى زمن وجيز ان تشكل تحديا جديا للمؤتمر الوطني، وحولت إنتخابات جنوب كردفان /جبال النوبة الى معركة وطنية حيث توحدت معظم قوى المعارضة  فى كفة ونظام المؤتمر الوطنى فى كفة أخرى. أيضاً تمكنت من تثبيت حكمها فى النيل الأزرق كإقليم وحيد خارج سيطرة نظام المؤتمر الوطني. و هكذا بدأت الحركة بداية فريدة فهى التنظيم السياسي الوحيد فى السودان وربما إفريقيا الذى له جذور تاريخية عميقة فى بلدين، وهذا الوضع يمكنها من تقديم مساهمة فعلية فى تطويرعلاقات إستراتيجية بين دولتى السودان قائمة على توازن المصالح.

فى نشأتها الجديدة إعتمدت الحركة الشعبية على مايزيد من فرقتين عسكريتين فى المنطقتين وهى بداية لم تتاح لأى حركة ناشئة. إمتلكت الحركة منذ بداية تأسيسها رؤية وجيش سياسى وعسكرى وعلاقات داخلية وخارجية مع قوى مهمة، وبدأت منذ إنطلاقتها كحزب جماهيرى ببنية تحتية مكتملة  فى كل ولايات السودان. بهذه الميزات أصبحت الحركة أحد المهددات الرئيسية لنظام المؤتمر الوطني، ولذلك كانت- ولا تزال -المؤامرة ضدها داخلية وخارجية.

يضاف الى ذلك نجاح الحركة فى بناء تحالفات سياسية وعسكرية خارج المنطقتين. وأصبح لها جبهة سياسية وعسكرية عريضة ضد النظام جعلت من هزيمتها أمرا بعيد المنال. وكنتيجة لتلك الجهود الكبيرة تمكنت الحركة من توسيع جبهة المواجهة السياسية والعسكرية و إستطاعت أن تحرر مناطق أكبر من بلجيكا وغامبيا، وسيطرت على قطاع واسع من الحدود الدولية بين السودان ودولتى جنوب السودان وإثيوبيا.

وعلى الرغم من تدهور الوضع الإقليمي إلا أن الحركة حافظت على مناطقها المحررة  وإستطاعت أن تحصل - بعد عمل دبلوماسي نوعى  كبير ومتفرد - على قرار من مجلس الأمن هو بمثابة قانون دولى لمصلحتها كآخر القرارات التى تمت بموافقة روسيا والصين حول السودان وهو القرار ٢٠٤٦ حيث ذكر فيه إسم الحركة الشعبية بالنص مما أعطاها إعتراف دولى داوٍ.

وفى إطار حملتها للتعريف بقضية الشعب السودانى تمكنت من أن تجد موطئ قدم إقليمى وتوسعت علاقاتها إفريقيا ودوليا وتمت للمرة الأولى زيارة بلدان مثل كندا والبلدان الإسكندنافية وفتحت مكاتبها فى أكثر من ٢٢ بلداً. كما كسبت الحركة ايضاً أراضى سياسية جديدة عبر التفاوض بعد ان نجحت فى الربط بين قضايا المنطقتين وضرورة إحداث تغيير فى المركز والوصول الى حل شامل لا يهمل قضايا المنطقتين التى لن تحل فى كادوقلى او الدمازين، إنما بإجراءات جوهرية فى مركز السلطة فى الخرطوم. أيضاً استطاعت الحركة تدريجياً من بناء مؤسسات سياسية وإنسانية وعسكرية كان يمكن أن يتم البناء عليها وتطويرها لخدمة أهدافها بصورة أفضل فى المستقبل.

تمت كل تلك الجهود فى ظل مؤامرات النظام وضغوط المجتمع الدولى الذى لم يرض بأن تتصرف الحركة الشعبية بإستقلالية ورفضت أن ترضخ للضغوط وطرحت برنامج السودان الجديد كبرنامج وحيد دون التأرجح بين حق تقرير المصير والإنفصال كما حدث فى الماضى، وهى أحد أهم القضايا التى شجعت بسببها قوى خارجية الإنقلاب الذى قاده نائب الرئيس. فقد إتضح جلياً إن برنامج السودان الجديد القائم على وحدة السودان يقلق قوى هامة فى الداخل والخارج رأت إن ملامح الحركة الشعبية ونضجها السياسى قد أصبح يتبلور فى التمسك برؤية السودان الجديد  كخيار وحيد.

يضاف الى كل ذلك ربط الحركة لقضايا المنطقتين بالحل الشامل فى (١٥) جولة من التفاوض. كما لعبت أدواراً رئيسية فى بناء التحالفات إبتداءً من الجبهة الثورية والفجر الجديد ونداء السودان، وبرز جيل جديد من القيادات السياسية والعسكرية  ووفد تفاوضى متماسك واضح الرؤية إستعان بخبراء من كافة القوى الوطنية والديمقراطية والمبدعين. كما مدت الحركة يدها لبعض الإسلاميين الذين أبدوا رغبتهم فى التغيير، ومن المثير للإنتباه أن أحد قادتهم المطلعين على خبايا النظام ذكر لنا أن الحركة سيكون لها شأن كبير إذا حافظت على رؤيتها ووحدة قيادتها.  وهكذا أضحت الحركة الشعبية قوة رئيسية فى السياسة السودانية.

بجانب الجهود السياسية والدبلوماسية فى الإقليم ومع المجتمع الدولى إستطاعت قيادة الحركة وعبر تأثير مهم فى السياسات الداخلية لبعض البلدان المانحة من توفير الطعام للنازحيين الداخليين فى المنطقتين عبر مجهود تضامنى فى داخل تلك البلدان من شخصيات مهمة قامت بالضغط على حكوماتها بعد أن رفضت الحكومة السودانية على مدى ست سنوات التوصل لإتفاق إنسانى. شكلت تلك المجهودات مجتمعة  إنتصاراً ضخما فى ظل ظروف اقليمية ودولية بالغة التعقيد وأصبح من الواضح إن الحركة سوف تصل الى أهدافها مع كل القوى الوطنية وسيتمكن شعبنا من تحقيق التغيير وإن الأمر لم يعد سوى مجرد وقت.

وصل عمل الحركة الدبلوماسى الى قمته بإطلاق سراح أسرى الحرب عبر حدود بلدين من بلدان الجوار الإقليمي، كما  تمكنت الحركة  من قبل من إطلاق سراح  العمال والفنيين الصينيين عبر عملية مباشرة أطرافها الصين والحركة الشعبية والصليب الأحمر فى مواجهة رفض من النظام الذى رضخ للضغوط الصينية، وتلقت قيادة الحركة رسالة شكر نادرة من قيادة الحزب الشيوعى الصينى. وهكذا أصبحت الحركة الشعبية قوة مهمة لإنجاز أهداف السودانيين فى التحرر والسلام العادل والمواطنة المتساوية والديمقراطية.

بعد ست سنوات فشلت فيها الحرب فى كسر شوكة الحركة إنتهت المآرب فى تقسيمها الى ضرب وحدتها من داخلها فى أعلى مؤسساتها القيادية، إختار نائب الرئيس توقيتاً كارثياً، ولم يكن مصادفة! وعمل على تقسيمها بعد أن ظل على مدى عامين خارج المناطق المحررة رافضا المساهمة الفعلية فى العمل السياسى والعسكرى والإمداد، وتقدم باستقالته ثلاث مرات وأعتقد - فى فترة وجوده فى الخارج - بعد إندلاع الحرب الأهلية فى جنوب السودان أن الحركة سيتم هزيمتها وسوف يبرئ نفسه من تلك الهزيمة. يشار أيضاً الى قيامه  بزيارة خارجية أصبح يتحدث بعدها عن تقسيم السودان الى خمسة دول ويثير قضايا الإثنية فى داخل التنظيم مستلفاً  كل أسلحة أعداء الحركة الشعبية ورؤية القوميين الإثنيين. ومضى أكثر من ذلك وقام بتقسيم القبائل فى المنطقتين خاصة فى جبال النوبة مستعيناً بالذين فشلوا فى تقسيم الحركة بالأمس. مؤخراً ذكر فى لقائه مع جريدة التيار بأن السودان إما أن يتجدد او يتبدد، وما أغفله عمداً إن ما قام به من تقسيم للحركة يقع فى إطار التبديد، وأن الحركة الشعبية وجدت لتحقق التجديد. وهكذا تطابق موقفه مع المركز فالإثنان يعملان للتبديد، وان نائب الرئيس السابق حينما يدفع فى اتجاه التبديد فهو متحالف مع "جلابة" المركز من حيث لا يحتسب، بينما يعمل دعاة السودان الجديد لمقاومة التبديد ولتغيير إتجاه السودان نحو التجديد.

لقد بٌذلت كل الجهود لتجنب تمزيق الحركة بما فى ذلك تنازل القيادة السياسية الحالية  عن قيادة الحركة، وإختيار قيادة من الجيل الجديد  للحفاظ على وحدة الحركة وتأسيس تقاليد التبادل السلمى للسلطة. ربما كانت تلك هي المرة الاولي فى تاريخ حركات الكفاح المسلح أن يتنازل قادتها طوعا عن مواقعهم لصيانة وحدة تنظيمهم، ولعله من المفيد أن نذكر أن قرار التنازل عن القيادة وتسليمها لجيل جديد تم عرضه على الرفاق (جقود مكوار، أحمد العمدة وأنور الحاج) فى سبتمبر ٢٠١٦، قبل أن تخرج الأزمة الى العلن فى مارس ٢٠١٧،  لكن رغم كل تلك الجهود أصر نائب الرئيس على تمزيق صفوف الحركة. المؤسف فى ذلك أن الإنقلاب صاحبته دعاية مكثفة بأن الرئيس والأمين العام يريدان تصفية الجيش الشعبى. كانت هذه فرية لا تقف على قدمين؛ فالرئيس والأمين العام هما من بناة الجيش الشعبى وحافظا عليه طوال ست سنوات، وقد كان الغرض من تلك الدعاية هو التأثير على موقف الجيش الشعبى الذى وقف ضد الإنقلاب من مارس الى مايو ٢٠١٧، لاسيما فى جبال النوبة.  سنتناول قضية الجيش بالتفصيل. فى حقيقة الأمر فرئيس الحركة ونائب الرئيس وأمينها العام هم من طالب بالإحتفاظ بالجيش خلال مرحلتين، الاولى هى تنفيذ الإتفاق الذى ربما نتوصل اليه، وهذه يتوقع  أن تمتد على الأقل لخمس سنوات، والأخرى هى بناء جيش سودانى  جديد بإعادة هيكله الجيش الحالى وحل المليشيات شريطة أن يعكس الجيش الجديد تركيبة المجتمع السودانى وأن يكون مهنياً وغير مسيس وان يتم ذلك بتجريد المؤتمر الوطنى - كأكبر حزب مسلح - من سلاحه. وستستغرق المرحلة من عشرة الى خمسة عشر سنة، يتم الإحتفاظ أثنائها بالجيش الشعبى مضافة الى الخمسة سنوات السابقة. تم عرض هذه المبادئ فى آخر جولة للتفاوض فى أغسطس ٢٠١٦ ورفضها النظام، رغم ذلك حاول نائب الرئيس إستخدامها فى دعايته لكسب الجيش الشعبى الى جانبه متعمداً تزوير الحقائق، وسيكشف المستقبل إن كان بإمكانه الحصول على أفضل من ذلك. إن هيكلة القطاع الأمنى وبناء مؤسسات مهنية لمصلحة جميع السودانيين ستأخذ على الاقل ١٥ عاما أو أكثر من واقع طرحنا، حور نائب الرئيس السابق ذلك المقترح ووصفه بالذي يرمي الى تصفية الجيش الشعبى على الرغم من موافقته عليه حينما تم التشاور معه سابقاً.

الحـركة الشعـبية والمناخ الوطـنى والإقـليمى والـدولى

قاد تحكم الفاشية الإسلاموية على مدى ما يقارب ثلاثة عقود وتدميرها المنهجي للنسيج الإجتماعي والوطني والسياسي، وتخريب بنية المؤسسات الوطنية والإنتاجية، وإفقار الملايين من سكان الريف و المدن، وإضمحلال الطبقة الوسطى، وملايين  النازحين واللاجئين، وترييف المدن، وإحلال الرأسمالية الطفيلية محل المنتجة،  والإستعاضة عن غالب الطبقة الوسطى بطبقة المستفيدين من الرأسمالية الطفيلية، وعسكرة المجتمع، وبناء أجهزة الأمن المتضخمة، وانتشار العطالة وسط الشباب ، والفساد وتخريب المؤسسات الخدمية خصوصا التعليم والصحة، وإحتكار المال والسلاح والإعلام، والتزييف الممنهج  والتشويه المتعمد لوعى المواطن، وسياسة التمكين فى مؤسسات الدولة، والدفع بالتناقضات الإثنية والدينية والقبلية  كأداة من أدوات السيطرة وسياسة فرق تسد، قاد كل ذلك الى خلق واقع موضوعى للتشقاقات التى ضربت بنية المجتمع السياسى والمدنى. شملت الإنقسامات كظاهرة  أغلب مناحى المجتمع وبنيته  السياسية والمدنية والإجتماعية، حتى انقلب السحر على الساحر وضربت الإنقسامات السياسية الحركة الإسلامية نفسها وحزبها الحاكم. ترافق وتزامن كل ذلك مع إنحدار خطاب النظام الى درجة متدنّية، هذا على الصعيد الوطني.

أما على المستوى الإقليمي والدولي شهد العالم صعود الخطاب القومي والأثني  والشعبوي والدينى والمحافظ ضيق الأفقالناتج عن الراسمالية المتوحشة والليبرالية الجديدة، وقسوة إقتصاد السوق وتداعياته على الفقراء، واتساع الفوارق وتهميش قوى مجتمعية كبيرة، مع أزمة إقتصادية خانقة فى البلدان المتطورة، وتراجع  الراسمالية المنتجة لمصلحة الراسمالية المالية التى تركز همها على نهب مجتمعاتها ومجتمعات الجنوب العالمى. ترافق كل ذلك مع إنحسار مد حركات التحرر الوطنى وفشل كثيرمن تجاربها التى انتهى بعضها بصراعات على الحكم ودكتاتوريات لم تبق الا على الشعارات وانقلبت على شعوبها. فى هذا المناخ المضطرب صعد الإسلام السياسى الذى هو فى وجهٍ من وجوهه إنعكاس لأزمة الراسمالية العالمية لاسيما المجموعات الإرهابية التى تستغل الإسلام ولاتمتلك رؤية صائبة  لتشخيص الأزمة العالمية، أو بديلا ديمقراطيا تقدميا يعالج  تبعات وإنعكاسات تلك الأزمة، وكيفية خروج  الشعوب الإسلامية منها.

فى هذا المناخ قامت الحركة فى السودان بالمحاولة الجريئة والشجاعة لبناء حركة ديمقراطية، فى مجمتع يعيش تحت قهر الإسلام السياسي. فبينما نجحت الحركة فى قضايا عديدة  إلا انها فشلت فى تحقيق هدفها الرئيسي الذى جذب الملايين وهو "بناء سودان موحد علمانى ديمقراطى" على أساس من المواطنة والعدالة الإجتماعية ولمصلحة جميع السودانيين. علينا الأخذ فى الإعتبار أن الحركة في السودان قد نشأت فى ظل وضع إقليمى مربك ومرتبك. شهد تأسيسها إنفصال الجنوب وإرتكاب النظام لجرائم حرب وإبادة جماعية فى دارفور. فالإنفصال والإبادة الجماعية حدثين يستدعيان إعادة  النظر فى كامل المشروع الوطني و يشمل ذلك إعادة النظر فى تجربتنا والإستفادة من الدروس التى إستقيناها، وإن أستدعى ذلك الرجوع الى الوراء لكى نتقدم الى الأمام. لذلك لا بد أن نحاكم تجربتنا على نحو نقدى لا يهدم إلا بالقدر الذى يبنى فى إطار من الإلتزام القاطع برؤية السودان الجديد، وهذا ما نحن بصدده تحديداً.

علينا الإعتراف  بأخطائنا وأن لا نتحجج  بالأوضاع العامة والإطار الموضوعي دون الغوص فى أسباب الاخفاقات الذى أصاب تجربتنا وأن نبحث عن الضمانات لعدم تكرار اخطائنا فى المستقبل، من هنا :-

العــودة الى منصـة التكـوين ورؤية الســودان الجــديـد

بعد مرور ما يزيد على ثلاثة عقود من طرح الشهيد الدكتور جون قرنق دى مبيور لرؤيته الداعية لبناء السودان الجديد وما أحدثته تلك الرؤية من قفزة فكرية وسياسية  فى الفضاء السودانى، جذبت الملايين وقدم الالآف ارواحهم تحت رايات الحركة الشعبية الإطار التنظيمي الذى تحمّل مهام الدعوة لتلك الرؤية. كانت أعلى درجات التفاعل بين الكفاح المسلح والسياسي المدني وبين جماهير الريف والمدن وكانت نقطة الإلتقاء التاريخية الباهرة هى الساحة الخضراء حيث إلتقى السودانيون بتنوعهم فى تلك اللحظة التاريخية المشحونة بالمشاعر الإنسانية والآمال والتطلع الى مستقبل أفضل من الحرية والعدالة والمساواة. حينها برزت فرصة جديدة غير مسبوقة فى تأريخ السودان المعاصر  لبناء إطار سياسى إقتصادى ثقافى جديد يحدث قطيعة مع ماضى الدولة السودانية ويقدم إجابات حاسمة لإدارة التنوع وقضايا المواطنة المتساوية والديمقراطية  والعدالة الإجتماعية.

 الجماهير التى إستقبلت قرنق فى الساحة الخضراء كانت تتطلع لحلول لقضاياها المتمثلة فى السلام والطعام والمواطنة المتساوية والحريات وحقوق الإنسان والصحة والتعليم والمياه والسكن،وإنصاف النساء وتوفير فرص العمل للعطالة، اى تحسين شروط  الحياة. تقع كل هذه القضايا فى صلب برنامج السودان الجديد. يمكن القول بكل ثقة إن قرنق كان على أعتاب تجاوزالمطالبة بحق تقرير المصير بعد ان توفر له جمهور لتغيير كل السودان فى الساحة الخضراء.

وعلينا أن نعترف الآن أن برنامج السودان الجديد المستمد من الرؤية لم يتعد مرحلة الشعار ولم يخاطب "قفة الملاح" وهموم الحياة اليومية، رغم محاولات قرنق منذ وثيقة "بناء السلام عبرالتنمية" بالإنتقال الى برنامج تفصيلي. والآن وبعد مضى ١٢ عاما على رحيل قرنق لا تزال الحركة تحتاج الى الإنتقال من  مرحلة الشعار والرؤية الكلية الى القضايا التفصيلية واليومية التى يتطلب بناء المجتمع الجديد مخاطبتها. وبالنظر للفرصة التى وجدتها الحركة فى سنيين حكمها لتحسين حياة المهمشين ولم تحسن استخدامها، أصبح من الضرورى إعادة تقييم التجربة والممارسة الفعلية لتوفير شروط النجاح فى المستقبل. وقد آن الأوان للحركة أن تتجه بتصميم وعزم لتجديد رؤيتها والإتجاه نحو بداية جديدة تستند على أساسيات رؤية السودان الجديد ولا تتردد فى الإعتراف بكافة الأخطاء وإدخال الإصلاحات المطلوبة على مستوى الرؤية وتقديم برنامج تفصيلى  يجعلها جاهزة لمخاطبة الحاجات الفعلية للمجتمع. يجب أن يشمل ذلك بالطبع تجديد البنية التنظيمية ووسائل النضال والإنفتاح على الحلفاء الإستراتيجيين وتجاربهم والتعلم منها، وبناء كتلة تأريخية تحسم التردد بين النضال من أجل بناء السودان الجديد أو إنفصال مناطق الصراعات فى الريف كما حدث فى تجربة الجنوب.

تستمد رؤية  السودان الجديد أهميتها من دعوتها لوحدة السودان فى إطار سياسي، إقتصادي، ثقافى منصف. و تفقد الرؤية مغزاها اذا أدت الى تفكيك السودان على أسس إثنية عبر حق تقرير المصير فى عملية تؤدى بدورها الى المزيد من التفتت على ذات الأسس، وذلك لان الأسس الأثنية لا تجاوب على اسئلة العدالة الإجتماعية والمواطنة المتساوية والديمقراطية، لأنها تأخذ الشكل دون المحتوى. إن رؤية السودان الجديد تعنى إدارة التنوع فى الوحدة بكل بساطة.

إن هذه الرؤية الجديدة بإنحيازها لوحدة السودان إنما تنحازكذلك لوحدة إفريقيا، وهو الإنموذج الذى تحتاجه إفريقيا اليوم للحفاظ على وحدة بلدانها ووحدتها فى وجه محاولات نهب خيراتها وهى الوسيلة الفاعلة والمجربة لمقاومة الإستعمار الجديد.

ويجب أن يأتى كل ذلك فى إطارٍ من المواطنة المتساوية والوحدة فى التنوع والعدالة الإجتماعية والديمقراطية. إنه لمن الصادم تراجع أسئلة وحدة إفريقيا ووحدة بلدانها وقضايا العدالة الإجتماعية والمواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمى للسلطة عند  الكثيرين ممن ينتمون الى الجيل الثانى من حركات التحرر الوطني الإفريقي.

الحــركة: التأســيس والمـانفستـو

عند الإعلان عن تأسيس الحركة الشعبية فى ١٠ ابريل ٢٠١١ كان من أول قرارات القيادة الثلاثية تشكيل لجنة لصياغة المانفستو (الرؤية)، و فرغت تلك اللجنة من عملها ودفعت به لإعتماده وتبنيه بصورة نهائية. فؤجئنا بأن نائب الرئيس فى خطوة لم تكن مراميها واضحة يومها؛ كوّن لجنة أخرى لإعداد مانفستو مغايردون التشاور مع زملائه فى القيادة، وتجاهل عمل اللجنة الأولى. واتضح لاحقاً إنه فعل ذلك لأنه يريد الزج  بقضايا سبق وأن نوقشت معه ووافق - بعد نقاش طويل- إن تلك القضايا ستثير خلافات داخل الحركة لذلك قرر تركها وعلى رأسها حق تقرير المصير  لجبال النوبة واستبعاد القوى التقليدية من قيادة اى تحالف للمعارضة. وكان نائب الرئيس السابق قد إقترح طَرح  حق تقرير المصير أثناء مفاوضات إتفاق ٢٨ يونيو ٢٠١١ وتراجع عنه بعد مناقشة مع الرئيس والأمين العام اثناء زيارة  "تابو أمبيكى" رئيس لجنة الوساطة الأفريقية، لجبال النوبة فى يونيو ٢٠١١، قبل توقيع الاتفاق أعلاه وذلك بحضور عدد من الضباط  وتم الإتفاق على الموقف التفاوضى الذى وقع على ضوئه ذلك الإتفاق.

مما يجدر ذكره أن لجنة نائب الرئيس أعادتطرح حق تقرير المصير فى وثيقتها ورجعتبالحركة مرة أخرى للتأرجح بين هدفين يتعارضان فى كثير من الأحيان. هذا الطرح يتجاهل حقيقة هامة وهى أن رؤية السودان الجديد  أعلى سقفاً من حق تقرير المصير لأنها تسعى لتوحيد السودان ببناء مجتمع جديد، أما حق تقرير المصير فيمكن أن يؤدى الى نفس المجتمع القديم، ويمكن أن يحافظ على السمات الإقتصادية والثقافية القديمة فهو فى جوهره آلية لا تقضي في حد ذاتها على أشكال الإستغلال بقدر ما أحيانا تعبر عن طموحات ومصالح نخبة اجتماعية صاعدة تريد أن تحل بديلاً للنظام القديم على رقعة جغرافية جديدة، يمكن أن تعيد تجارب مركز السلطة السابق بدعاوى إثنية جديدة وليس بالضرورة أن تؤدى الى قيام نظام ديمقراطى ومواطنة متساوية. إن طلاح قضايا الهوية والتنوع الثقافى فى تجاوز للعدالة الإجتماعية لا يؤد الى قيام مجتمع جديد. هذا من حيث التنظير.

أما من حيث الواقع، فتكوين المنطقتين لا يماثل تكوين جنوب السودان، فهو أكثر تعقيداً كما أن الحركة فى السودان تضم أطيافا من خارج المنطقتين ليس بإمكان غالبيتهم تكرار تجارب الماضى، إضافة لإختلاف الوقائع التاريخية داخليا وخارجياً  فى كثير من جوانبها بين المنطقتين وجنوب السودان. يشار أيضاً الى تناقص وتزعزع السند الإقليمى والدولى لمطلب تقرير المصير، بجانب عدم وجود حدود جغرافية للمنطقتين مثل حال الجنوب فى ١\١\١٩٥٦. عامل آخر يجعل من المطالبة بهذا الحق أكثر تعقيداً وهى الوجود الكبير للقبائل العربية داخل المنطقتين مما سيؤدى الى إستقطاب إثنى حاد حول قضية تقرير المصير وأثناء الإستفتاء عليه، وسيقود كل ذلك الى إطالة أمد الحرب وتمكين المركز من التعبئة ضد الحركة ومناصريها من سكان المنطقتين.

عرض على نائب الرئيس السابق مرات عديدة  أن تتم الدعوة لإجتماع تحضره القيادات السياسية والعسكرية والمدنية لسكان المنطقتين لإجراء حوار عميق حول حق تقرير المصير والوصول لقرار ديمقراطى صائب حوله، كذلك عرض عليه أكثر من مرة رئاسة وفد التفاوض، ولكنه تهرب من كل ذلك. هنالك رسائل داخلية  متبادلة بين القيادة تثبت هذا الأمر، يمكن نشرها فى الوقت المناسب.

ولأن الحركة مدركة لتعقيدات واقع المنطقتين والمناخ الوطنى والإقليمى والدولى ولإلتزامها برؤية السودان الجديد  لتوحيد السودان طرحت مطلب الحكم الذاتى فى المفاوضات؛ وهو شكل من أشكال حق تقرير المصير الداخلي، مع ترتتيبات أمنية قائمة على الإحتفاظ بالجيش الشعبى فى فترة تنفيذ الإتفاق والتى تم تقديرها من قبل قيادة الحركة بخمسة سنوات،  وتم الإتفاق على المطالبة بجيش سودانى موحد جديد تعاد هيكلته وحل المليشيات وأن يكون مهنياً يعكس تركيبة المجتمع السودانى كما سبقت الإشارة. كل ذلك لتجريد المؤتمر الوطنى من سلاحه كأكبر حزب سياسى مسلح فى السودان كما ذكرنا ذلك أثناء التفاوض. قدرنا لهذه العملية فى حدها الأدنى عشرة سنوات وربما تمضى الى ١٥ عاما وأكثر لإعادة هيكلة كامل القطاع الأمنى على نحو جديد. تتيح هذه العملية الإحتفاظ بالجيش الشعبى كضمانة عضوية لتنفيذ أى إتفاق يتم التوصل إليه للإنتقال بالسودان ومركز السلطة الى إطار سياسى إقتصادى ثقافى جديد.

تلك فترة كافية لتمكن الحركة من الإنتقال السلس  من الكفاح المسلح الى العمل الجماهيرى السلمى الواسع والتمدد سياسياً وان تكون الجماهير حصناً مادياً أميناً وقوياً لإحداث الإنتقال نحو السودان الجديد، وربط قضايا المنطقتين بإصلاحات جوهرية فى المركز ومعالجة الإختلالات البنيوية التى تسببت فيها أنظمة الخرطوم  وبناء سودان جديد لمصلحة جميع السودانيين.

كانت تلك هى الإستراتيجية التفاوضية التى خرّبها نائب الرئيس السابق وضرب بها عرض الحائط بدعوى الإصلاح، محاولاً نقل تجربة الجنوب بالمسطرة على طريقة "أقطع وألصق" دون إمتلاك الدعم والسند والموارد التى حظى بها الجنوب داخلياً وخارجياً، ودون مراعاة فروق الوقت والإختلافات الجوهرية بين الحرب الماضية والحالية. هذا فيما يتعلق بموضوع تقرير المصير والجيشين.  .

على الجانب الآخر وفيما يختص بالتحالفات السياسية مع القوى التقليدية  طرح  نائب الرئيس أن تقوم التحالفات على أساس برنامج السودان الجديد. ومن نافلة القول أن التحالفات السياسية  بطبيعتها تقوم على برنامج الحد الأدنى وعلى توازن المصالح . وأكثر من ذلك طالب بأن تتولى قوى السودان الجديد قيادة تلك التحالفات. وكما هو معلوم يقتضى التحالف والعمل السياسى مع الآخرين الوصول لتفاهمات وفاعلية سياسية، وليس إستخدام مناهج إقصائية  مثل ما يفعل النظام، فالذين قاوموا إقصاء النظام لن يقبلوا بإقصائهم فى المعارضة.

عدم الإتفاق على هذه القضايا إضافة لتعطيل نائب الرئيس لوثيقة المانفستو حتى يفرض وثيقته التى دفع بها بديلا لوثيقة اللجنة التى شارك فى تكوينها هو ما أخّر إجازة المانفستو. وكحلٍ وسط ، طلبنا من نائب الرئيس الإتفاق معنا على دمج الوثيقتين لكنه تماطل أيضاً، ومع كل ذلك يريد أن يحملنا عدم إعداد المانفستو!

ولأن الأشياء تعرف بثمارها، فإن ثمار برنامج الإصلاح الذى طرحه نائب الرئيس السابق واضحة للعيان. هل يستطيع اى شخص الإدعاء بأن الحركة الشعبية الآن أفضل مما مضى؟ نترك ذلك لفطنة وحكمة أعضاء الحركة وأصدقائها وكل من يعمل للتغيير فى السودان.

مــراجـعة رؤيـتـنا: مــن أيـن نبــدأ؟

يجب تقيّيم اى مشروع سياسى ونجاح وفشل قادته بالأهداف التى طرحوها والنتائج التى حصلوا عليها.

طرحت الحركة الشعبية لتحرير السودان  مشروع السودان الجديد لتحقيق "دولة علمانية ديمقراطية موحدة جديدة". لم يتحقق هذا الهدف الرئيسي لأسباب عديدة سنتناول أهمها. لذلك يتوجب على كل الذين ناضلوا تحت رايات المشروع وعملوا لعقود طويلة لتحقيقه ومن واقع إلتزامهم والوفاء للشهداء وللجرحى ولكل تضحيات شعبنا الإعترف بداية أننا لم ننجح فى تحقيق الهدف الرئيسى للمشروع. كما يتوجب علينا أن نبحث عن الاسباب التى قادت لذلك، وأن نصل الى تقييم شامل نقدي ودقيق لما جرى على مستوى الرؤية والممارسة، وأن تكون أعيننا مبصرة للمتغيّرات العديدة التى حفل بها عالمنا الوطنى والإقليمى وعلى أمتداد الكرة الأرضية، وأن نجرى مراجعة دقيقة وأمينة تضعنا على أعتاب بداية جديدة!

نرى أن البداية الجديدة التى نتحدث عنها يجب أن تشكل ميلاداً  ثانياً لرؤية السودان الجديد، فوقائع الصراع فى بلادنا تثبت كل يوم أننا نحتاج لهذه لرؤية الثاقبة، حيث ثبت أنه من العسير جدا التوصل الى عملية بناء وطنى  وتوحيد السودان فى تنوعه دون أخذ اساسيات مشروع السودان الجديد فى هذه العملية.

إصطدم مشروع السودان الجديد منذ بدايته بقوتين، قوى السودان القديم المسيطرة على مركز السلطة بأجنحتها المختلفة، وقوى القوميين الجنوبيين. ولاحقاً عند تأسيسها فى ١٠ ابريل ٢٠١١،  إستمر إصطدام الحركة بنفس القوتين فى مناخ جديد وجفرافيا مختلفة. فى المعركة الأولى إنتصر القوميون الجنوبيون الذين إستخدموا رؤية السودان الجديد كآلية لفصل جنوب السودان، بدلاً من إستخدامها كرؤية لتغيير السودان وتراجعوا عن مقوماتها وعلى رأسها وحدة السودان، سيقود التراجع عن  الرؤية - بعد التمكن من إستخدامها كآلية فى معركة تقرير المصير لفصل جزء من السودان- للتخلى عن مشروع السودان الجديد نفسه.

سعت الحركة منذ بدايتها  لتكوين كتلة تاريخية مع القوى المستنيرة و الديمقراطية والتقدمية فى شمال السودان، ودخلت فى حوارات معها، ولكن لملابسات عديدة والتباعدات التى أفرزها التأريخ والسياسة والجغرافية والعمل التخريبي لمركز السلطة  وسلبية القوميين الجنوبيين، وأحيانا تواطؤ وزهد مثقفى المركز، وإختلاف وسائل النضال و تدنى مستوى الثقة وغيرها من أسباب، لم تتمكن الحركة من الوصول لتلك الكٌتلة التاريخية مع المجموعات ذات المصالح الإستراتيجية المشتركة.

نتائج المـمارسة والمـتغيّـرات الجـديدة وتجــديد الـرؤية

دعنا نخلع جواربنا ونواجه الواقع على حقيقته بالموضوعية، وحكمة ما بعد الممارسة والعزم اللازم ونسمى الأشياء بأسمائها. فنحن الذين رفعنا رآية السودان الجديد لسنا بصدد إثبات أخلاصنا لأحد بقدر ما نود أن نلخّص تجربتنا تلخيصاً أميناً يساعدنا و القادمين على هذا الطريق  أن نحقق نتائج أفضل من التى حققناها بالأمس.

رفعت الحركة الشعبية شعار تحقيق سودان جديد ديمقراطى علمانى موحد على قاعدة المواطنة والعدالة الإجتماعية ولم نصل الى هذه الأهداف، فالسودان  لم يصبح  جديداً بعد أو موحداً او علمانياً او ديمقراطياً، ومع ذلك  نجحنا بالفعل فى هزيمة كثير من المفاهيم البالية والقديمة التى قامت عليها الدولة السودانية وربما يرجع تاريخ بعضها الى أكثر من ثلاث قرون، واعترفت حتى القوى الأكثر رجعية فى مجتمعنا بالتنوعالتاريخى والمعاصر،حتى ولو على سبيل المسايرةاو التصنع، وأضحت قضايا

المواطنة المتساوية  والتنوع الثقافى وعلاقة المركز بالأقاليم والمظالم التاريخية والتنمية غير المتوازنة وقضايا ملكية الأرض والتوزيع غير العادل للثروة وإعادة هيكلة السلطة، والهوية وحق الآخرين فى أن يكونوا آخرين، قضايا يعترف بها الكل ولو نظرياً، وصارت بعض مقولات فكر السودان الجديد مثل مفهوم:"أن القضية ليست من يحكم السودان، بل كيف يُحكم السودان"، مقولات يرددها حتى أكثر القوى شراسة فى معاداتها لرؤية السودان الجديد ولو من باب العلاقات العامة. وأصبح شعار السودان الجديد تياراً جماهيرياً كاسحاً، ورفعت الجماهير رأيات الحركة فى المناطق النائية والمعزولة من ريفنا، دع عنك المدن. كما بات جلياً أن لتيار السودان الجديدسند جماهيرىيمكنه من الوصول منصة الحكم عبر صناديق الإنتخابات وإن بإمكان الحركة أن تنتقل من العمل المسلح الى العمل السلمى الجماهيرى الديمقراطي المدني، و صار ذلك أمراً واقعاً ومحسوساً. فالحركة الشعبية هى أول حركة من الهامش ذات أفق ديمقراطى وتقدمى تحتل هذه المكانة التاريخية فائقة الأهمية فى النسيج السياسي الوطني السوداني. فالحركة التى نشأت فى "بور" فى أكثر مناطق ريف السودان بعداً عن المركز تحولت الى حركة فى مركز وقلب الصراع الإجتماعى، بل تهدد مركز السلطة نفسه، ولعبت رؤية السودان الجديد دوراً حاسماً فى ذلك ولولاها لما حظيت بهذا الدور.  فرؤية السودان الجديد هى أقوى اسلحة الحركة، أقوى وأكثر خلودا من المدافع والدبابات التى تمتلكها!ّ و هى أول حركة يقودها مهمشون وتصبح حركة جماهيرية منذ ثورة ١٩٢٤، بل هى فى وجه من وجوهها إمتداد لتلك الثورة. فقادة ثورة ١٩٢٤ هم مجموعة فريدة من القادة الذين ينتمون للشمال والجنوب معاً والذين أشرأبوا بفكرهم فوق جراحات تجارة الرق وإنتموا للسودانيين ضد محاولات التقسيم الكولونيالي التى شربت من  تناقضات  تاريخنا.

تمكنت الحركة على الأقل فى مناسبتين هامتين يوم الجمعة ٨ يوليو ٢٠٠٥ فى الساحة الخضراء - حيث كانت الأمة مجتمعة- وفى انتخابات أبريل ٢٠١٠ (حملة الأمل والتغيير) ان ترسل رسالة هامة لأصدقائها وخصومها على السواء بأنها يمكن أن تحدث التغيير. و لاتزال الحركة تمتلك  القدرة على إنجاز مهام التغيير الإستراتيجي بالعودة لمنصة التكوين وزيارة تجربتها السابقة ورؤيتها مرة أخرى والتزود بهواء نقى بغرض التجديد واستيعاب المستجدات التى تمخضت عن تجربتها التاريخية بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود وإستيعاب دروس هذه التجربة وتمثّلها للمضى الى الأمام، مما يستدعى إعمال العقل النقدى لمراجعة هذه التجربة الهامة  التى قامت واستندت على تضحيات الفقراء والمهمشين من أبناء شعبنا.

ومن الجانب الآخر تحتاج الحركة للإنفتاح على الحلفاء الإستراتيجيين وتجاربهم ورؤاهم لتأخذ منهم وتعطى فى إطار عملية التجديد الذى يشمل الرؤية وكامل الإطار التنظيمي للوصول الى بدايات جديدة غير معزولة من مصادر قوة الأمس. كم يجب أخذ ما هو صالح وفالح من تجربتها التاريخية دون أن تتخلى عن أساسيات رؤيتها وما حققته من نجاحات، بل يجب أن تبنى على ذلك للخروج من دائرة الجمود وسلبيات الماضي بإعتراف كامل بأخطائها ولجذب قوى إجتماعية جديدة تشترك معها فى المصالح.

يجب أن نبنى حركة تحرر وطنى فى ثوب جديد آخذين التجارب البشرية  والتطور التكنولوجى الهائل الذى يقتصر كثير من مهام البناء الصعبة فى الماضي. فالتيارات والأحزاب الحديثة يمكن أن تبنى على قوى إجتماعية جديدة إذا إستوعبت وفق برنامج جاذب التحولات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية العميقة فى المجتمع مثل تجربة "جيرمى كوربن" فى بريطانيا و"بيرنى ساندرز" فى الولايات المتحدة الأمريكية و"ماكرون" فى فرنسا،الذين صعدوا فوق موجة تيارات إجتماعية جديدة ناهضة على رأسها الشباب.

ومن هنا علينا طرح بعض أمهات القضايا بغرض معالجتها جماعياً، فالمنظمات الحديثة تعتمد على العمل الجماعى أكثر من الأفراد الملهمين، والحركة الشعبية اليوم ربما لن تجد قائداً بقدرات الدكتور جون قرنق ولكنها ستجد الملايين الذين هم على إستعداد لإنجاز مشروع واحلام قرنق.

القضايا التى سنطرحها تحتاج الى نقاش اساسه مشاركة القواعد ثم يتصاعد الى أعلى الهياكل التنظيمية، وهونقاش مفتوح لمساهمات شعبنا وحلفائنا الإستراتيجيين وأصدقائنا للإدلاء بدلوهم فى كامل قضية التجديد، ومواصلة البناء فى ظل المتغيرات الوطنية والخارجية. غرضنا هو فتح نقاش حقيقي دون حجر او إدعاء بامتلاك الحقيقة وناصية المعرفة  وسيغتني هذا النقاش بالمساهمات المشتركة والجماعية وتطوير الرؤية والهياكل التى ستظل عملية مستمرة بعد أن نضع الأساس السليم لها.

إشكـاليات قـديمـة متجــددة كـيف ننجـح فى حـلها

هنالك إشكاليات قديمة ومتجددة واجهت الحركة منذ بدايتها تشكل الملامح الرئيسية لمسرحها السياسى، وبحلها ستفتح الباب لماعداها من قضايا وهى إشكاليات مطروحة لكل من ساهم فى تجربة الحركة الشعبية مباشرة وخاض فى الوحل ورهق البحث عن التغيير، او تابع هذه التجربة من موقعه الخاص. فهنالك أسباب معقدة ومتشابكة أدت الى عدم وصول الحركة الشعبية الى أهدافها النهائية. ماهى هذه الاسباب بشكل اكثر تحديداً إضافة  لتلك التى تم ذكرها سلفاً حتى نساهم فى طرح الحلول لها،و نحسن التعامل معها فى المستقبل؟ ما الذى نحتاجه لتأمين النجاح هذه المرة دون ان نحوّل أنفسنا وشعبنا الى حقل تجارب؟ ودون ان نستمرئ جلد الذات، ولذا سأتطرق فى هذه المساهمة لبعض القضايا الهامة التى ساهمت فى عدم وصول الحركة الى أهدافها النهائية. من الصعب لفرد واحد تقديم الإجابة المطلوبة لكن سنقترب من الإجابة الصحيحية بالجهد الجماعي، وهو الغرض من فتح هذا المناقشة الإستراتيجية لأعضاء واصدقاء الحركة.

القضايا التى تتطرق لها هذه الورقة والتى ساهمت فى عدم وصول الحركة لأهدافها النهائية يجب أن يضاف اليها تَغّييب الدكتور جون قرنق من المسرح السياسى فهو فرد يساوى فرقة من الرجال والنساء الاذكياء والشجعان.

دعنا الآن نتناول بعض الإشكاليات والقضايا الهامة:-

الـرؤية مـن الشعـار الى البـرنامــج

رؤية السودان الجديد رؤية باهرة للبناء الوطنى وتوحيد السودان لإحداث تحول نوعى وحاسم بمعالجة المعوقات التى أقعدت السودان القديم من النهوض ووسمته بالحروب والديكتاتوريات والإستغلال الإجتماعي الإقتصادي والإضطهاد القومي والثقافي الذى اودى بملايين الضحايا. وهى لا تزال البضاعة الصالحة فى دور عرض المدينة.

ظلت  الرؤية تحتاج الى عمل تفصيلى ينقلها من الكلّيات والعموميات والشعارات الى برنامج يخاطب قضايا الحكم والديمقراطية والمواطنة المتساوية وتحسين ظروف الحياة المعيشية والتعليم والصحة والسكن والمياه النقية والزراعة والأرض "ونقل المدينة الى الريف، لا الريف الى المدينة" وهى قضايا وأسئلة التهميش المؤرِقة. دون ذلك لن  تتحول الرؤية الى واقع ملموس ومحسوس فى حياة المهمشين  ولن توفر الحياة المعيشية اللائقة بهم. هذا الأنتقال من فضاء الشعار الى واقع حياة الناس الذين يبحثون عن تغيير جوهرى فى"قفة الملاح والدوكة وصاج العواسة والبرمة" هو السودان الجديد بالنسبة لهم.

والحقيقة أن الحركة الشعبية لم تمتلك برنامجاً تفصيلياً لهذه القضايا قبل مشاركتها فى الحكم؛ واعتمدت على تنفيذ نصوص إتفاقية السلام. وقد بذلت محاولات لوضع برامج فى قطاعات مختلفة ولكن ذلك لم يرق الى مستوى البرنامج الشامل.

لا تزال هذه القضايا تحتاج الى إجابات باعتبارها  أول قضايا التجديد وعلينا أن نمتلك  هذا البرنامج التفصيلى.

ومن المفيد أن نذكر أنه بعد تأسيس الحركة الشعبية فى عام ٢٠١١ شرعنا فى ٢٠١٢ فى البحث عن كيفية إعداد البرنامج التفصيلى، وقامت لجنة من عدد من المختصين  والأكاديميين أصحاب الكفاءآت العالية  ممثلين لهامش ومركز السودان رُوعى فى تكوينها معالجة قصور الماضى حيث كان غالب المختصين فى إعداد السياسات يأتون من المركز، حتى أصبح ذلك نمطاً من أنماط تقسيم العمل الذهنى  واليدوى بين الهامش والمركز، وهو واحد من القضايا التى غادرتها رؤية السودان الجديد مبكراً، حيث كان مفكرها من هامش السودان. عقدت هذه اللجنة إجتماعات هامة وغير معلنة  فى فنلندا وباريس وجنوب إفريقيا، وكادت أن تفرغ من مهمتها إلآ أن إحدى القضايا التى أخرت عملها  تلكوء نائب الرئيس السابق فى تقديم التصور حول الترتيبات الأمنية من زاوية رؤية السودان الجديد بدعاوى ومخاوف تجعل من رؤية السودان الجديد رؤية إثنية وجغرافية محدودة لا تعالج كل قضايا السودان. وقد ظل نائب الرئيس السابق يتخوف من الإنفتاح على المثقفين من خارج الهامش؛ وعاجز عن المساهمة فى أجندة جديدة لكل السودانيين وهى جوهر فكرة السودان الجديد وجرأة مفكرها الذى عندما إكتشف أن التهميش لم يكن ماركة تخص جنوب السودان وحده، تحدث عن التهميش فى كل السودان.

ولكى تنجح رؤية السودان الجديد فقد آن لها الآوان أن تخرج من حيز الشعار وتسير بقدمين فى القرى والمدن والأسواق، وتعالج الحياة اليومية للناس العاديين، وأن تحل قضايا الخبز والمواطنة والتحرر والسلام العادل، وأن تساهم فى التطور والرقى المادى والروحى للناس، وأن تدفع بعملية البناء الوطنى التى يحتاجها شعبنا، وأن لا تتوقف فقط عند الحديث عن التهميش، بل تمتلك برنامج ينقل المهمشين الى فاعلين فى عملية التنمية والبناء وانتاج الثروات حتى تكون هى السلاح الفاعل فى النضال لتغيير واقعهم، والوصول لهذا البرنامج  من أمهات قضايا التجديد.

الكفـاح المـسلح ورؤيـة الســودان الجـديد

لعب الكفاح المسلح الدور الرئيسى فى ترسيخ ونشر رؤية السودان الجديد، وقدم الآلاف من خيرة أبناء وبنات شعبنا ارواحهم تحت رايات الحركة الشعبية. ولم يكن الكفاح المسلح خياراً مثل قائمة الطعام يختار الإنسان منها ما يناسبه، ولكنه كان نتاج صيرورة تأريخية إجتماعية وإقتصادية سياسية ثقافية معقدة. وكان الوسيلة التى إقتضتها الضرورة التأريخية فى جنوب السودان وإمتدت الى مناطق أخرى شاركت الجنوب نفس ظروفه. عزّز من مشروعية هذه الوسيلة طبيعة أنظمة القمع فى الخرطوم لاسيما أكثر تياراتها رجعية وفاشية "الحركة الإسلامية" التى إستولت على الحكم فى يونيو 1989.

بعد مضى أكثر من ثلاثة عقود من الكفاح المسلح فى ريف السودان حان الوقت  لمراجعة التجربة على نحو نقدى صارم دون  تهييج العواطف أو تصدير الإتهام والإتهام المضاد. لأن من مصلحة المهمشين الوصول الى تقييم رصين لتجربة الكفاح المسلح فهى تجربة باهظة الثمن والكلفة الإنسانية. لن يقلل التقييم من حقيقة أن تجربة الكفاح المسلح  لعبت دورا تأريخيا هاماً ولا تزال تمثل أهمية فائقة فى التصدى لأنظمة القمع خصوصاً النظام الحالي. وحينما نتحدث عن تقييم التجربة لا نطالب أحداً بأن يقذف بسلاحه الى المجهول؛ بقدر ما نريد ان نقييم كل الأسلحة النضالية  المتوفرة لدينا الآن وأيهما أكثر مضاءة فى تحقيق التغيير! ربما تكون هنالك أكثر من وسيلة لذلك، فكيف لنا أن نقيّم هذه الوسائل فى تكاملها او أهمية كل منها والإنتقال من وسيلة الى أخرى فى الوقت المناسب او الجمع بين أكثر من واحدة فى نفس الوقت؟

من الواضح أنه بعد عقود من حروب الريف تغيرت تركيبة الريف والمدن معاً لاكثر من سبب. فمدن اليوم ليست هى مدن عقد الستينات التى كان قلبها  ينبض بالطبقة الوسطى، فقد تريفت المدن وهى ظاهرة إفريقية وعالمية لا سيما فى بلدان الجنوب العالمي وانتقل الملايين من سكان الريف للمدن، خصوصاً الشباب.

تمكنت الحركة الشعبية القادمة من الريف من توصيل رؤيتها الى سكان المدن ولامس خطابها كثير من أشواقهم. وبرهنت إتفاقية السلام وتجربتىّ الساحة الخضراء وانتخابات ٢٠١٠ على ذلك.

وفى الوقت الذى أدى فيه القوميون من المناطق الريفية الذين يبصرون فى حدود الحاضنات الإثنية للكفاح المسلح دوراً مميزاً ولكن لم يتمكنوا من إلتقاط تلك اللحظة التاريخية فى الدمج بين نضالى الريف والمدن  لتغيير السودان. ولم يعطوا التغيير فى تركيبة المدن الإهتمام الذى يستحقه.

أيضاً لم تتم دراسة نقاط القوة والضعف فى تجربة الكفاح المسلح الذى جذب قطاعات جماهيرية عريضة من الريف، لكن هذه الجماهير عانت من هشاشة التركيبة الداخلية وضعف الوعي السياسي مما أدى الى  نجاح الكثيرمن الألاعيب التى يحيكها مركز السلطة فى الخرطوم ضدها، وقد إستطاع النظام فى الخرطوم صنع كثير من الحروب الداخلية فى الهامش والتى ارتكبت خلالها إنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من نفس الذين يرفعون شعارات التحرير، وهى مفارقة ستنتقل لاحقاً عند اى محاولة لبناء مجتمع جديد وعند الوصول الى الحكم، فالاساليب القديمة لا تبني مجتمعا جديدا، وقد لاحظ الكثيرون قدرة العمل المسلح على هدم المجتمعات القديمة مع تناقص فعالية قواه فى بناء المجتمعات الجديدة.

فى تجربة الحركة تميز هيكلها السياسى التنظيمى بالعسكرة والتراتيبية العسكرية مما قلص مساحة الديمقراطية الداخلية ومرّكز بشدة إتخاذ القرار واحتكاره وفقا لها، وساهم فى خلق مناخ موات لإنتشار الفساد الذى بدأ فى التلاعب فى الإمدادات وعدم توزيعها بعدالة وانتقل الى أجهزة الإدارة والسلطة قبل وبعد الوصول الى الحكم. وقد غابت المحاسبة والديمقراطية التى إقتصرت فى كثير من الأوقات الى مفهوم سائد من مفاهيم حركات التحرر الوطني "أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وأن يتم التركيز على الأعداء الخارجيين، وقد ترك ذلك مساحة للوحوش الداخلية لتنموا، مضافا اليه عدم ثقة قوى الريف فى مناضلى المدن الذين ينضمون الى نفس الحركات وعدم مساواة العضوية التى تناضل بوسائل غير الكفاح المسلح فى الحقوق والواجبات. أدت كل تلك الظواهر وغيرها الى تكلس وتجمد الكفاح المسلح فى الريف وانحصاره  فى إستخدام الوسائل الخشنة فى غياب تام لوسائل العمل الناعم مما أدى الى نتائج سالبة للكفاح المسلح نفسه، وساهم فى محاولات المركز لاحتواء نتائجه وبذر بذور الشك والريبة وسط  جمهور المدن تجاه الكفاح المسلح لاسيما أن التناقضات الإثنية والدينية أستخدمت بكفاءة من قبل المركز لإظهار الكفاح المسلح كعلامة تجارية تخص إثنيات بعينها، ولاتعنى الآخرين. بل حاول المركز إثارة الرعب والإنقسام الإثنى فى صفوف غير المنتمين الى الكفاح المسلح. وتجربة أمثالنا الذين خاضوا الكفاح المسلح والعمل السلمى - وفى حالتى لمدة "39" عاماً "-توصولوا الى صعوبة كسب معركة الكفاح المسلح فى بناء مجتمع جديد دون تنظيم جماهير المدن.

إن المصاعب والإشكاليات والأخطاء التى إرتكبتها معظم  حركات التحرر الوطنى التى إعتمدت على الكفاح المسلح فى بناء مجتمعات جديدة وديمقراطية لإحداث التنمية المستدامة، قد زرعت الشك عند المثقفين الثوريين بجدوى الكفاح المسلح نفسه. يضاف الى ذلك إن المتغيرات الإقليمية والدولية أثّرت سلبياً على الكفاح المسلح فى السودان وفى العالم.

فى غياب الديمقراطية الداخلية والمحاسبة الصارمة على الأخطاء التى أرتكبت فى حق الجماهير وحق التنظيم فى تجربة الحركة ولد آثاراً سلبيةً تحتاج الى إجتراح طرق جديدة فى معالجتها. إن كل ما ذكرناه آنفاً لا ينف أهمية الدور الحاسم الذى لعبه الكفاح المسلح لاسيما فى مواجهة نظام فاشى مثل النظام الحاكم فى الخرطوم  الذى  يقوم على العنف وإحتكاره. إن الحركة تحتاج أن تدرس بعمق الأثر السلبى للقبلية كأيدلوجيا والفساد وتأثيرهما على التجربة. سأتناول هذ القضية الهامة بشكل تفصيلى فى وقت آخر.

ولمجمل الأسباب التى أشرنا اليها آنفاً  فمن الواضح إننا فى مرحلة مختلفة تستدعى مراجعة تجربة الكفاح المسلح  ورد الإعتبار الى العمل السلمي الجماهيرى دون ان يعنى ذلك بالضرورة التخلى عن الكفاح المسلح. وعلينا الوصول لإستنتاجات سليمة لتصحيح الفهم الخاطئ بإن رؤية السودان الجديد لا يمكن تحقيقها إلا عبر الكفاح المسلح. إن الإنسداد الحالي فى أفق العمل المسلح فى تحقيق أهدافه الإستراتيجيه بتغيير مركز السلطة لا يمكن تجاوزه إلا بأن تتوصل قوى الكفاح المسلح الى إستنتاجات سليمة حول أهمية العمل السلمي الديمقراطي فى داخل المدن وتسعى بصورة حثيثة لإستنهاض جماهيرها داخل المدن.

التقليل من أهمية العمل السلمى الجماهيرى وتغليب العمل العسكرى  لم يساعدا الحركة الشعبية فى الإستفادة من الرصيد الكبير للوسائل الناعمة والعمل السلمى الجماهيرى، وكان بالإمكان دمج وتكامل وسائل العمل المسلح والعمل السلمى كجناحي طائر كما حدث فى  تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي وتجربة "شين ڤين" فى آيرلندا، وقيام حركة حقوق مدنية ديمقراطية فى المدن مثل ما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الستينيات من القرن الماضى. هذا الأمر جعل من سكان المدن قوة مهملة لا دور لها إلا فى الإحتفال بإنتصارات المعارك العسكرية للجيش الشعبى وأفقد الحركة وسيلة مهمة  للتحليق فى فضاء السياسة السودانية بصورة أكثر فاعلية بالنظر للرصيد الضخم الذى تتمتع به وسط سكان المدن.

أننا اليوم نحتاج فى الحد الأدني الى أدوات ووسائل متنوعة وأن نرد الإعتبار على أوسع نطاق للعمل السلمى الجماهيرى وللنضال الخالي من العنف ودوره فى تحقيق السودان الجديد. ومن اللافت للنظر ونحن نتحدث عن هذه القضية الإستراتيجية إن الإستقالة الثالثة لنائب رئيس الحركة الشعبية السابق  قد ذهبت عكس هذه الوجهة وصبت مزيد من الإستخفاف على العمل السلمي الجماهيري والقوى الناعمة واللاعنف فى مقارعة الأنظمة، وحصرت نفسها بشكل كامل فى قضية الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة. وحتى الكفاح المسلح نفسه يطرحه نائب الرئيس السابق بصورة غاية فى التقليدية، فالكفاح المسلح  يحتاج الى تحديث عملياتى ونوعى ليصبح أكثر تأثيراً على مركز السلطة.

يجب الإعتراف الذى يتبعه العمل أن وسائل الكفاح السلمى ذات أثر ايجابى فى مدى ديمقراطية مشروع السودان الجديد أكثر من العمل العسكرى، مع تأميننا التام إن العنف الذى أستخدمه مركز السلطة هو الذى ولد العنف المضاد فى الريف، وإن  الكفاح المسلح  كان رداً طبيعياً على عنف حكومات الخرطوم الذى لا يمكن مقارنته نوعاً وكمّاً بعنف حكومات المركز المعتدية، وإنه وسيلة من وسائل الدفاع عن وجود وثقافات الهامش  ورغبات أهله فى التحرر، وإن جماهير الريف دفعت ثمنا باهظا فى تصديها الباسل لعنف المركز.

رهـق المسافات الطـويلة والكـفاح المسلح ـ كلفة حروب الريف

آخذين الوضع الجغرافوسياسى (جيوبولتك) للسودان  وبُعد المركز الجغرافي عن الهامش وسياسة فرق تسد لأنظمة الخرطوم ومحدودية أفق القوميين فى حركات الهامش، فإن حركات الريف التى تقطع صلتها بنضالات المدن ولاتبنى حصونا قوية وسط العمل المدني والسلمي السياسي فيها، ترهقها حروب الريف الطويلة والتضحيات الممتدة لعقود لذلك تلجأ للإتفاق مع نفس حكومات المركزالتى قاتلتها لعقود، أو للإنفصال مثل حالة الجنوب،أو بإتفاقيات سلام تحافظ على الأمر الواقع وعلى النظام القديم ولا تؤدى الى التغيير مثل ما حدث مراراً.لقد تمرّس النظام الحالى فى إرهاق حركات الهامش وإستيعابها فى التركيبة القديمة، وإستخدام المهمشيين ضد بعضهم البعض إثنياً، وقد وقّع النظام الحالى أكثر من (٤٣) إتفاقاً عبر صيغة تقاسم الثروة والسلطة، وبالضرورة تقاسم النظام القديم. ولكيلا ترث الحركة النظام القديم أدخلت التحول الديمقراطي فى إتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥ للإنتقال الى نظام جديد وهى أكثر البنود التى عمل النظام على تفاديها الى درجة  تقسيمه للسودان ثمناً لبقائه فى الحكم. ومن خلال الإتفاقيات التى وقعت فيما عدا نيفاشا عمل النظام على الإبقاء على حركات الهامش كقوى هامشية فى داخل النظام.

فى "15" جولة من المفاوضات  خلال الستة أعوام الماضية ربطت الحركة فى السودان بين  إنهاء الحرب والوصول لإتفاق سلام شامل حتى تصل الى إنتقال ديمقراطى مع قوى سياسية أوسع وأن لا تنته على هامش النظام الحالى وهذا هو جوهر الصراع الذى دار بين نظام الخرطوم والحركة التى تمسكت بالربط بين قضايا المنطقتين وإجراء تغيير فى مركز السلطة وحل شامل يؤدى لإنتقال ديمقراطي، مع تمسك النظام فى حصرها فى المنطقتين بل  كل منطقة على حدة،  مع ضغوط هائلة من المجتمع الدولى ضد موقفها. ولا غرو إن الإنقلاب على قيادة الحركة  أصبح مصدر سعادة الخرطوم وبهجتها لأنه  سيؤدى فى خاتمة المطاف الى تقزيمها.

إن إستخدام القوى الناعمة وبناء حركة جماهيرية ديمقراطية سلمية فى المدن تربط عضوياً بين نضالات الريف والمدن وبين قضايا الخبز والتحرر والسلام العادل هى وحدها التى يمكن أن تحقق أهداف المهمشين فى سودان جديد وتنهى محاولات إلحاق حركات الهامش بالنظام القديم. هذه الحركة الديمقراطية هى التى بإمكانها وحدها توحيد الوجدان السياسى لجماهير المدن والريف لاسيما وإن الريف نفسه قد أصبح متواجدا بكثافة داخل المدن، وقد أضحى الربط العضوى لنضال الريف والمدينة شرط رئيسى لأنتصار الثورة السودانية والعبور الى ضفة السودان الجديد.

الكـفاح المسلـح وسلـبيات العـلاقة مـع الخـارج

تبذل حركات الكفاح المسلح مجهودا كبيراًفى الوصول لمعادلة قويمة للحفاظ على إستقلاليتها فى التعامل مع العالم الخارجي وايجاد موطئ  قدم إقليمي وعالمي لابد منه لمواصلة الكفاح المسلح فى ظل تناقضات إقليمية ودولية إزدادت إتساعاً على الدوام لاسيما بعد ظهور قطب عالمي وحيد ورحيل المعسكر الإشتراكي. وبعد أن أضحى الكفاح المسلح وحمل السلاح يختلط مع الإرهاب ضد المدنيين وإنتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب. مع ملاحظة إن حركات الكفاح المسلح فى إفريقيا تحمل هشاشة التكوينات الإجتماعية فى القارة،  والتأثير المستمر للحكومات فى محاولات اضعاف العلاقات الخارجية لحركات الكفاح المسلح. ولعل أحد أهم الأشكاليات التي واجهها الدكتور جون قرنق كانت بسبب إصراره على الحفاظ على موقفه المستقل.

تأثير العامل الخارجي على الكفاح المسلح يحتاج لمراجعة وتأمل للإستفادة من تجارب الأمس وتعزيز مواقعنا اليوم و المضى الى المستقبل.

الكفاح المسلح وبناء الكتلة التأريخيـة والتحالفـات

من واقع تجربتها الطويلة فى الكفاح المسلح وبدرجة أقل السلمي؛ راكمت الحركة الآن خبرات طويلة وإستوعبت كثير من التناقضات الكبيرة التى يحفل بها المجتمع السودانى وتأريخه والمخاوف العميقة المتبادلة بين حركات الهامش والقوى السياسية فى المركز، التقليدية والتقدمية منها. إستخدام المركز هذه التناقضات وتوظيفها بغرض وقف التغيير ومنع الوصول الى كتلة تاريخية بين قوى السودان الجديد. بالإضافة لذلك إرتكبت كافة هذ القوى المعنية بتشكيل التحالفات و الكلتة التاريخية  أخطاء بما فى ذلك الحركة باعدت بينها وبين إنجاز تلك المهام. وأدى الإختلاف فى الوسائل التى تستخدمها مكونات التحالفات السياسية، بجانب تأثير العمل المسلح  ومفارقات الجغرافيا والتأريخ الى إرتباك التحالفات وصعوبة تشكيل الكتلة التاريخية.

آخذين كل ذلك فى الإعتبار، علينا أن ندرس تحالفاتنا بين واقعية المصالح والأيدولوجيا والحاجة لعلاقات إستراتيجية وكيفية الربط بين ما هو تكتيكي وأستراتيجي والإستمرار فى تطوير هذه التحالفات وتفعيلها.  يشمل ذلك التحالفات الواسعة اللازمة لإسقاط النظام، وإدراك علاقتها الجدلية بالكلتة التاريخية التى تضم القوى المؤمنة بتحقيق السودان الجديد.

هذه القضية كانت واحدة من قضايا الخلاف الذى عصف بالحركة مؤخراً وقد كان موقفنا  فى هذا الجانب من الحركة إننا نحتاج للإنفتاح فى ثلاث جبهات. الجبهة الأولى أن نكون على إستعداد للإندماج والعمل فى تنظيم موحد مع كافة الراغبين فى بناء حركة تحرّر وطنية ديمقراطية جديدة، والجبهة الثانية أن نكون على إستعداد لبناء كتلة تاريخية مع كافة قوى السودان الجديد مع إحتفاظ كل طرف بتنظيمه المستقل، أما الجبهة الثالثة فهى التحالف الواسع الذى يضم القوى التقليدية ويشمل ذلك حتى الإسلاميين الراغبين فى  التغيير. وهذا تحالف هدفه الأساسى إسقاط النظام واحداث التغيير بالضربة القاضية او بالنقاط.

حادينا فى ذلك الإبتعاد عن المحاولات غير الممكنة لإقصاء القوى التقليدية لإدراكنا التام أن لهذه القوى مصلحة فى التغيير ووقف الحروب والسلام والتحول الديمقراطي وتحسين شروط الحياة لجماهيرها التى لاتزال تعانى من وطأة ونير النظام. وهذا كافٍ لقيام تحالف بيننا وبينها. فى كل ذلك علينا أن نتمتع بالوضوح السياسي الكامل حول طبيعة كل تحالف وقضاياه، وان نفرق بين المهام التى نطرحها فى كل جبهة من الجبهات الثلاث ونحسن الربط بين ما هو تكتيكي وإستراتيجي دون تفريط ودون مزايدة فى قضايانا الإستراتيجية.  كانت هذه القضايا نقاط خلاف جوهرية مع نائب الرئيس السابق الذى يخلط بين المهام المختلفة لهذه التحالفات ويعتقد أن بإمكانه عزل القوى التقليدية من عملية التغيير والتحالفات. إن هدفنا النهائي هو التحول الى كتلة تاريخية قابلة للإنتخاب والمنافسة ديمقراطياً، وأن لا نفكر مطلقاً للوصول الى السلطة بوسائل غير ديمقراطية.

التحالفات الإستراتيجية وبناء حـركة جديدة

حديثنا عن التحالفات الإستراتيجية ينطلق من محاولة تجديد الحياة السياسية السودانية فى عمومها والمساهمة فى تجديد حركة التقدم والإستنارة فى بلادنا على وجه الخصوص. ولهذا فإن التحالف الإستراتيجى لبناء حركة واحدة مع قوى السودان الجديد او بناء كتلة تاريخية بإعتماد صيغة تنظيمية تراعى الوجود التنظيمي المستقل لكل طرف فى تحالف ذي مهام طويلة المدى هما الخياران الذان نطرحهما فى عملية التجديد.

إن بناء الكتلة التاريخية مهمة أكثر تعقيداً من حاصل جمع التنظيمات الموجودة حسابياً وسنتطرق لذلك.

نحن الآن نجرى حوارات مع قوى يمكن أن تربطنا معها شراكة إستراتيجية؛ ومن الممكن ان نشكل معها تنظيماً واحداً او تحالفاً إستراتيجياً يحتفظ فيه كل طرف بهويته التنظيمية كما هو الحال فى جنوب إفريقيا. هذه القضية تحتاج الى نقاش واف مع القوى التى ترغب الحركة التوصل معها لتنظيم واحد او تحالف أستراتيجي بقيادة موحدة لحكم السودان ببرنامج  جديد.

التحالف الإستراتيجي الذى ندعوا له هو الذى سينهى إنسداد الأفق السياسى لحركات الهامش ويساهم فى نقل رؤية السودان الجديد الى مرحلة أخرى وبناء منظمة عضوية او مظلة فى عملية تمتد فى الريف والمدن.

الإنتقـال السلـس من الكـفاح المسلـح الى السلمى

يبقى الكفاح المسلح مهما طال وقته مرحلة مؤقتة وآلية ذات هدف ووقت معلوم تابعة للمنظمة السياسية المعنية، فحتى الحركات التى وصلت الى السلطة عن طريقه تحولت أجنحتها العسكرية الى جيوش نظامية، وإن احتفظت بطبيعتها الثورية.لا يعنى هذا الإستسلام والخنوع بل الوضوح حول مهام وطبيعة الكفاح المسلح، فالكفاح المسلح ليس آلهة لتعبد، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية بعينها.

إن الكفاح المسلح فى مناطق الهامش يجب أن لا يعن بشكل من الأشكال تبديل الضحايا بضحايا جدد على أساس أثنى، وألا يسعى لإنهاء شكل من أشكال الأستغلال وإستبداله باشكال اخرى. إن هدف الكفاح المسلح هو الوصول  لمساومة تاريخية لبناء مشروع وطنى مغاير يجد الإجماع الكافى.

لذلك متى ما توفرت وسائل أقل كلفة لتحقيق نفس الأهداف يجب أن نضعها فى الإعتبار. علينا أن نتذكر أن الكفاح المسلح فرضه عنف الدولة وتمت مواجهته بعنف مضاد حتى إن لم  يكن مساوياً له. حاليا  تشهد بلادنا و العالم تحولات كبيرة، على قوى الكفاح المسلح أن تضعها فى الإعتبار، ولعل تجربة حركة "الفارك" فى دولة كولومبيا وإبرامها لإتفاق سلام فى "هافانا"مؤخرا والذى انهى حرباً إستمرت لأكثر من خمسين عاما جديرة بالتأمل من زاوية المتغيرات الداخلية والإقليمية والعالمية.

قاد الكفاح المسلح المجموعات المسلحة لنتائج مختلفة وصل بعضها عن طريقه للسلطة كما هو الحال فى إثيوبيا وارتريا، ووصل بعضها لإتفاقيات سلام كما هو حال المؤتمر الوطني الإفريقي والحركة الشعبية فى ٢٠٠٥، ومنها ما إنتهى الى فشل تام مثل حالة "نمور التأميل" فى سيرلانكا.

من المعلوم أن العمل المسلح الحالي فى بلادنا يستمد أهمية خاصة من طبيعة نظام الإنقاذ الفاشى الذى يحتكر أدوات العنف. ومع إدراكنا لأهمية الكفاح المسلح  والدور الذى لعبه ومازال يلعبه والظروف الموضوعية التى قادت اليه لاسيما دوره الرئيسى فى وضع قضيتنا فى الأجندة السياسية الوطنية والإقليمية والدولية، لكن علينا أن ندرك أن القوة الحقيقية للحركة تكمن فى العمل السياسي ومخزون النضال الجماهيرى السلمي. وبما أن توازن القوى الحالي لا يمكّننا من تغيير المركز بالكفاح المسلح وحسم المعركة عسكرياً مثل ما حدث فى إثيوبيا وارتريا فإن ذلك يستدعى تفعيل النضال الجماهيري السلمي للوصول للتغيير الذى ننشده.

إن أحد أهداف الكفاح المسلح هى نقلنا الى رصيدنا الأكبر وهو النضال الجماهيري السلمي بترتيبات أمنية تضمن تحقيق هذا الهدف. ولذلك تظل قضية إنتقال حركتنا  من الكفاح المسلح الى النضال السلمي الثوري الذى يرمى للتغيير الجذري فى المركز؛ وكيف نزاوج بين الوسيلتين فى فترات ما قبل الإنتقال وبعده قائمة. لمخاطبة هذه القضية يتوجب علينا طرح أسئلة على شاكلة: هل بإمكان الحركة تكوين حزب سياسى سلمي فى المدن والريف قبل إنهاء الكفاح المسلح؛ مثل ما حدث فى آيرلندا الشمالية وجنوب إفريقيا وتجربة الأكراد فى تركيا؟ هذه قضية فى غاية الاهمية تحتاج الى حوار عقلانى يأخذ كل الأبعاد فى الإعتبار لكى نصل الى قرار صائب حولها.

لا شك إننا نحتاج لتفجير وتوظيف الطاقات الكامنة فى النضال السلمي الجماهيري  ووسائل اللاعنف وجذب ملايين المهمشين والفقراء وعلى رأسهم النساء والشباب  للنضال من أجل تحسين شروط الحياة والمعيشة ومن أجل الحقوق الطبيعية والمدنية وبناء دولة المواطنة بلا تمييز، حتى لا نعود الى المربع الأول مثل ما حدث فى إكتوبر ١٩٦٤ وابريل ١٩٨٥ فمجرد قيام إنتفاضة - رغم أهميته- اليوم غير كاف لإحداث التغيير الجذرى.

ما نسعى له هو إستخدام رصيدنا من الوسائل الأخرى حتى لا ينتهى الكفاح المسلح نفسه الى شكل من أشكال الإستسلام و المساومة والإندماج فى النظام القديم بدلاً من إحداث التغيير. نخطط لذلك آخذين المتغيرات الواسعة فى المدن  والريف السوداني اليوم،  فهنالك تحول ديموغرافى وطبقى إجتماعى وثقافى كما نعلم أيضاً أن الإنتقال الى العمل السلمي عملية مستمرة لا تنتظر وقف الحرب وتحتاج الى إبتداع اشكال جديدة من النضال. نعلم أيضاً إن المتغيرات الإقليمية والعالمية ذات أثر بالغ على الكفاح المسلح ويمكن القول بإطمئنان إن الكفاح المسلح على مستوى العالم يمر بمرحلة جديدة  تستدعى إعمال الفكر. كما أن الإستناد الى قوة الجماهير بضاعة لا تنفد ودائمة الصلاحية.

حـق تقـرير المصـير ورؤية السـودان الجــديـد

إرتبط حق تقرير المصير بالنضال ضد الإستعمار بكافة أشكاله. ولحق تقرير المصير أشكال ومضامين متعددة بما فى ذلك الحكم الذاتي كأحد أشكال حق أشكال حق تقرير المصير الداخلي. تكمن قيمة الحركة الحقيقية فى أنها لم تمض فى طريق حركة الأنانيا الأولي (١٩٥٥ -١٩٧٢) فى جنوب السودان التى كانت أول من رفع شعار حق تقرير المصير فى الستينات من القرن الماضى.

منذ بدايتها إتخذت الحركة الشعبية مساراً مغايراً غير مطروق وأعلنت عن عزمها لتوحيد السودان على أسس جديدة مما جعل طرحها متميزاً وجاذباً. لم تتوقف عند مظالم الماضي بل طرحت أجندة مشتركة لمستقبل المضطهدين فى كل السودان، ومن كافة القوميات، وهذا هو ما أعطاها مكانتها المتفردة. اتسق ذلك مع طبيعة الحركة كحركة تقف مع وحدة إفريقيا التى قسمها الإستعمار. ولكن مفارقات التاريخ والجغرافيا والسياسة ومركز السلطة فى الخرطوم تعارضا مع هذه الأجندة الجديدة؛ وترافق ذلك لاحقاً مع المتغيرات الإقليمية والدولية فى تسعينات القرن الماضى. كل ذلك ، مع اسباب أخرى جعل "مجموعة الناصر" بقيادة الدكتور "رياك مشار" ترفع شعار حق تقرير المصير  لجنوب السودان  فى أغسطس ١٩٩١ منهيةً تسع سنوات من العمل المثابر للحركة فى الدعوة لوحدة السودان دون خلطها  مع هدف آخر مثل حق تقرير المصير.

اثبتت التجربة إن شوفينيّ المركز وقوميّى الهامش رغم  تقاطع اجندتهم ظاهرياً -سرعان ما يلتقون؛ وبالفعل توصل نظام الخرطوم  لإتفاق، وللمفارقة ليس مع دعاة وحدة السودان  بل  مثل مفارقات سياسية كثيرة فى تاريخ السودان وأنظمة حكمه  مع مجموعة الناصر التى تطالب بالإنفصال ولكنها لا تحارب من أجله. فالذى جمع "مجموعة الناصر" والخرطوم هو العداء لفكرة السودان الجديد الموحد الديمقراطي العلمانى.

إحتل القوميون الجنوبيون دائما مكانة بارزة فى صفوف الحركة الشعبية ولذا فإن طرح مجموعة الناصر يدغدغ أحلامهم واشواقهم الدفينة فهم لم يقتنعوا فى يوم من الايام بجدوى النضال من أجل وحدة السودان حتى وإن كانت على أسس جديدة. هنا أصبح قرنق فى مفترق الطرق بين رؤيته وحلمه بالسودان الجديد الموحد وبين الضرورة العملية التى تقتضى الحفاظ على القوميين الجنوبيين الذين يشكلون عظم الظهر بالنسبة للحركة ،لاسيما إن الشمال لم يتجاوب مع رؤيته فى الزمان والمكان المناسبين. ولمعالجة ذلك التناقض إستخدم قرنق مقدراته وسحره وذكائه المعهود وحاول المستحيل للجمع بين رؤية السودان الجديد والحفاظ على القوميين الجنوبيين بتضمين حق تقرير المصير والمصالحة بين جوهر رؤيته القائمة على الوحدة وبين حق تقرير المصير حتى لا تهتز الارض تحت أقدامه فى أى من الإتجاهات. لقد كانت تلك مهمة صعبة ومرهقة. أيضاً كان قرنق يأمل فى التحاق قوى إجتماعية جديدة من الشمال بالحركة لترجيح كفته، وقد كاد أن يصل الى ذلك بعد عدوان النظام على دارفور وإنطلاق الكفاح المسلح فيها ووصول جيشه وحلفائه الى شواطى البحر الأحمر فى شرق السودان،  ورسوخ أقدامه فى جبال النوبة والنيل الأزرق. وحينما حط برحاله فى الساحة الخضراء تأكد له أنه كان يرى بعيني زرقاء اليمامة، ولكن بعض الأشراركانوا له بالمرصاد.

حاول قرنق  أن يمنع إنضمام القوميين الجنوبيين لمجموعة الناصر، و أن يوظف حق تقرير المصير لدعم رؤيته، ودارت فى تلك الفترة مناقشات ثرّة وطويلة كان من حسن حظى  المشاركة فيها.

وبينما كان الكثير من القوى الداخلية والخارجية  يسبح فى الإتجاه المعاكس لوحدة السودان عمل قرنق على الدفع بأجندة جديدة على الرغم من التعقيدات واستطاع المصالحة بين المتناقضات دون أن يفقد وجهته الرئيسية صوب السودان الجديد.  و كان يدرك  إن دعوته لوحدة السودان تمثل  أهم مساهماته سودانياً وافريقياً، وأن تحقيق الوحدة فى التنوع هى أصعب المعضلات التى تواجه السودان وإفريقيا، وبإمتلاكه للإجابة على سؤال الوحدة فى التنوع برز كواحد من أهم المفكرين والمثقفين الأفارقة.

عاشت الحركة بعد أحداث اغسطس ١٩٩١ إزدواجية الشعار والأهداف.  فقضية الوحدة أمر جوهرى فى فكر السودان الجديد والسعى لفصل جنوب السودان  يهدم الرؤية نفسها، مع العلم أن حكومة الخرطوم كانت تغذى وتدفع تجاه الإنفصال للحفاظ على السلطة فى المركز و تدعم كل ما من شأنه أن يعزز رغبة القوميين الجنوبيين فى ترك رؤية السودان الجديد والتركيز على فصل الجنوب. إن الإلتفاف على رؤية السودان الجديد يمثل أكبر نجاح حققه نظام الخرطوم منذ الإستقلال، وهو درس لحركات الهامش حول المهارات الانتهازية للمركز وتشبثه بمصالحه، وقد حرم السودانيين من الحفاظ على وحدة بلادهم على أسس جديدة. لكن المعركة لم تنته بعد وإنتصار المركز قصير الأجل.

بعد إغتيال قرنق عمل نظام الخرطوم فى إتجاهين، اولهما تمزيق الحركة الشعبية إن أمكن، وثانيهما القبول بفصل الجنوب حفاظاً على سلطته. وبعد أن فشل فى تمزيق الحركة دفع فى إتجاه فصل الجنوب. واليوم، فإن الحركة فى السودان  مع الفارق التأريخى والعملى بين الجنوب والمنطقتين وإختلاف المناخ الإقليمي والعالمي تواجه معضلة كيفية التعامل مع القوميين فى المنطقتين.

فالسؤال الذى تواجهه الحركة الآن هو هل تتمسك برؤية السودان الجديد، أم تطالب بحق تقرير المصير لإرضاء القوميين فى المنطقتين؟ ومن اللافت للنظر تجربة الأب فيلب عباس غبوش الجريئة فى المنافسة و الفوز بدائرة إنتخابية فى قلب الخرطوم، وتجربة الحركة الكبيرة بعده فلماذا التراجع الآن، مع علمنا أن التكوين الإثنى والجغرافي  والتأريخى للمنطقتين وإمتداد سكانهما الى المناطق الأخرى لاسيما الوجود الواسع للنوبة فى كافة أنحاء السودان فالنوبة مثل الآيرلنديين، الذين يتواجدوا خارج ايرلندا أكثر من الذين يعيشون داخل أراضيها، فامتداد النوبة عميق فى أنحاء السودان، وقد شاركوا تأريخياً فى الدفاع عن وحدة السودان  ضد الغزاة والمستعمرين. كما أن سكان النيل الأزرق كانوا مركزا هاماً من مراكز السلطة فى السودان وحكموا لأكثر من ثلاثة قرون (١٥٠٥-١٨٢١). فسكان المنطقتين ساهموا بفاعلية فى تشكيل الكثير من الحقب التأريخية و وجودهم قديم قدم النيل العظيم نفسه.

يضاف الى ذلك عدم وجود حدود جغرافية مشتركة بين المنطقتين  كما إن السكان الأصليين فى النيل الأزرق ما عادوا يشكلون أغلبية فى اى إستفتاء من أجل حق تقرير المصير. كذلك إن أى إستفتاء على  حق تقرير المصير يؤدى الى إستقطاب إثنى غير مسبوق بين مكونات المنطقتين بشكل لم يكن موجوداً فى جنوب السودان، فهنالك قبائل عربية فى المنطقتين خلافاً لحالة الجنوب . ولكل هذه الأسباب فإن المطالبة بحق تقرير المصير تضر بسكان المنطقتين فى المقام الأول. نقطة أخرى هامة يجب الإشارة لها وهى إن تكوين الحركة الحالى وعضويتها لا تنحصر فى المنطقتين.

إن المطالبة بحق تقرير المصير للمنطقتين يغير طبيعة  الحرب، مع العلم أن اهم قضايا الحرب الأستراتيجية هى تحديد الهدف منها بأقصى درجات الوضوح وأن يكون ممكن التحقيق مع التمسك به على نحو إستراتيجى. لذلك  فعدم التحديد للأهداف بواقعية سيؤدى الى إطالة أمد الحرب وإرهاق سكان المنطقتين، ومع مناخ إقليمى ودولى غير موات سيؤدى الى إنسداد أفق الحرب وصعوبة الوصول الى حلول مناسبة فى وقت مناسب ويقود  فى خاتمة المطاف الى تقسيم المحاربين أنفسهم فى وجه نظام فاشى مثل نظام الخرطوم.  كل ذلك يعزل قضيتهم من المحيط السياسي الوطني والإقليمي ويؤدى لإنفراد النظام بهم كقوة مناطقية إثنية معزولة من السند الوطني.

إن  طرح قضية تقرير المصير وهى قضية إستراتيجية بعد ست سنوات من الحرب أربك الخط السياسي الإستراتيجي للحركة وأدخل من طرحوه فى مازق تفاوضي، ولأننا نعلم بخطورة مثل هذه القضية  فقد أقترحنا  مرات عديدة جمع القيادة السياسية والعسكرية والمدنية لحسمها واتخاذ قرار ديمقراطى يحافظ على وحدة الحركة.  إن قضية تقرير المصير بطبيعتها قضية إستراتيجية ولايمكن ان تكون تكتيكية سواء أن تم ذلك فى مؤتمر أو حدده شخص بطريقة مزاجية.

مايجرى الآن فى النيل الأزرق هو نتاج اولي ومباشر لدعوة تقرير المصير التى قسمت الحركة وستقسم جميع سكان المنطقتين لاحقاً وتعطى نصرا مجانيا لنظام الخرطوم، ولذا فإن التمسك بطرح رؤية السودان الجديد كخيار وحيد هو أحد شروط بقاء الحركة الشعبية موحدة.

أن حق تقرير المصير لا يمثل أعلى نقاط مشروع السودان الجديد إن كان اصلا له صلة برؤية السودان الجديد،  بل هو برنامج متراجع عنه، فتلك الرؤية لن تتحقق إلا بتغيير المركز.  ولكن من واقع التجارب يمكن القول إن  المصاعب التى واجهت حركات الهامش فى هزيمة المركز وغياب الكتلة التاريخية التى يمكن أن تتحالف معها، وتعالى وعجرفة النخب الحاكمة فى المركز، تسببت فى لجوء حركات الهامش الى طرح حق تقرير المصير كمخرج من قضية التهميش.

علينا الحذر عند التعامل مع قضية حق تقرير المصير حتى لا تكون آلية لإنتاج المجتمعات القديمة فالعبرة بالوصول لمجتمع جديد يتسق مع قيم ومفاهيم وأساسيات رؤية السودان الجديد وعلينا ان لا نركز على الشكل بل على المحتوى فى هذه القضية.

الإضطهاد القـومى والإسـتغلال الطبـقى:الإبصار بعيـنيـن

بعد مضى أكثر من ثلاثة عقود  على طرح رؤية السودان الجديد وتجربتها فى الكفاح المسلح إتضح جلياً أن التركيز على قضايا الإثنية والثقافة وإشكالات الهوية  وقضايا الإضطهاد القومي أمر فى غاية الأهمية لبناء حركة جماهيرية لكنه غير كاف للوصول الى مجتمع جديد.

إن الاستغلال الإقتصادي، الإجتماعي و السياسي وإلغاء كافة اشكاله  تمثل الوجه الآخر والهام لعملية التحرر الوطني، وأنه من المستحيل إنهاء الإضطهاد القومي دون حل قضية العدالة الإجتماعية. وهذا هو الطريق الذى يصنع المواطنة المتساوية الحقيقية، وأن تغيير وجوه الحاكمين الإثنية غير كافية لإحداث تغيير فعلى وجذرى. فتركيبة القوى الحاكمة سواء ان أطلقنا عليها "الجلابة" او أخترنا لها إسماً آخر معقدة إجتماعيا وطبقيا وإثنياً، ويظل الهدف النهائى لمشروع السودان الجديد هو إلغاء كافة اشكال الإستغلال بما فى ذلك النوع وتحرير النساء. إن الربط بين قضية العدالة الإجتماعية والإضطهاد القومى يشكل حجر الزاوية فى بناء مجتمع ديمقراطي جديد، وهذه القضية على نحو التحديد لم تجد الإهتمام الكافى فى تجربة الحركة على الرغم من أن مفكر ومؤسس الحركة  ينتمى للمدرسة التى تأخذ قضايا الإضطهاد القومي والثقافي والإقتصادي والسياسي والاجتماعي وجذوره التاريخية  كحزمة واحدة فى إرساء أركان مشروعه، ولكن ظلت قواعد الحركة أسيرة لقضايا الإضطهاد القومي وجانبه الثقافي وإشكاليات الهوية كمحرك رئيسى  يشكل وعيها  بعمق.

لم يجد الوجه الآخر للإضطهاد والإستغلال  وجوانبه الإقتصادية الإجتماعية كمكون رئيسى  للإضطهاد القومى وللتهميش الثقافى حظه من الإهتمام  والدراسة فى أطروحات الحركة بما فى ذلك قضايا هامة كقضية الأرض. على سبيل المثال، إن الجوانب الإقتصادية الأجتماعية الطبقية، لاتزال هي لب الإضطهاد القومي فى جنوب إفريقيا رغم زوال النظام العنصري وتشكل مجرى الصراع الرئيسى هناك.

مركز السلطة لا لون له، ولكن الأفراد والمجموعات الحاكمة فى المركز لهم لون وهم لا يتورعون من أستخدام العنف ضد اى محاولة  للتغيير  سواء أن قام بها شباب إنتفاضة سبتمبر ٢٠١٣، فى شوارع مدن المركز أو  قوى الكفاح المسلح فى الريف. فمحاولة تغيير المركز لا تقابل  بالورود فى اى منطقة من مناطق السودان، بل إن المركز يجيش المهمشين أنفسهم للدفاع عن سلطته وضد بعضهم البعض.

التهمـيش كحـزمة مـتكاملـة

فى السنوات الأخيرة أفتعلت معركة فى غير معترك حول مفهوم المركز والهامش والتحليل الطبقى والتحليل الثقافى. من المعلوم إن نظرية المركز والهامش نفسها هى من انتاج مثقفين من قلب مدارس اليسار الجذرى، وهؤلاء لا يغفلون التحليل الطبقى فى نظرتهم للمركز والهامش العالمى؛على رأسهم "اندريه غندرفرانك وسمير أمين" وهم رواد  مفهوم المركز والهامش فى علم الإقتصاد السياسى. كما إن كل من "بول سويزى" و "وبول باران" و " مورس دوب" تناولوا جوانب مهمة فى دراستهم للإحتكارات وأزمة الرأسمالية ، و جميعهم قدموا إسهامات جليلة فى هذا المجال.  أخذ المفهوم عنهم آخرون وطبقوه على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية، بعض هؤلاء لم يشر مطلقاً بأنهم أخذوا من مفكرين آخرين! أما  الذين تناولوا هذه المفاهيم فى السودان فقد إستندوا فى بعض الجوانب فى التاريخ والإقتصاد على إنتاج كثير من المثقفين  من قلب حركة اليسارالسودانى أيضاً. ولذلك فإثارة هذه القضية بالشكل الذى طرحت به هى إفتعال لصراع لا أساس له فى قضية فكرية مصادرها معلومة وروادها من المفكرين معلومين. ويمكن للمدارس الفكرية المختلفة ان تأخذ من بعضها البعض وتغتنى وتثرى بعضها الآخر، هذا من ناحية نظرية. أما عملياً وحينما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الحركة الشعبية وحركة الطلاب المستقلين والمؤتمر السوداني،  فنقول بشكل قاطع  أن هذه القوى جميعها من قوى السودان الجديد، وينتميان لنفس الكتلة التاريخية المناط بها التغيير، والعلاقات بينهما إستراتيجية والتباين إن وجد؛ فبالضرورة لن يؤثر على ما هو إستراتيجى.

ونذكر إن مؤسس الحركة دكتور قرنق ينتمى الى مدرسة تتعامل مع التهميش الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والسياسي ومنظوره التاريخي كحزمة واحدة متكاملة الاسباب وتؤمن بأن تهميش النساء هو الأعمق. الحركة الشعبية هى رائدة قضايا الهوية والمواطنة المتساوية ومن المفيد لفكرها ولمستقبلها السياسي ولمستقبل بناء الكتلة التاريخية ان تتلاقح وتعطى وتأخذ  من كل تيارات السودان الجديد. علينا إدارة نقاش عقلانى وموضوعى بعيداً عن محاولات تقسيم قوى السودان الجديد بدعوى إمتلاك الحقيقة المطلقة من أىٍ طرف.

هـل الهامش والمـركز كـتلة صماء؟

من القضايا التى أضرت بنضال الهامش ضد قهر المركز هى نظرة عدد كبير من المناضلين الى المركز والهامش ككتلة صماء. وهم بذلك يتوقفون عند سطح الظواهر ولا يلامسون عمقها. فالمركز يمور بقوى إجتماعية وإقتصادية وثقافية متعددة المشارب على مستوى الحاكمين والمحكومين. فالمحكومين  ينتمون الى قوى إجتماعية وإقتصادية تعانى بمستويات متفاوتة من قهر المركز. فالمركز الجغرافى يضم قوى مهمشة عريضة غاضبة من سياساته وتقاومها، على مستوى الوعى السياسي  يتباين إدراكها  ومقاومتها لسياساته، ومن الخطأ المساواة بين المستغِلين والمستغَلين. إذ لابد من التمييز بين حكام المركز وفقرائه، وبين شهداء إنتفاضة سبتمبر من بنات وأبناء المركز الجغرافي، وبين جلاوزة "الأحجار الكريمة" من الأمن الذين ينتمون الى نفس الرقعة الجغرافية. عدم التمييز بين القوى الإجتماعية والسياسية فى المركز يؤدى الى أخطاء إستراتيجية وتكتيكية فى معرفة من هم أعداء الهامش ومن هم أصدقائه. كذلك الهامش ليس كتلة صماء، فكم من المنتمين للهامش خدموا المركز السياسي والحقوا الضرر بالهامش، وكم من المتنفذين فى المركز السياسي ينتمون الى الهامش الجغرافي. والهامش نفسه يضم قوى إجتماعية وبروقراطية إدارية وسياسية مصالحها مع المركز، ويضم قوى مهمشة تقاتل لمصلحة المركز ضد الهامش نفسه، ولدى بعضها مفاهيم ثقافية وعنصرية ضد بعضها الآخر.

إن مستقبل نضال الهامش يحتاج للتدقيق النظري والعملي حول المصالح الإجتماعية والإقتصادية والسياسية  لمكونات كل من المركز والهامش حتى لا نأخذهما ككتل صماء مما يخدم المركز. ومن المهم الإنتباه إن مدن اليوم فى غالبها من المهمشين. إن التهميش يأخذ اشكالاً عديدة منها ما هو إثنى وطبقى وثقافى بجانب تهميش النساء. لذلك فإن إدراك وفهم وتبيّن كافة أشكال التهميش مهم فى معركة التحرير.

خصـوصيات مناطـق الهامـش وعـلاقتها بالمـركز

لمناطق الهامش قضايا خاصة بها، أهمها الأرض والمواطنة المتساوية، والعلاقة مع مركز السلطة، والحاجة لإعادة هيكلة المركز لمصلحة اقاليم السودان المختلفة، وان تحكم الأقاليم نفسها بنفسها، وضرورة إيجاد ترتيبات أمنية جديدة مستدامة لمصلحة الجميع، إضافة لقضايا التنمية المتوازنة والتوزيع العادل للثروة. كل هذه القضايا لن تحل إلا فى إطار قيام مركز جديد بعد إعادة هيكلته، ملك لكل المساهمين فى الشراكة الوطنية.

سعت الإتجاهات القومية الضيقة لتغليب الخصوصيات دون النظرة الى دور المركز وأهمية إعادة هيكلته لأنصاف المناطق المهمشة. يجب أن لا ننسى أن كل القوانيين التى تحكم الهامش تتم صياغتها فى المركز بما فى ذلك القوانيين المتعلقة بالأرض والمواطنة والتنمية. لا ندعوا للسير فى إتجاه معاكس لقومييّ المناطق المهمشة لأننا ندرك أهمية الخصوصيات التى تميز الهامش بما فى ذلك التأريخية منها، ولكن لا نرى أى حلول حقيقية لها دون تغيير سياسات وإعادة هيكلة مركز السلطة. وفي هذا الصدد من الضروري ان نقول ان قضية الأودك في النيل الأزرق وهي مهمة للحركة يمكن ان تحل في اطار ترتيبات خاصة في داخل اقليم النيل الأزرق نفسه وفي داخل السودان، وإن الحزام الذي يربط بين الجنوب والشمال من ام دافوق وحتي النيل الأزرق يصلح لإقامة شراكة إستراتيجة إيجابية بين دولتي السودان، ولاسيما المنطقتين اللتان قاتل سكانهما من السودان مع اهل جنوب السودان.

تجـارة الـرق، العنصرية، البناء الـوطنى وكتابة التأريـخ

منذ إنطلاقها  إستندت رؤية السودان الجديد على المنظور التاريخي فى الدعوة لوحدة السودان، لأن السودان جزء من حضارات وادي النيل القديمة.ان الشخصية السودانية هى نتاج لمسيرة تاريخية طويلة مرتبطة بالمدنيات  وأنظمة الحكم ونشأة العلوم والحضارة الإنسانية على ضفاف وادي النيل التى بناها الإنسان الإفريقي الاسود منذ آلاف السنين قبل الميلاد. تلاقحت أيضا حضارات وادى النيل القديمة  مع الديانة المسيحية التى دخلت السودان الحالى بعد ثمان وثلاثين عاما من ظهورها، حيث قامت ممالك مسيحية على ضفاف النيل وازدهرت لأكثر من الف عام، وكانت العذراء تزين جدران كنائسها كإمرأة سوداء.

تبع ذلك  إنتشار الإسلام على مدى أكثر من تسعة قرون من التبشير منذ اتفاقية البقط فى ٦٤١ م . فى مطلع القرن السادس عشر (١٥٠٥ م) قامت اول سلطنة بملامح إسلام سوداني بعد تحالف عمارة دنقس وعبد الله جماع. وسميت تلك السلطنة بالسلطنة الزرقاء على لون سكانها.

هذه  المسيرة التأريخية الطويلة منذ "كرمة ونبتة" مروراً بالسلطنة الزرقاء وممالك وسلطنات دارفور وكردفان والبجا وأنظمة الحكم المختلفة فى جنوب السودان وغيرها من أشكال نظم الحكم المحلية التى شملت كل السودان وجواره الحالى  شكّلت التنوع التاريخي  لبلادنا وإنسانها.

فى دراسته لتأريخ السودان تأثر مؤسس الحركة بنتائج البحوث التى أجراها الكثير من العلماء حول حضارات وادى النيل، وعلى رأسهم المفكر والمؤرخ السنغالى الكبير الشيخ " أنتا ديوب" الذى إعتبر البعض رسالته للدكتوراة حول حضارات وادى النيل السوداء بمثابة إنجيل التاريخ الأفريقيى. فتح الإطلاع على نتائج تلك الدراسات والبحوث نقاشا طويلا داخل صفوف الحركة حول رؤية السودان الجديد من منظور تاريخى. فالتأريخ هو أحد أهم مكونات الدعوة لوحدة السودان كما أن الإلمام بالتاريخ مهم من أجل المصالحة الداخلية بين الشعوب السودانية، والمصالحة عالميا مع الحضارات الإنسانية الأخرى.

لقد كان الإنسان الأسود فاعلاً وحاضراً فى مسيرة التاريخ العالمى، وهذا  مهم لمواجهة النظرة الدونية  للسود فى العالم. هذا ماذكره أيضا الشيخ "أنتا ديوب" فى كتاباته. ولذلك فالدفاع عن التنوع التاريخى للسودان هو الذى  يسند وحدته، وكما أشرت فى كتابات سابقة: "فإن الأنتقاص من تاريخ السودان هو الذى إنتقص من وحدته". فالذين يريدون ان يوحدوا السودان عليهم أن يتصالحوا مع تنوعه التاريخى حتى يتصالحوا مع تنوعه المعاصر.

لن تكتمل اى عملية مصالحة وطنية حقيقة إلا بقراءة موضوعية لتأريخ السودان لاسيما فترة تجارة الرق والأثار والجراحات العميقة التى خلفتها فى قضايا البناء الوطنى ووحدة السودانيين ونظرتهم لبعضهم البعض. دراسة تلك الفترة والكشف عن ما جرى فيها والإنتقاد الواضح والشفاف للمارسات التى حفلت بها ومخلفاتها اللاحقة  ومكافحة العنصرية الحالية التى تمخضت عنها، وأصبحت تشكل أحد المكونات الثقافية  والمرارات التى تعوق البناء الوطنى أمرا هاما لمستقبل التعايش بين السودانيين.

لن يتم كل ذلك إلا ببناء دولة مواطنة متساوية وأن تتخذ الدولة سياسات واضحة لمكافحتها من خلال التربية والمناهج التعليمية وإرثاء ثقافة مجتمعية متكاملة واصدار التشريعات الصارمة لمكافحتها . يجب أن لا نعتقد أن بإمكاننا تجاوز مرارات تلك الفترة بمحاولة إغفالها و السماح لها بضرب النضال المشترك للسودانيين من أجل مستقبل أفضل. كما يجب أن لاتتسب فترة تجارة الرق والعنصرية التى خلفتها فى تقسيم قوى التغيير وتعطل عملية توحيدها فى معركتها لبناء مجتمع جديد معافى.

إن أجندة المستقبل يجب ان تبنى على الحقائق دون تزويغ او تزويد. لقد عبّر الشهيد "جوزيف قرنق أوكيل"  من قبل فى إطار حديثه عن فترة تجارة الرق وعن "هوبكنز" ودور الإستعمار والكولونياليه فيه التى وفرت الاسواق لترويجها، وضرورة الإستفادة من دروس تلك الفترة لمواجهة قضايا اليوم دون أن نظن أن الخصوم الداخليين أشد وطأة من الخارجيين، وتأكيده على ضرورة إنهاء الإستغلال الداخلى ومواجهة الإستغلال الخارجى، مشبهاً الذى يهرب من إستغلال الجلابة لإستغلال الرأسمالية العالمية كمن يهرب من بيت المرفعين الى بيت الاسد!

لذلك علينا أن نواجه ماضينا بجرأة  لنصنع ما هو أفضل بمستقبلنا، فتأريخ السودان يحتاج الى إعادة قراءة وكتابة مبنيّة على الحقائق، وبأيدينا دون وجل؛ وفى تكامل وشمول وفى إعتراف تام بمساهمات كافة أقوام السودان.

هنالك مساهمات عديدة فى هذا الخصوص من السودانيين،  ومن بعض الأجانب المهتمين كانت الحقيقة مقصدها فى تتبع دروب التاريخ الشائكة والمؤلمة فى كثير من الأوقات. لذلك نحن نحتاج فى توجهنا نحو المستقبل ان نربط أنفسنا بمراسي تأريخنا، فالسفن التى لا تربط فى المراسى بحبال متينة يجرفها التيار بعيداً. فالنربط أنفسنا بحبال تاريخنا. فليس بإمكاننا تبيّن دروب المستقبل قبل أن نجاوب على أسئلة من شاكلة : من نحن ومن أين جئنا، والى أين نود الذهاب؟ فحاضرنا ومستقبلنا سيأخذ من ملامح ماضينا.

الصـوفية التسامـح والتعـايش-المسيحية والديانات الإفـريقـية

شكّلت الصوفية ملامح الإسلام السوداني بطابعها المتسامح والقادر علي التعايش مع الديانات الاخري، ونشرته بالموعظة الحسنة والحكمة والرايات المطرزة بالنذور على مدى تسعة قرون، وتفاعلت مع الثقافات الإفريقية وأخذت منها أيقاعاتها وتبنت بعض وظائفها الاجتماعية والتى تفاعل معها  شيوخ الطرق الصوفية. ورغم ما علق بالتصوف وبعض المتصوفة من شوائب إرتباطهم بالحكومات الشمولية، لكنها تظل ترياق ضد الإسلام السياسى والسلفية الحربية. فالطرق الصوفية راسخة الجذور فى مجتمعنا، وفى حملات بناء الحركة بعد إتفاقية السلام نشأ ود ومحبة بين شيوخها وبين الحركة، وانضم بعضهم الى الحركة. لقد قامت الصوفية على التسامح فى تفاعلها مع التنوع السودانى ولذلك علينا ان نستمر فى التفاعل الإيجابى معها لترسيخ قيم  الفضيلة والتسامح واحترام التنوع فى بلادنا.

لاتزال هنالك مجموعة مقدرة من سكان السودان تعتنق الديانة المسيحية، والديانات الافريقية، حتى بعد إنفصال الجنوب، مما يستدعى الإهتمام بقضية التنوع الدينى  فى بلادنا. قضية التنوع الدينى لن تحل بشكل جذري إلا بالوصول الى سودان جديد ديمقراطي علماني يفصل بين الدين والدولة، ويؤسس دولة المواطنة المتساوية ويقف على مسافة واحدة من جميع الأديان ومن المؤلم أن هذا النظام إستهدف المسيحيين السودانيين بشكل عام، كما شرد آلاف الأقباط السودانيين فى فجاج الأرض. ولذا فإن قضايا المسيحيين السودانيين والمؤمنيين بالديانات الافريقية  شديدة الصلة والإرتباط بإقامة نظام ديمقراطي ومواطنة متساوية.

الديمـقراطـية وحـقـوق الإنسـان

قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان واحدة من القضايا التى تستحق المراجعة الدقيقة فى تجربة الحركة. والحركة مثلها مثل كثير من حركات الكفاح المسلح إعتبرت الأخطاء والجرائم التى أرتكبت أنها أخطاء وجرائم عابرة لابد من المرور بها أثناء إنجاز مهام التحرير، وأن الأهداف السامية للتحرير تعلو على مثل هذه الأخطاء المؤقته. لقد كان هنالك الكثير من الضحايا لتلك الممارسات لاسيما فى حروب الهامش الداخلية الطويلة التى كانت فى غالبيتها بدفع من حكومات الخرطوم. والحركة والجيش الشعبي خاصة فى البدايات لم يأخذا قضايا حقوق الإنسان كمكون رئيسى فى ممارستهما، وقد الحق ذلك تشوهات بالتجربة.

إتضح من تجارب العديد من حركات التحرر الوطني إن إغفال قضايا حقوق الإنسان اثناء عملية التحرير لايمكن تداركه بعد التحرير.

وبعد اتفاقية السلام ٢٠٠٥ لم تعط الحركة الإهتمام المطلوب لقضايا التحول الديمقراطي وركزت جل إهتمامها على تنفيذ الجوانب التى ستؤدي الى الإستفتاء على حق تقرير المصير على الرغم من أن التحول الديمقراطي كان ركناً رئيساً من أركان الإتفاقية. كما لم تتمتع  الحركة بالحساسية المطلوبة تجاه كثير من الممارسات المخالفة لحقوق الإنسان التى ارتكبتها أجهزة المؤتمر الوطني أثناء الفترة الإنتقالية.  و كان مركز السلطة وحزب المؤتمر الوطني  يساومان لإغفال قضايا التحول الديمقراطى  فى مركز السلطة  مقابل تنفيذ جوانب الإتفاقية المؤديه لحق تقرير المصير. وقد تطلب تحقيق الإستفتاء على تقرير المصير معارك شاقة، زاد من مشقتها غياب التحول الديمقراطى الذى دفع ثمنه الجنوبيون والشماليون معا بعد الإنفصال، فبقاء النظام القديم معادٍ لكلا شعبى السودان.

ولأن قاعدة الحركة الصلبة فى جنوب السودان كانت تريد أن تنجو بجلدها من دولة الفاشية الإسلامية لذلك لم تهتم كثيرا بقضايا التحول الديمقراطي.

إن حركات الهامش جمعيها إهتمت أكثر بقسمة السلطة والثروة والتى أصبحت قسمة فوقية بين الصفوة ولم تؤد لتحول ديمقراطى فى بنية السلطة وإعادة توزيع الثروة لمصلحة الفقراء والمهمشين وبدون ذلك لا يمكن إنهاء التهميش.

إن قضية  الديمقراطية وحقوق الإنسان تمثل أحد أهم الآليات لإنهاء التهميش وقد آن الآوان لوضعها فى صلب برنامج حركات الهامش ونضالها، فبدون  ديمقراطية لايمكننا بناء مجتمع جديد يؤدى الى إنهاء التهميش، وهذه القضية يجب أن تشكل أحد أعمدة  فكر السودان الجديد.

الديمـقراطـية الداخـلية وانتخـاب الـقـيادة

أشرنا من قبل بضرورة أن تشكل الديمقراطية أحد أعمدة  فكر السودان الجديد دون ضبابية، والديمقراطية  ليست بالأمر السهل واذا أردنا ان نحققها فى المجتمع علينا أن نطبقها داخل تنظيمنا ففاقد الشئ لا يعطيه. لقد عانت الحركة من مصاعب حقيقية فى الديمقراطية الداخلية  و كان للعمل العسكري والتراتبية العسكرية تأثير سلبى واضح فى ذلك، بل إن الجناح السياسي للحركة لم يأخذ ملامحه و يتشكل إلا فى وقت متأخر وكانت البداية الفعلية هى المؤتمر الأول للحركة فى "شقدوم" عام ١٩٩٤. والآن بعد مضى وقت طويل منذ التأسيس الأول للحركة فى ١٩٨٣ لابد أن ننتبه  لقضية الديمقراطية الداخلية، وان تأخذ موقعها المستحق  حتى تزدهر الحياة الداخلية للحركة  وتنطلق بمساهماتها نحو المجتمع.

إن أحد المقومات الرئيسية للتنظيمات الحديثة هو إنتخاب القيادة فى ظل نظام داخلي يتيح الديمقراطية والتبادل السلمي للمواقع القيادية وهو ما يجب أن يشكل ملمح رئيسي لما نود أن نقوم به من تجديد تنظيمى.

حـركة إصـلاحية أم ثــورية !

يجب أن تكون الحركة  التى نحن بصددها حركة ثورية تحررية واضحة الأستراتيجية وتتبنى تكتيكات ملائمة لتحقيق تلك الأستراتيجيات. من الطبيعى أن تمر الثورة عبر محطات الإصلاح ولكن قطارها لا يتوقف عندها كمحطات نهائية فمشروعنا أبعد من الإصلاح وهو مشروع ثورى تحرري يرمى لبناء سودان جديد لمصلحة كل السودانيين.

حــركة حـقـوق مـدنـية ديـمـقراطـية فى المـدن

إعتمدت الحركة فى غالب تأريخها على الكفاح المسلح والآن بعد التغيير الكبير فى التركيبة الديموغرافية والطبقية فى المدن و وخصوصاً مناطق الإنتاج الحديث أضحت الوسائل الناعمة أكثر ضرورة من أى وقت مضى.

لم يجد توظيف الوسائل الناعمة معالجة كافية من الحركة رغم أن محاولات عديدة بذلت فى هذا الإتجاه. الآنلامناصمنبناء حركة حقوق مدنية تحررية فى مدن السودان مرتبطة عضوياً بالريف ومنفتحة على القوى الديمقراطية والتقدمية والمستنيرة لانتصار مشروعنا. إن الحركة التى ندعوا لها يجب أن تكون  ذات أجندة واضحة فى قضايا المواطنة المتساوية وضد العنصرية وتناضل من أجل الخبز و السلام والتحرر وتحسين شروط الحياة المعيشية لكافة السكان، وتربط بين قضايا العدالة الإجتماعية والمواطنة وتحقق ديمقراطية الثقافة والسلطة. مثل هذ الحركة هى التى يمكن أن يعول عليها فى بناء الكتلة التاريخية من جميع القوميات ولمصلحتها جميعاً، معتمدة على استخدام وسائل اللاعنف والعمل السلمى المدنى الديمقراطي وهى أحدى وسائلنا نحو المستقبل. الذي يجدر ذكره ان هناك قضايا ذات خصوصيات بعضها مؤقت، أصبحت تشكل اجندة جديدة من ضمنها قضايا الاراضي، السدود، الإبادة الثقافية، البيئة، تجمعات المزارعين، الرعاة، المفصولين تعسفيا والنازحين واللاجئين وغيرها تحتاج الي إنتباهة خاصة.

إتفـاقيات السـلام والإندمـاج فى النظـام القــديم

لاشك أن إتفاقية السلام الشامل هى كبرى الإتفاقيات التى تمت، وكانت ذات أثرٍ كبير داخلياً وخارجياً. أحد أركان الإتفاقية هوالتحول الديمقراطي ، وقد كان هو الضمانة العضوية  لتغيير السودان عبر إنتخاب سلطة جديدة فى بداية النصف الثانى من عمر الإتفاقية. كما أن الإنتخابات والأستفتاء على حق تقرير المصير كانا أهم آليات تغيير الأوضاع القديمة. ولكن عند التطبيق تم عن عمد تجاهل التحول الديمقراطى الذى هو الأساس لعلمية التغيير، ولو تم التحول الديمقراطي؛ لأحدث  أثراً إيجابياً كبيراً لمصلحة الوحدة، وتحقيق السلام بين البلدين فى حالة الإنفصال. كذلك لم تأخذ القوى السياسية المعارضة الحقوق الواردة فى نصوص الإتفاقية حول التحول الديمقراطى مآخذ الجد، ولم يسع معظمها لإستخدام وثيقة الحقوق الدستورية لفرض الأمر الواقع على الحكومة، بل إعتبرت ذلك من مهام الحركة، وهو جزء من الأسباب التى أدت الى الحفاظ على النظام بشكله القديم. رغم ذلك فان تغييرا بشكل من الأشكال قد تم رغم محدوديته وقتها ولم يعد الحال مثل ما كان قبل الإتفاقية.

تم توقيع إتفاقيات عديد بعد نيفاشا خارج وداخل السودان، لكنها لم تؤد الى التغيير المطلوب مما يطرح سؤالاً مركزيا حول كيفية تحقيق السلام والتغيير معاً، إذ لا يوجد سلام فى ظل الحفاظ على النظام القديم. هذا هو أحد الاسئلة التى تحتاج لإجابة، ونحن نعمل لتجديد الحركة  والإنفتاح على الآخرين. فهل من الممكن ان نصل الى اتفاقية سلام خارج الدائرة التقليدية لتقسيم السلطة والثروة؟

حــركات التحــرر: تــراجـع الأحــلام الكـبيـرة

فى ظل الليبرالية الجديدة والرأسمالية المتوحشة – كما أشرنا من قبل - تواجه حركات التحرر الوطنى فى بلدان الجنوب اوضاعاً عالمية غير مواتية لوجودها لتحقيق التنمية وبناء المجتمعات الجديدة. وكما تابعنا فى السنوات الأخيرة فقد تم القضاء على دول بكاملها نتيجة للتدخلات الخارجية كما حدث فى العراق وليبيا.  فى ظل هذه الأوضاع فإن حركات التحرر الوطني الحاكمة او التى فى المعارضة  تجابه اوضاع شائكة. إن تجارب حركات التحرر الوطني فى الحكم انتهى معظمها الى فشل فى تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لشعوبها، ونحا كثير من قادتها ورموزها للدكتاتورية بدلا عن الحرية والتحرر فى ظل مناخ عالمى سلبي انتشرت فيه الحركات القومية الضيقة والشعوبية والتوجهات الإثنية  والتيارات الدينية المحافظة فى أكثر البلدان تقدما إقتصاديا.

يضاف الى ذلك  تشابكات العولمة والتطور فى أجيال البرمجيات، وتأثيرها الكبير ايجابا وسلبا على عقولنا فإن إنسدادا بيّنا فى الآفاق وتناقص فى الأحلام الكبيرة والرؤى الطامحة لتحقيق عالم أكثر انسانية أصبحت على المحك. وفى هذا الوقت ورغم ما يدور من حولنا إقليميا ودوليا فإننا ملتزمين بمحاولتنا بالتمسك بالأحلام الكبيرة وبرؤية السودان الجديد.

إن المناخ الإقليمي والعالمي يشهد أنحداراً بلغ فى بعض الأحيان درجة طرح الأفكار العقيمة البالية من أعلى منصات المسرح العالمي. ان هذه الأوضاع تؤثر بشكل او بآخر فى واقعنا الداخلي  وتشجع الأنزواء السياسي والفكري  وتدعم تصاعد قضايا الإثنية الضيقة والتطرف الديني.

على الجانب الآخر فإن الإرهاب الذى يستهدف المدنيين يجد أساسه بصورة او أخرى فى أزمة النظام العالمي وعدوانه الذى لم يترك آفاقاً للتطور والعدالة لملايين الفقراء على مستوى العالم ولا سيما بلدان الجنوب.

فى هذا المناخ  المضطرب  تصبح محاولتنا للتمسك برؤية تقدمية مثل رؤية السودان الجديد، وبناء منظمة وطنية ديمقراطية أمرا ضروريا وحيوياً لشعبنا وللبلدان المجاورة لنا، وهى المنظمة التى يمكن ان تساهم بفاعلية فى الحفاظ على وحدة السودان والسلام فى جوارنا.

إنفـصال جـنوب السـودان والإتحاد بيـن بلــدين مستقـلين

نحن الذين حاربنا مع أبناء شعبنا فى  جنوب السودان وأحببنا الجنوبيين والجنوب مثل حبنا للشماليين والشمال لا نفرق بينهما فقد تعلمنا  محبتهما معاً.

إن حقيقة إنفصال الجنوب والإبادة الجماعية فى السودان هما حدثان من الضخامة بمكان ليدفعا كل وطنى لاعادة النظر فى المشروع الوطني القديم واستبداله بآخر على نسق مغاير.

لكننا نعلم أن النظام الفاشي الحاكم وبحكم طبيعته لن يعيد النظر فى نظامه القديم إلا مجبراً. ولذا فإننا نتوجه الى قوى التغيير خاصة قوى السودان الجديد وقوى التقدم والاستنارة التى نسعى معها لبناء منظمة ثورية، ومثلها نتوجه الى قوى التغيير العريضة للعمل على إزالة النظام، والإتفاق على أسس جديدة للمشروع الوطنى عبر مؤتمر دستورى ينقلنا لترتيبات دستورية ديمقراطية تعيد هيكلة الدولة السودانية. هذه مهام تواجه جميع الشعوب السودانية. إن رؤية السودان الجديد رؤية سودانية خالصة انتجتها أرض بلادنا و تشكل نقطة تلاحم والتقاء بين الشعبين فى دولتى السودان. يضاف لذلك أن مجموعات كبيرة من المواطنيين السودانيين شاركوا فى حرب التحرير فى جنوب السودان،وهى نقطة تلاحم أخرى من النضال الذى قادته الحركة ضد التهميش حمل كثيراً من المواطنين الجنوبين الى نضال فى مناطق متفرقة فى شمال السودان.

لقد ساهمت الحركة فى إنتاج وعى مغاير وعلاقات مشتركة بين دولتى السودان لا تزال صالحة لمد يد الأخوة الشريفة بينهما.

بإنفصال الجنوب إنتهى شكل من أشكال الوحدة، والفرصة الآن لإعتماد شكل آخر جديد للوحدة بين بلدين مستقلين على أساس الإحترام المتبادل لإستقلال وسيادة كل منهما وخلق علاقة إستراتيجية تسندها المصالح والجغرافيا والتاريخ والدماء واقامة (اتحاد سودانى) بين الشعبين والدولتين.

هذه هى الدعوة التى يجب أن تتبناها الحركة والكتلة التاريخية التى تنتمى اليها فى السودان. على هذه الكلتة أن تأخذ على عاتقها مهمة الوصول لذلك الاتحاد السوداني لمواجهة تعقيدات بلدان الجنوب والإسهام الإيجابي إقليمياً وعالمياً لاسيما وحدة إفريقيا والتعاون الإستراتيجي بين الأفارقة والعرب خصوصاً أن أغلبية العرب تتواجد فى إفريقيا.

لاشك ان كلا البلدين محتاجين لإقامة الوحدة على أساس التنوع، والى مشروع وطني ديمقراطى داخل كل منهما، ويحتاجان للتعاون والشراكة الإيجابية مع الإقليم والمجتمع الدولى وفق المصالح الوطنية لكليهما. وإن كانت مصالح بلدان الجنوب فى بناء علاقات دولية متكافئة لمصلحة جميع الشعوب تقتضى توحدها، فمن باب أولى أن نبداء بجنوب السودان الذى نشاركه التاريخ والثقافة وأطول حدود دولية ومصالح فعلية لمواجهة إشكاليات وتحديات عالمية كبيرة. ويجب أن يكون هذا الاتحاد مقدمة لإتحاد أكبر مع جميع بلدان الجوار.

إن تجارب عديدة إستطاعت أن تقيم أشكال مستحدثة من الوحدة  ففى اوروبا  يمكنك الذهاب من إسبانيا حتى الحدود التركية بترتيبات اوروبية مشتركة ونحن أحوج لمثل هذه الترتيبات من غيرنا، وهذا يشمل جميع بلدان الجوار، ولكن علاقتنا مع الجنوب لها وضعها الخاص والمتميز ولها مكانة فى قلوبنا وافئدتنا، وحينما غاب الجنوبيون فقدت بلدنا ملحها وفقدت بعض طعمها ومذاقها.

الإطــار التـنـظيـمى الجـديـد

ولأن  "الدجى يشرب من ضوء النجيمات البعيدة" كما انشد شاعرنا الكبيرالراحل الاستاذ تاج السر الحسن، فإن بلادنا تحتاج الى مشروع وطني مغاير  قادر مع الآخرين على بناء كتلة تاريخية، وتوحيد الضمير الوطني  والسياسي لسكان المدن والريف.

إن تجديد الرؤية  الذى يأخذ المتغيرات والممارسة العملية يعنى بالضرورة تجديد الإطار التنظيمي بما فى ذلك الوسائل والآليات والديمقراطية الداخلية وانتخاب القيادة والتبادل السلمي والديمقراطي  للسلطة داخل التنظيم ومن ثم فى المجتمع العريض.

إن تجديد الرؤية والآليات التنظيمية هما مفتاح رئيسى للإنتقال بالحركة الى وضع جديد، وهى قضايا مترابطة إذ لا يمكن  تجديد إحداهما دون تجديد الأخرى. لقد جاء الوقت لضخ هواء نقى جديد فى رئة الحركة يبعدها عن التكلس والجمود، ويمدها بروح نضالية جديدة  جاذبة للمهمشين وللسودانيين من كافة دروب الحياة.

إن الهدف هو خلق حركة على نمط جديد واختبار أراضي وآليات جديدة وذلك هو المدخل الصحيح لإعادة بناء الحركة والمساهمة فى بناء الكتلة التاريخية. عند القيام بذلك علينا ان نحدد مصادر القوة وان نضع إستراتيجية واضحة لبناء هذه المصادر  وهذه هى أولى مهام البناء التنظيمى.

لمـاذا لـم يتمـكن تنظـيمـنا مـن تغـيير المــركز

بعد انتفاضة إبريل ١٩٨٥ كنت حينها من قادة حركة الطلبة الذين شاركوا مع الملايين فى إنتفاضة إبريل التى أطاحت بنظام نميرى. كنت قد أمضيت عاما قبل الإنتفاضة فى سجن كوبر جذبتني فيه رؤية الحركة مثل المجاذيب فى كل زمان ومكان، واطربتني إيقاعات ودفوف الكفاح المسلح التى أخذت حيزاً واسعاً منذ ستينات القرن الماضي. وعلى أيام نميرى كنا نطالع تجارب الكفاح المسلح فى افريقيا وامريكا اللاتينية، وتوصلنا الى ان الكفاح المسلح يحتاج الى حركة سياسية سلمية كجناحي طائر ليحلق. قمت مع أصدقاء العمر "حسن نابليون" و"على العوض" بمحاولة تكوين جماعة " الخبز والسلام والتحرر" ودخلنا فى نقاشات مطولة مع آخرين وكنا ننوى بناء جناح سياسي فى المدن للحركة لجذب قوى هائلة معطلة الطاقات لتناصرها ولتطرح قضايا الخبز والسلام والتحرر وتناضل من أجلها فى شوارع المدن.  ولكننى حينما ألتقيت بالمسؤلين عن مكتب الحركة فى الخرطوم ومنهم  الراحل الدكتور " بيتر نيوت" و " أدوارد لينو" و"يوهانس يور أكول"  ولمحاذير التاريخ والسياسة والجغرافيا وترصد أجهزة الأمن ومفارقات الإثنية التى تتغذى على أكل الثقة بين مختلف القوميات، لم تجد فكرتنا صدىً عند مكتب الحركة السري فى الخرطوم.

بعد ذلك اتجهت للإنضمام للجيش الشعبي. وحينما وصلت معسكر اللاجئين فى "إتنغ" فى الحدود الأثيوبية السودانية بالقرب من مدينة "قمبيلا" فى يناير ١٩٨٧ قمت بترجمة برنامج حركة "الخبز والسلام والتحرر" مع الراحل والصديق الصحفي "شول كوانج" والصديق العزيز " جورج ماكير بنجامين" وأعطينا نسخة للراحلين  الكبيرين "اروك طون اروك والعم اليجا مالوك" ولاحقا ناقشتها مع الدكتور جون قرنق حينما التقيته للمرة الأولى فى المدرسة السياسية فى معسكر" الزنك" فى أحدى ضواحى قمبيلا فى منتصف ١٩٨٧، تناقشنا فى هذه القضية الهامة التى ظللت أطرحها بإستمرار فى مختلف منابر الحركة ولكنها لم تجد العناية اللازمة على مر سنوات الحرب الطويلة  مع ان قرنق ويوسف كوة مكى كانا من مؤيدى هذا الطرح، لكنالكفاح المسلح ظل يفرض أولوياته باستمرارعلى الحركة.

لم تتمكن الحركة لأسباب عديدة أخرى ومثلها حركات الكفاح المسلح فى مناطق السودان الأخرى  من التحليق بجناحين، ولم تستطع ربط الكفاح المسلح فى الريف  بالعمل السياسي السلمي فى المدن والمزج بين القوى الناعمة والخشنة. كان ذلك سيستنهض جماهير واسعة المشارب كتلك التى إستقبلت قرنق فى الساحة الخضراء لاحقاً. هذه الجماهير بالضبط هى ما كان يحتاجه الكفاح المسلح ليلحق الهزيمة بمركز السلطة، وجماهير المدن تحيط بالحاكمين إحاطة السوار بالمعصم، خصوصا إن المدن على أيام الحرب الأولى كانت تعج بملايين المهمشين من جنوب السودان  والمناطق الأخرى.

على الرغم من أهيمة الدور الذى لعبه الكفاح المسلح ولازال يلعبه ضد فاشية الإسلام السياسى  إلا أن حرمان الكفاح المسلح من أهم حليف إستراتيجي الحق الضرر بقضايا المهمشين.

الحركة بوصفها كبرى حركات الكفاح المسلح، والأم الروحية لحركات الهامش، مؤهلة للإتجاه صوب المدن وبناء حركة تحرر للحقوق المدنية والسياسية والإجتماعية، تصادم ولا تهادن أنظمة الخرطوم، وتحرر مركز السلطة بتلاحم العمل السلمى الديمقراطي المدني فى الريف والمدينة، مما يعطى روح جديدة لا تجعل حركات الكفاح المسلح نهباً للإتفاقيات التى تؤجل حل القضايا، وتقدم أطواق نجاة للنظام القديم. وقد آن الأوان للحركة أن ترد الإعتبار لنضال مهمشي وفقراء ومثقفى المدن، وأن تصعد درج  سلم المدن نحو بناء حركة جماهيرية جذرية  قادرة على فرض أجندة المواطنة المتساوية وبناء دولة ديمقراطية لا تغفل العدالة الإجتماعية وديمقراطية الثقافة والسلطة وتبصر الإضطهاد بعينين.

الحركة فى ذلك لا تبدأ من الصفر، فلها وجود فعلي فى مدن وريف السودان، ولديها تنظيمات ذات تجربة وبنية تحتية طوال الفترة الإنتقالية (٢٠٠٥-٢٠١١)، وقد تبلورت ظاهرة جديدة فى الحرب الثانية لم تكن موجودة من قبل، فقد برز قادة من الحركة في كل الولايات والقطاعات أعلنوا مواقف صريحة ضد النظام وتحملوا السجون ومعاناة النضال وهم من سيقود العمل التنظيمي والسياسي الذى ننشده.

قضايا التنـظـيم والممـارسة التأريخـية

ترتبط قضايا الحركة التنظيمية إرتباطاً لا إنفصام لعراه بممارساتها الفعلية وحصاد الممارسة فى العقود الماضية، ولابد من تقييم وسائل عملها وهياكلها خلال هذه الفترة والنتائج الفعلية التى توصلت لها. توفرت للحركة موارد بشرية جيدة، وقد ظل عشرات الألاف من الشباب ومن كادر الحركة متفرغين بشكل يومى لآداء المهام التى تطلبها القيادة، ومع ذلك يمكن القول ان هذه الموارد البشرية الضخمة لم تستخدم بكفاءة عالية على الرغم من  مجهودات بناء القدرات السياسية والعسكرية.

يشار أيضاً الى إن فئات المثقفين الذين إنضموا للحركة لم يجدوا الفرص الكافية والمساحة المناسبة لتمدد قدراتهم. يرتبط النجاح المحدود  فى إستغلال مقدرات الأعضاء بشكل رئيسى بقضية إعتماد الحركة على الكفاح المسلح دون الأشكال الأخرى. كما اعتمدت الحركة عسكرة بنيتها التنظيمية لإدخال الإنضباط فى صفوفها بجانب انها ورثت تجارب الأنانيا الأولى وكثير من سلبياتها، كما أن قادتها الكبار الذين أتى معظمهم من الجيش السوداني قاوموا فى كثير من الأوقات التحديث الثورى الذى أدخله قرنق. كذلك إستنزف إختلاط ما هو موضوعي مع الذاتي فى قضايا الهامش والتباعد وعدم الثقة التاريخية بين القوميات المهمشة الكثير من الوقت والطاقات. والآن بعد مضى كل هذا الزمن فإن الحركة تمتلك تجربة ثرّة حول ما يمكن أن تتحصل عليه من الكفاح المسلح وما ينقصها من آليات وهياكل جديدة للإنفتاح على قوى أكبر. ولذلك فإننا  حينما نتجه لتجديد الرؤية علينا أن نتجه الى تجديد الوسائل والهياكل والأليات فقضايا التنظيم  مثلها مثل الرؤية  تحتاج الى إعتماد وسائل كفاحية وهياكل تنظيمية تتناسب مع المهام التى تطرحها الرؤية،  والتجديد الذى نتطلع للقيام به والدروس المستفادة من تجارب الماضي.

إن الحركة لن تحرز تقدم الآ إذا اعتمدت وسائل وهياكل وآليات جديدة مرنة تسمح بالقدر المطلوب من الديمقراطية الداخلية والمساواة الحقيقية بين اعضائها، غض النظر عن خلفايتهم الإجتماعية والثقافية والجغرافية ووسائل نضالهم، ولابد من انتقاد الممارسات فى السنوات الماضية التى عملت على تحجيم الحركة فى داخل الحواضن الإثنية للكفاح المسلح. أن كثير من القضايا التنظيمية الجديدة ستستفيد من تجاربنا السابقة وتغتنى وتحل قضايا المستقبل بالنظرة لماضى التجربة، فالنظرية نفسها تتطور من خلال الممارسة.

حقـوق المواطـنة المتساوية وحقوق العـضـوية المتساوية

يحتاج الوصول الى حقوق وواجبات دستورية  متساوية لكل المواطنيين معيارها الوحيد هو المواطنة  بالضرورة الى حركة يساوى دستورها وممارستها الفعلية بين عضويتها فى الحقوق والواجبات. يجب أن لا تتسبب الوسائل المختلفة التى يشارك بها الأعضاء كل من موقعه فى النضال فى التفرقة بين الأعضاء على أسس غير موضوعية.

إن الذين يشاركون فى الكفاح المسلح  من مصلحتهم جذب اكبر قطاعات تتخذ وسائل العمل السلمى الى صفوفهم وإظهار رحابة  فى النضال المشترك لبناء كتلة تاريخية بإفق استراتيجى للقضاء على المظالم الإجتماعية والتهميش من كافة جوانبه. لقد أثبتت إتفاقية السلام ان هنالك قطاعات شعبية واسعة مستعدة للكفاح المشترك من أجل إقامة مجتمع جديد. وبالرجوع لتجربتنا فإن المساواة فى الحقوق والواجبات الدستورية بين جميع أعضاء الحركة لن تغفل العطاء والكفاءة والولاء والآداء والمساهمة التأريخية للأفراد والجماعات، وتجربة المؤتمر الوطني الإفريقي وحلفائهلاسيما تجربته قبل وصوله للحكمتجربة جديرة  بالدراسة فى كيفية خلق منظمة عابرة للإثنيات، على الرغم من المتاعب التى يعانيها المؤتمر الإفريقى الآن.

الإنتاج الفـكـرى والثقـافى

التخريب الذى طال كل مناحى الحياة لا سيما العقول بعد تجربة الإسلام السياسي ولد أسئلة جديدة لن نستطيع ان نجاوب عليها، وشق طريقنا نحو المستقبل إلا بإنتاج فكرى وثقافى يفوق هذا التخريب، ومالم نتفوق فكرياً لن نتفوق سياسياً، ولن نستطيع ان نتفوق سياسياً وفكرياً وثقافياً إلا بجذب المثقفين والأكاديمين والباحثين للمساهمة الفاعلة فى الإجابة على الأسئلة بشكل صحيح. لقد إبتعد كثير من المثقفين  والأكاديميين من العمل السياسى إما لفقر العمل السياسى او لأن مطالب الحياة قد أنهكتهم، او بالهجرة الى خارج السودان التى باعدت بين بعضهم وبين الإهتمام بالقضايا الفكرية. وعلينا أن نولى هذه الجبهة الإهتمام اللائق بها وأن نزلل العقبات التى يضعها العمل السياسي والهياكل التنظيمية والبيروقراطية ومطالب الولاء التنظيمى الطاردة حتى نمكنهم من المساهمة الفاعلة.

النسـاء

تمثل قضية المرأة قضية رئيسية لأى منظمة تقدمية، والنساء هن مهمشات المهمشين كما ذكر قرنق، وهن صاحبات المصلحة الأكبر فى إنهاء المظالم وإقامة المجتمع الجديد، لأن مظالم  النساء هى الأعمق فى التاريخ الإنساني.

لقد دفعت النساء السودانيات ثمناً فادحاً تحت حكم فاشية الإسلام السياسى، ولذا فإن قضاياهن ونهوض حركة المرأة  تظل قضية مفتاحية فى بناء اى منظمة ديمقراطية جديدة.

تصحيح مظالم المرأة يقتضى تمثيل النساء فى مواقع إتخاذ القرار والتمييز الإيجابى لمصلحتهن وطرح برنامج جرئ يعطى الأولوية لإنصافهن ووضع قضيتهن فى أعلي الاجندة الوطنية امر لابد منه.

أولت الحركة طوال تاريخها إهتماما ملحوظا بقضايا النساء وهى أكثر خبرة بقضايا المرأة الريفية، لكننا لا نزال نحتاج لتطوير برامجنا لمخاطبة قضايا النساء فى المدن ومراجعة تجربتنا حينما وصلنا الى الحكم وما قمنا به لإنصافهن. علينا أن نضع برنامجاً واضحاً منحازاً للنساء  والوقوف بوضوح ضد القوانيين واستخدام الإسلام السياسى للدين بطريقة ممنهجة ومدروسة لإضطهادهن.

ثمثل قضايا المرأة لبنة أساسية لازمة لبناء حركتنا ولبناء الكتلة التاريخية، فالنساء أكثر الفئات  المتضررة من المجتمع القديم، وقد أظهرت تجارب الحرب إن النساء لعبن دورا رئيسياً  فى صمود الحركة وجيشها، ودفعن كلفة باهظة فى كل الحروب التى جرت فى مناطق الهامش.

تقوم نظرتنا على إن انصاف النساء فى تنظيمنا هو المقدمة الطبيعية لأنصافهن فى المجتمع العريض وعلينا أن نقدم نموذجاً جديداً ومغايراً فى قضايا المرأة وتحريرها، فلن نصل الى تحرير المجتمع مالم يتم تحرير النساء.

الطـــلاب

تمكن الطلاب السودانيون بشجاعة من إعلاء رأية الحركة فى الجامعات والمعاهد العليا مستخدمين العمل السلمي، وتضحياتهم محفّزة وتجربتهم ثرّة لنقلها الى جميع  الفئات الإجتماعية الأخرى. تلك التجربة الثرّة يجب أن تنفتح على كل الطلاب من جميع القوميات والإثنيات وكذلك على المراحل الدنيا من مؤسسات التعليم. وتحتاج الحركة أن تولى عملها فى وسط الطلاب أهمية فائقة فهم يشكلون قوى حاسمة فى بناء حركة جماهيرية وفى التأثير على المجتمع العريض بجانب أنهم فئة تقدمية قابلة لإستيعاب الجديد وتوظيفه،ويمتلكون مهارات متنوعة يمكن توظيفها لخدمة أجندة التغيير.

قدمت الحركة الطلابية السودانية المعارضة تضحيات كبيرة فى مقاومة النظام، ولم تستسلم طوال الثماني وعشرين عاماً الماضية. للحركة أرث طويل فى حركة الطلبة التى رفدتها بقيادات كثيرة على مدى سنوات الكفاح المسلح. للطلاب طاقة جبارة يمكن توظيفها لبناء حركة حقوق مدنية ديمقراطية فى مدن السودان المختلفة، وبناء ونقل حركتنا الى المدن سيلعب فيه الطلاب دوراً رئيسياً. ولذلك من الضرورى أن يجد النقاش لتجديد رؤية الحركة وآلياتها إهتماماً مبكراً وواسعاً فى أوساط الطلاب المنتمين للحركة أو المنتمين لغيرها. ولتمكين الطلاب من لعب دورهم الفعال فى عملية التغيير نحتاج لبذل المزيد من الجهد فى بناء حركتنا فى اوساطهم فهم بمختلف إتجاهاتهم الثورية ما بخلوا بالتضحيات فى سبيله وقدموا الشهيد تلو الشهيد لإنجازه.

الشــباب

إجترحت حركات الشباب السودانية أشكالاً عديدةً ومتنوعةً ضد حكم الإنقاذ، أخرها تجربة العصيان المدنى. ظلت الحركة ذات صلة مباشرة بحركات الشباب وأولت إهتماما كبير بهذه الحركة الناهضة. لقد تعرض الشباب السودانى الى موجات قمع واسعة، واستخدم كوقود لحروب الإسلام السياسى وسُدت أمامهم آفاق الحياة الإنسانية اللائقة وتُركوا فريسة للعطالة والحرمان من الخدمات، وفرض عليهم فى مختلف جوانب الحياة برنامج سياسي متخلف لا صلة له بالعصر وتم عزلهم عن حركة التقدم والعلم والعالم من حولنا.

واليوم، يشكل الشباب أوسع شريحة ذات طاقة فى التغيير فمن الصعب إنجاز التغيير بدونهم أو المراهنة على المستقبل دون مشاركتهم ولذا فإن الإهتمام بهذه الشريحة التى تحمل مشاعل التغيير هى قضية من قضايانا المقدّمة لبناء حركتنا واحداث التغيير.

وسـائل وأشـكال جـديدة للبناء والتنظــيم

تحتاج الحركة بشكلها الجديد أن تستخدم أشكال متنوعة وجديدة للبناء ووسائل  وادوات حديثة لا سيما إننا ندخل عصر البرمجيات الجديدة. وعلى الحركة ان تتجه بشكل أكثر فاعلية لإستخدام الوسائل الناعمة والى جماهير المدن وبالذات الى الشباب والنساء والطلاب والمثقفين، وان تنوع القضايا التى تهتم بها وان تربط بين وجودها التأريخي فى الريف وتَقَدمها نحو المدن وأن تطرح القضايا الجديدة مثل قضايا البيئة ونحن نحتاج فى ذلك:-

  • تقوم الأجهزة القيادية للحركة على الإنتخاب وتحديد مدد بعينها لشاغليها وان تكون المؤتمرات واجتماعات الأجهزة القيادية ثابتة، وان نعلى من القدرات الإدارية فى المتابعة والمحاسبة على التنفيذ وان نرسى مناهج العمل الجماعى.
  • الديمقراطية الداخلية يجب ان تتعمق وان نرسى تقاليدها فى بيئة تمكنها ان تنمو وتزدهر.
  • إستخدام أدوات وبرمجيات التكنولوجيا الحديثة لحل قضايا العمل القيادى والتواصل بين القواعد والقاعدة وإتاحة فرص المساهمة للجميع والوصول لقرارات التنظيم عبر حوار داخلى يقبل بالمساهمات.
  • بناء قوة إقتصادية وإستثمارية بمختلف الأشكال تتيح للتنظيم ان يتصدىلكثير من مهام العمل المطروحة امامه، والتجارب أمامنا ماثلة وعلينا إختيار أفضلها مع المحاسبة  والتصدى للفساد فى القضايا التى تخص التنظيم والتطوير المستمر للموارد.
  • تدريب الكادر وبناء القدرات وتوارث التجارب كقضية رئيسية ولاسيما لفئات الشباب والنساء والطلاب

والموارد البشرية والمادية هى التى تخلق تنظيم  ذو أثر.

  • الإعلام يظل قضية رئييسية لتوصيل رؤيتنا وبرنامجنا وتفاعلنا مع الجماهير وجذب أكبر قطاعات للتغيير والتصدي لخصومنا ونحن فى حاجة لدراسة تجاربنا السابقة  فى هذا المجال.
  • العمل السياسي يجب أن يقوم على فوائد ملموسة للمجتمع الذى تعمل فية المنظمة السياسية ويقدم خدمات وإصلاحات للمجتمع المعنى بداية من الإهتمام بإصلاح البيئة وبالمنظمات التعاونية  والعون الصحى والقانونى والمشاركة فى تقديم الخدمات للفقراء وإعانة الفئات الأكثر حرمانا والدفع بقضايا الإستنارة وبرؤيتنا فى مختلف المنابر الثقافية وإحياء والتبشير بقيم الخير .
  • التصدي للعنصرية ومفاهيمها ودراسة تأريخها وخلق مناخ ثقافى وبيئة صالحة للقبول المشترك.
  •       يجب أن نولى ذلك أهمية لتطوير تنظيمنا والمضى بذلك للتبشير بخلق مجتمع جديد من أحشاء المجتمع القديم.

  • تجديد الحركة الشعبية مع قوى أخرى يحتاج ان نتعامل مع تلك القوى علىقدم المساواة والقبول بصيغة ديمقراطية دون هيمنة اى من الأطراف،  و أن نستطيع الإجابة على الاسئلة والمهام التى لم يستطع اى من المكونات السابقة الإجابة عليها على نحو مشترك وجماعي.

  • المنظومة الجديدة تحتاج الى مرونة وسعة افق لإنجازها مع الآخرين.
  • إننا نحتاج ان نتحول الى قوى قادرة على المنافسة الديمقراطية وان نصلإلى السلطة عبر صناديق الإنتخابات وان نحتكم الى الشعب وليس عبر اى شكل من أشكال المغامرات والإنقلابات التى جربتها قوى غيرنا والعاقل من يتعظ بتجارب الآخرين.

الإنفـتاح على قـوى الإسـتنارة والتقـدم

ما نريد هو بناء تنظيم عضوى بين مهمشى المدينة والريف وفق رؤية السودان الجديد المنفتحة على كل قوى الإستنارة والتقدم. نريد بناء منظمة تنهل من أرث فكرى متقدم ومتفاعلة مع القوى المستنيرة فى مجتمعنا وفى ذلك لدينا مناقشات حيوية وتفاكر مع عدد من القوى الديمقراطية وقوى السودان الجديد. تنظيمياً نحن على إستعداد للإندماج فى تنظيم موحد مع هذه القوى لخلق حركة تَحرّرية للسودان الجديد، وتجربتنا فى الإنتقال الى مرحلة جديدة واحد من مهامها الإنفتاح على هذه القوى فى تفاعل مشترك وسنعمل لخلق تنظيم واحد مع الذين هم على إستعداد لخوض هذه التجربة . وجزء من مهام التجديد التنظيمي هو الإنفتاح على هذه القوى تنظيمياً دون شروطٍ أو تعالٍ.

الكتـلة التأريخـية وشكلها التنظــيمى

ليس لدينا سيناريو مكتوب لبناء الكتلة التاريخية، ويعتمد بنائها على عوامل كثيرة وعلى الصراع السياسى الدائر الآن وفى المستقبل. كما أنها تعتمد على عملية البناء والتجديد التى نمر بها وعلى التحالفات التى بإمكاننا القيام بها مع فئات وقوى إجتماعية جديدة  ومع كل الراغبين فى سودان جديد. وهذه مهمة إستراتيجية لا يمكن إنجازها بتجميع الراغبين فى السودان الجديد او الإندماج مع تنظيمات ديمقراطية تناضل من أجله، فالكتلة التاريخية مهمة أوسع وأكبر من هذه العملية السياسية المحدودة، وهنالك قوى واسعة فى المجتمع المدنى، ومنالمهنيين والعمال والمزارعين و الرعاة والنساء والشباب والطلاب والإتحادات والنقابات والتجمعات الأهلية  التقدمية وغيرها، ستكون من ضمنها. وبنائها يعتمد على نتائج الصراع السياسي الواسع الذى تقوم به قوى السودان الجديد وإمكانياتها للإستجابة لمصالح إجتماعية واسعة فى داخل مجتمعنا. لقد أقعد غياب الكتلة التاريخية حركات الهامش وأدى الى إنفصال الجنوب، ولذلك فإن الوصول اليها يعتمد فى إنحيازنا لمصالح قوى إجتماعية عريضة متضررة  من الأنظمة التى حكمت السودان  وأدت نتائج حكمها الى ما نحن عليه الآن وهى مهمة معقدة وتحتاج الى كثير من التضحيات ولن تتم دون مواجهة حقيقية مع مركز السلطة والمستفيدين منه.

عمـل أجهـزة الأمـن ومهـام البناء التنظـيمى

صنع نظام الإنقاذ أجهزة أمنية عديدة لتخريب الحياة السياسية والإجتماعية  كجزء من آليات السيطرة على السياسة والمجتمع، وقد تحول عمل هذه الأجهزة لشدة رسوخه على مدى ثلاث عقود الى ثقافة فرعية راسخة  فى الحقل السياسي والإجتماعي.  ستصطدم محاولات بناء حركة حقوق مدنية وديمقراطية فى المدن بممارسات الأجهزة الأمنية والإسلام السياسى ومحاولات التخريب، ولدينا تجارب سابقة، وعلينا دراسة كيفية  تفادى التخريب الذى طال البنية السياسية والإجتماعية وكيفية بناء منظمة لا تصل أجهزة الأمن الى نواتها الصلبة وهى قضية مهمة أهمية المشروع الذى نطرحه.

ظـاهــرة الإنشقـاقـات

بعد ثلاث عقود من تحّكم النظام فإن الإنقسامات الأثنية والجغرافية والإجتماعية تعصف بمجتمعنا وبكافة القوى السياسية،  ويكرّس النظام هذه الظاهرة كجزء من آليات السيطرة. كما أن الحروب الطويلة وافقار الريف والمدن أدت الى إنقسام فى الوجدان الوطني والإجتماعي والسياسي، وعملية البناء التى ننشدها ستواجه كل ذلك. وبناء منظمة من تنوع مجتمعنا وقومياته وثقافاته ومصالحه التى تبدو أحياناً متضاربة يحتاج لرؤية وبرنامج يجيب على الأسئلة التى تولد التناقضات، ويعزز العلاقات بين أصحاب المصالح المكونة لهذه المنظمة، ويحتاج لترسيخ القيم والمبادئ وبناء القدرات والتدريب السياسي والوضوح الفكرى لاسيما على مستوى القيادة.

الخــط التنظــيمى الثــورى

إنشاء منظمة ثورية يحتاج لوسائل وأدوات عمل  تنظيمية ثورية حتى تضمن المنظمة نموها وبقائها وتطورها وحمايتها لمصالح جماهيرها، وهو الذى سيحمى هذه المنظمة من عاديات وتعديات الأنظمة الحاكمة.

الـخـاتمــة : قــرنق والسباحـة فى بحـر مـن المتناقضات

فى ختام هذه المساهمة أود ان أهديها الى زعيمنا وقائدنا وصديقنا وآخانا الكبير  الدكتور جون قرنق دى مبيور، وأن نشكره على تلك السنوات الزاهرات المضيئات  التى أمضيناها معاً، ولحسن قيادته وقوة شكيمته وعصيانه على الإنكسار، وقدرته الفذة فى تحويل الكارثة الى منفعة، والسباحة فى بحر من المتناقضات المعاصرة والتاريخية و الداخلية والخارجية، وتناقضات الجغرافيا والثقافة والإثنيات، وتصميمه على العبور الى الضفة الأخرى؛ الى وحدة السودان وإفريقيا، رغم بعد المسافة ووحشة الطريق.

مستلهمين روحه الوثّابة وقدراته الفذة كمقاتل عنيد من أجل الحرية، ها نحن نعود مرة أخرى اليه، الى رؤية السودان الجديد فى ظل متغيرات وطنية وإقليمية وعالمية واسعة وعلى رأسها أن السودان نفسه لم يعد بلداً واحداً. نعود اليه ونحن نعلم أن بعض أخطاء اليوم ترجع فى بعض جوانبها الى أيامه. ولكننا ندرك إدراك الحاضرين والمشاركين فى التجربة، والتى نتحمل معه أخطائها قبل إيجابياتها الكثيرة، وندرك أيضاً أنه لو كان بيننا اليوم لما توانى أو تردد فى طرح المعالجات بعقلية نقدية.  فعندما وضع رجله فى الساحة الخضراء كانت تلك لحظة فارقة وكان على أبوب الإنتقال الى مرحلة جديدة ، وقد كان أكبر من أن يحتمله خصومه.

ونقول لخصومه إن قرنق لو عاد اليوم لما ترددنا للإنضام لصفوفه مرة أخرى.

إن الرجوع لرؤية  قرنق نقطة صلبة لإلتقاء الشمال والجنوب مجدداً، فتحت رؤية قرنق وقيادته إجتمع الجنوبيين والشماليين؛ فهو السياسي السوداني الوحيد الذى يحظى اليوم بالإحتفاء  فى ضفتى السودان.

علينا أن نأخذ من قرنق قدرته وبراعته فى تحويل الكارثة الى منفعة، وقديماً قال الثورى والقائد الفذ محمد أحمد المهدي: "إن المزايا فى طئ البلايا والمنن فى طئ المحن"، وهى مقولة تحمل سمات الجدل الثورى من ثائر غيّر المركز.

وفى الختام، فبعد عقودٍ من الممارسة الطويلة للحركة فإن البعض إتسمت نظرته بالجمود والسلفية السياسية، ولم ينظر للتجربة بعين فاحصة وناقدة، لكننا عازمون على الدفع فى طريق التجديد بكل قوتنا، وعازمون على  بناء نموذجاً مغايراً يتجاوز القديم حتى الذى صنعناه بأنفسنا.

في كل الاوقات، حينما نعالج القضايا الكبرى علينا الرجوع الى الجماهير فإن إجاباتها دائما حاضرة.

قد تطــول رحلتنا، لكن  ثقــتنا فى شعبنا لا حـدود لها



[1]الشهيد والقائد والمفكر الثورى أملكار كابرال (1924 -1973)

[2]ذات المصدر

[3]ياسر عرمان ، جريدة التيار السودانية، يوليو2017

Last modified on الأحد, 22 تشرين1/أكتوير 2017 08:08
Rate this item
(0 votes)
Read 194 times

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

005

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001