الأخبار
Time: 6:36
اخر تحديث:17-10-17 , 18:36:46.

أنباش (شاشة غشّاشة)

السبت, 12 آب/أغسطس 2017 19:04

بقلم: الصحفي محمد علي العوض........

هاتفني صديقي رئيس تحرير إحدى الصحف المصرية مطالبًا مدّه بمادة عن فعاليات "سنار عاصمة للثقافة الإسلاميّة 2017"، ولحسن حظي أنّ التلفزيون القومي وقتها كان يعرض مادة عن هذه الفعالية عبر برنامجه الأسبوعي "ساعة شباب".. حاولت جهدي أن أُلخّص ما دار في الحلقة، ولمزيد من التوثيق و"الفهلوة" عضدتها بتصوير فقرات من تلك الحلقة قبل إرسالها إليه.

ترك صديقي النصف المملوء من الكأس وشغل نفسه بالنصف الفارغ بعد أن تحول محور نقاشه أن كيف لبلد عريق مثل السودان يعج بالمثقفين والمبدعين العظام أمثال القائل "أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا" والطيب صالح، و- تحديدًا عصام البشير والياقوتي- وعون الشريف قاسم؛ أن يكون تلفزيونه القومي بائسًا صورة وديكورا بهذه الكيفية..

فطفقت أدافع عن سوء الحال بـ"الحق والباطل" متقمصا روح (وهل أنا إلا من غزية إن غـوت/ غويت، وإن ترشد غزيـة أرشد) و"انصر أخاك ظالما أو مظلوما".. قدمت كل تبريراتي الممكنة بدءا بكيل الشتائم للأمريكان وحصارهم الجائر، ومرورا بإلقاء اللوم على سياسة "التمكين" و"الصالح العام" التي أفرغت التلفزيون من كوادره الماهرة، وتكبيله ليصبح وسيطا يسبح بحمد المنجزات – على قلتها- لا الإخفاقات وهموم الناس، ولم أنس أن أضربه تحت الحزام وأنا أختم مرافعتي بنصحه بقراءة رائعة "القشور واللباب" لجبران خليل جبران حتى يدرك أنّ الجمال الحقيقي لا يكون بالنغمة ولا بالقصيدة ولا بالصورة، وإّنما بما يتسرب لنفس الإنسان من أحاسيس وعواطف، وأنّ الحياة ليس بسطوحها بل بخفاياها، ولا المرئيات بقشورها بل بلُبَابها، ولا الناس بوجوههم بل بقلوبهم.

لن أكون مغاليًا إن قلت إنّ تلفزيوننا برغم رداءته وحواف ديكوره المتهرئة في برنامج "عالم الرياضة" و"نشرة الأخبار" و"ساعة شباب"؛ إلا أنّه مازال يقدم مادة هي أفضل مما يقدم على كثير من الشاشات العربية التي تبهرك ببريقها الأخاذ وأستوديوهاتها الجذابة.. طوفة واحدة بالريموت كونترول على كل القنوات العربية ستجدها تغص بالغث والسطحية.. كلها "تبويس" و"أحضان" و"هيك بنغني".. ستفقع مرارتك سذاجة المسابقات والطرح القافز فوق الواقع بسبب لغة "البتردولار"، وإن ساقك القدر لحضور حلقة في برنامج "أراب أيدول" أو "ذا فويس" فستصيب لغتك النقدية – السليمة فطرة- لوثة، وستضرب مليون تعظيم سلام لدكتور الدرديري محمد الشيخ والصافي مهدي وهم يشنفون آذاننا بمفردات نقدية موسيقية على شاكلة "التون" القرار" "الغليظ" "مخارج الحروف" "الجمل اللحنية" وهما يوجهان المتسابقين في برنامج "نجوم الغد" بدلا من "سلطنتيني" "حبيتك" "حسيت فيك" "روحك كانت مِبِيْنة".. وغيرها من العبارات غير العلمية التي تعج بها برامج المسابقات العربية الأخرى.

نحن نملك إمكانات معرفية وثقافية غاية في الثراء والتفرد؛ ما نحتاجته هو أن نعض عليها بالنواجذ ونرفدها بكم من "الضمير" والتطوير والرغبة في الارتقاء بالأداء لتكون دوافع لتحسين مظهر شاشتنا القومية.. فقط بقليل من التقنيات والمؤثرات البصرية غير المكلفة كتقنية الأستوديوهات الافتراضية وتحسين بيئة العمل ومنح العاملين حقوقهم يمكن أن نحصل على أبهى صورة.

وقبل ذلك كله على الدولة أن ترفع يدها القابضة وعين الرقيب عن السياسة التحريرية لهذا الجهاز الذي يهيم في واد آخر يبعد ملايين السنين الضوئية عن تطلعات الناس وقضاياهم.. فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وكذلك التربوية ليست كلّها "تمام" و"عال العال" كما تصورها لنا الحكومة. يجب أن يكون التلفزيون قريبًا من نبض المواطن وهمومه اليومية، وأن يحقق الرسالة الإعلاميّة المنشودة منه، وأن يُعطى الخبز فيه لخبازه حتى لا نصدم يوما بغياب نشرة الأخبار؛ التي لم ينتبه لغيابها إلا قلة قليلة بسبب عزوف المشاهدين عنه بعد أن تحول إلى "شاشة غشّاشة" ومحض بوق فقط للحزب الحاكم.

Rate this item
(0 votes)
Read 69 times

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001