الأخبار
Time: 2:29

د.محمد حبيب يكتب: (دموع الجميلة)

الأحد, 28 تموز/يوليو 2019 09:28

يذهب الناس الى حدائقنا الغناء؛ ليمرحوا والى متنزهاتها الخضراء؛ ليستريحوا من عناء الحياة وتعب الأيام، وييحثُ آخرون عن السرور على ضفاف نيلنا الخالد، فيحتسون القهوة ويشربون الشاي بالماء الزلال، ويجد البعض متعتهم في أسماك بلادنا ولحومها العذراء...

وعندما تُلبّدُ الغيوم سماء الخرطوم، وتنزل دَفعات المطر، وتغيبُ شمسنا الحارة، يُسرعُ كلٌ إلى قضاء يوم الدّجن في لذاته وشهواته، عند اذن تُهرولُ خطانا إلى آسرة أفئدتنا، وسالبة عقولنا، ومحط آمالنا وأحلامنا (جامعة الخرطوم) فنجد فيها مانريد من روعة اللقيا، ومتعة الأنس فَنُذهل لحسنها نهاراً، ونقضي وطرنا منها ليلاً،لمَ لا؟! وهي الجميلة...

دخلتِ على تاريخنا ذات ليلةٍ     فرائحة التاريخ فلٌ وياسمين

وكنتِ فكانت في الحقول سنابلٌ   وكانت عصافيرٌ وكانت رياحين

لمستِ أمانينا فصارت جداولاً   وأمطرتنا حباً ومازلتِ تمطرين.

   جامعة الخرطوم يزين رأسها تاجُ العلم، وتنير وجهها عقولُ علمائنا من كل فن...

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا ياجرير المجامع

وتُرصّعُ جيدها لآلئ السودان...

مين في الدنيا دي أجمل من بناتنا *** الليهن قلوبنا والفيهن صفاتنا

             الكامنات في روحنا والعايشات في ذاتنا

ويُبرِزُ صَدرها في وجه الظلم مدى الأيام أبناءُ شعبٍ كريمٍ أبيّ...

من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنىً أن يعيش وينتصر

من غيرنا ليُقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسِير

فيا أشجار بلادي أراكِ مورقة؟! وياشمس بلادي أراكِ مشرقةً؟ ويا أقمارنا أتتبرجين؟ وياأنجمنا أتتلألألين؟ ويامزن بلادي أتُمنين؟ ويا أرض بلادي أتحبلين؟ وجامعة الخرطوم تذرف الدمع السخين...

أضاعوني وأي فتى أضاعوا   ليوم كريهة وسداد ثغرُ

وياليلنا ونهارنا أتتعاقبان؛ ليمضي الزمان، وعينا الجميلة تفيضان...

أدعُ الزمان لنصرتي ويسوءني

إنّ الزمان من المروءة خالِ

شعبنا الكريم:

   عهدناك حرّاً وفيّاً تقابل الحب بالحب، والإحسان بمثله، والمشاعر الطيبة بأطيب منها، فلك الشكر أجزله على كل دمعة حزن ولوعة أسى لخادمتك وأم جامعاتك...

إنّ المعارف في أهل النّهى ذمم.

المناط بهم حمايةُ الوطن والجامعة كان ذلك في مقدورهم أول الأمر...

ولم أرَ في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام...

وأما آخر الأمر، فكانوا هم الخصم والحكم، أنقصوا أعمارنا وأجدبوا ديارنا...

وإنما تنقص الأعمار في وطن يغتاله الفقر أو يغتاله الخطر...

ما أصاب الجامعة من اعتلال، والوطن من أهوال، يجعل الطيور تهجر أوكارها الآمنة، والأزاهير رياضها اليانعة بحثاً عن عيشٍ كريم، وحضنٍ رحيم ولسان حالهم...

سأترك منزلي لبني تميم. وألحقَ بالحجاز فأستريحا

جامعة الخرطوم أمٌّ رؤوم عقّها بعض أبنائها منهم من تولى إدارتها على حين غفلة، يُدير شأنها في الحوالك ويُدبر أمرها بليل، نصبح في عهده على قرار ونمسي على آخر ولانستشار...

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم ولايستأذنون وهم شهود

هجر الجامعة وأعرض عنها، فلما أصابها ما أصابها برز في ثياب الواعظين؛ ليلقي اللوم على المعتصمين أنهم خربوها...

إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعيّر قسا بالفهاهة باقل

وقال السها للشمس أنت خفية وقال الدجى للصبح لونك حائل

وطاولت الارضُ السماء سفاهة وفاخرت الشهبَ الحصى والجنادل

فيا موت زُر إن الحياة ذميمة. ويانفس جدّي إن دهرك هازل

طلاب الجامعة، لاتحزنوا وواصلوا رحلة مجدها بهمة لاتعرف اليأس وارادة تقهر المستحيل...

‏النمل تبني قراها في تماسكها *** والنحل تجني رحيق الشهد اعوانا‏

أقبلوا على محبوبتكم، إلى خصل شعرها فلاطفوا الفنون، وإلى خديها فقبّلوا الأدب، وإلى شفتيها فارشفوا شهد العلوم، وإلى صدرها فاعصروا الفكر والثقافة، وإلى خصرها فداعبوه بأنامل مخملية؛ لتمسوا نسائم الحرية، فأنتم من تراودون الجميلة؛ لتنالوا منها مايُنال،أنتم رحيق أسحارها وشذى صباحها وعبير نهارها ومسك أصائلها وعطر أُمسيّاتها وصندل لياليها...

ياجنة الخلد التي تاهت على. ذات العماد بوحيها السلسال

لولا هواك رحلت عن بلد به. ذهب الأديب ضحية الإهمال

لكنّ حبك قد تملك خاطري. ومشاعري القصوى فضاق مجالي

لو وحّد اللّه الجمال ببقعة. ماأمّا غيرك عاشق لجمال

لازلت ضاحكة الزهور مليئة. في كل ناحيةٍ رفيف ظلالي

عبقت رياح المسك حين تكسرت. في شاطئيك نسائم الآصال

أصبُ اليك وأتقي مافيك من   حسن يُروّعني وسحر دلالي

جادت عليك من العوارف ديمة. تسقي العقول بمزنها الهطال

وبدوت في فلك المعالي كوكبا. ملأ الوجود ضيائه المتلاليء

وملأت عصر المدهشات غرائبا تبقى مسطرة على الأجيال

قسما بآيات الودود وماجرى. بيني وبينك في الزمان الخالي

ماصدني عنك الصدود ولا الجفاء. يوما وماخطرت سواك ببالِ

وسيذكر التاريخ حبي عندما. تتلى عليه صحائف الأعمال

ماكان لمثلي أن يخط أسطراً عن الجامعة ودكتور الحبر يوسف نور الدائم ودكتور عبد الله محمد أحمد حيّان يرزقان من اللغة، ودكتور الصديق عمر الصديق ينبض قلبه بالأدب، والأستاذين سفيان علي آدم وأسامة تاج السر تجري دمائهما بحلوِ الحديث وعذب القريض، تمشي كلماتي على استحياء الى جنب حروف أساتذتي،ويرتعش يراعي حينما يتذكر سطوتهم العلمية وهيبتهم المعرفية...

وَابْنُ اللَّبُونِ إذَا مَا لَزَّ فِي قَرْنٍ *لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبَزْلِ االقناعيس

لكن!!ألحت عليّ قريحتي وحثني حبي الصادق للجامعة على أن تتواضع عباراتي وتعجز أحرفي وكلماتي عن تسلق قمة العلم والعلماء.....

سحائِبُ روحي بالشجونِ نوازفُ

ونيلُ حُروفي مُطْرِقُ السطرِ، واجفُ

أطوفُ بعينيكَ.. الحنينُ يلوكُني

فتنهبُ عيني البارقاتُ الرّواجفُ

تغرَّب قلبي عن مدائنِ وحيِهِ

فغصَّت بأنّاتِ الحروفِ الصحائفُ

يتيمٌ، كفيفُ الخطوِ، رهنُ مواجعٍ

يراعٌ على حَدِّ التولُّهِ واقفُ.

لك الشعرُ، والبحرُ المسافِرُ في الرؤى

ورفَّةُ وجدٍ هيّجتهُ العواطفُ

لكِ الشعرُ، والبحرُ المسافِرُ في الرؤى

ورفَّةُ وجدٍ هيّجتهُ العواطفُ

لكِ العهدُ والوعدُ المُشجَّرُ بالمُنى

وفوق قطوفِ البوحِ ما اللهُ عارفُ

... وابل قبلاتي لفاتنتي جامعة الخرطوم.

ولو أن المجال مجال سرد لأطلقت اللسان بما يزين

ولكنّ اللسان له قيود

فمهلا سوف تطلقه السنين.

*كلية الآداب- ىجامعة الخرطوم- الخميس ٢٥ يوليو٢٠١

Last modified on الأحد, 28 تموز/يوليو 2019 09:40
Rate this item
(0 votes)
Read 185 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001