الأخبار
Time: 7:39

محمد القاضي يكتب: المجلس العسكري الانتقالي، الى أين؟

السبت, 20 نيسان/أبريل 2019 10:23

ثمة شواهد عديدة في الساحة السياسية لما بعد عهد البشير، تدعو للتساؤل عن أداء المجلس العسكري الحاكم الآن، وفرص إستمراريته فاعلآ في الساحة السياسية. هل هو مجرد مؤسسة إنتقالية للحكم بين عهدين مهمتها إنتزاع السلطة وتحييدها؛ ومن ثم تسليمها للقوى المدنية التي أدارت الحركة الثورية؟ ثمة شواهد عديدة تدلل على أن المجلس في طريقه للتحول الى فاعل رئيس ومستدام الحضور في الساحة السياسية، هذا إذا سلمنا جدلآ أن ذلك لم يكن في مخططهم الأولي . أولى هذه الشواهد هو ترفيع قائد قوات الدعم السريع الى رتبة الفريق أول و تعيينه نائبآ لرئيس المجلس، وإبتدار حملة إعلامية لتلميع قوات الدعم السريع عبر برامج تلفزيونية وكتابات صحفية.

وثانيها هو تصريح رئيس اللجنة السياسية للمجلس الفريق أول عمر زين العابدين أن الناس هي من جاءت للجيش تطلب منه التدخل، وبالتالي يفترض هنا رئيس اللجنة السياسية أن هذا الأمر بمثابة تفويض شعبي للجيش بإدارة الشأن السياسي.

ومن اللافت للإنتباه أن المجلس قد أنشأ أربع لجان. حيث باشرت اللجنة السياسية عملها بعقد لقاء مع القوى السياسية خارج دائرة قوى إعلان الحرية والتغيير والتى وقفت خلف الثورة ، التي كان من الأولى الدخول معها في تفاوض و مشورة دائمة، وبالتالي لا يمكن تفسير هذه الخطوة من المجلس ممثلآ في رئيس اللجنة السياسية والمحسوب على الإسلامويين، إلا بوصفها محاولة لخلط أوراق الساحة السياسية وتحييد قوى الثورة كي لا تنفذ أهدافها الثورية للتغيير الجذري .      

من جهته إبتدر رئيس اللجنة الإجتماعية الفريق أول طيار صلاح الدين عبد الخالق ، نشاطآ واسعآ في تلمس قضايا: الصحة والتعليم والرياضة وغيرها؛ إذ عقد عدة لقاءات مع وكلاء الوزارات المعنية، وهذه شؤون تهم الحكومة المدنية الواجب تنصيبها ولا تخص المجلس بأي حال!

وبالعودة للمؤتمر الصحفي الذي عقده الناطق باسم المجلس الفريق أول شمس الدين الكباشي فإننا نلحظ أن أولى القرارات التي تلاها على الإعلاميين و التي أقرها المجلس في اجتماعه الأول؛ هي إنشاء لجنة لمراجعة قانون النظام العام ! في حين أن هناك قضايا أكثر أهمية و أولى بالتوجه لها ، إن كان ولابد، مثل: إعادة النظر في قانون جهاز الأمن الوطني. وفي ظني أن المجلس أراد بذلك التأثير على الرأي العام عاطفيآ؛ بمخاطبة بعض شواغله التي كانت مثار جدل و إنتقاد إبان العهد البائد. ومن الواجب التذكير هنا أن تجاوزات شرطة النظام العام إستندت على مواد في القانون الجنائي خاصة في مواجهة النساء، مما يعني أنها تجاوزت قانونها المحدد لمهامها وحدود سلطاتها. إذآ المشكلة ليست في قانون محدد وإنما في جل المنظومة العدلية التي تبيح لأفراد هذه الشرطة الترصد وتحويل القانون أداة ابتزاز                                                                                وتؤكد السياسة لإعلامية للمجلس حاليآ خاصة في قطاع التلفزيون على ما إفترضناه ، حيث يتم إدارتها عبر الإعلام العسكري ممثلآ في الناطق باسم الجيش و الناطق باسم قوات الدعم السريع العميد الصوارمي، واللذان يشرفان على التلفزيون بصورة مباشرة ويتم بوضوح توجيه الاستطلاعات والبرامج في إتجاه مدح المجلس العسكري وضرورة بقائه وإكمال فترته المقررة ، كما أفصح عنه بيانه التأسيسي. ومن جهة اخرى يتم القدح في الأحزاب السياسية و الدعوة لترك أمر اختيار الحكومة المدنية للمجلس، على أن تكون حكومة تكنوقراط من المحايدين و يرأسها شخصية مستقلة.

في ظني أن المجلس الآن يسعى في تأسيس قاعدة سياسية شعبية داعمة له، ويأمل في تلقي التأييد من بعض القوى السياسية، لتطبيع الحياة السياسية تحت دعاوى: ضرورات الأمن والإستقرار والعمل التي ستتعارض بالضرورة مع أهداف الثورة والإرادة الثورية للثائرين الشباب، وبعض القوى السياسية والاجتماعية، خاصة : الفئوية والجهوية، كالمرأة و قوى ما يعرف بالهامش و التي ترغب في إحداث تغيير جذري في بنية الدولة السودانية و موجهاتها القيمية.

ونشهد الآن إرتباكآ واضحآ في أداء المجلس تجلى في تعيين وكيل للإعلام وإقالته بعد سويعات من تعيينه؛ حيث صرح رئيس المجلس لصحيفة الجريدة أنه لم يكن يعلم خلفية الرجل الحزبية، أي إنتمائه للمؤتمر الوطني! وهو أمر غريب، ويعني أن هناك في المجلس من رشحه _ وبلا شك من الإسلامويين _و تم إقرار الأمر ثم وصلت المعلومة لرئيس المجلس فبادر الى إلغاء القرار. وإن كنا نرجح أن الإحتجاجات من الوسط الإعلامي قد وصلت إلى أسماع رئيس وأعضاء المجلس فبادروا إلى إلغاء القرار تفاديآ لآثاره السالبة على صورتهم أمام الرأي العام. حادثة أخرى أربكت المجلس و هي ما تردد من أنباء عن زيارة لوفد وزاري قطري، أدت الى إقالة وكيل وزارة الخارجية بدعوى أنه صرح بذلك دون إخطار المجلس! في حين أن المجلس قد فوض الوكلاء بالقيام بشؤون الوزارات الى حين تعيين الحكومة، ومن ثم و في ظني أن هذا عائد الى رغبة رئيس و نائب رئيس المجلس في الابتعاد عن المحور القطري، وتدعيم العلاقات مع المحور السعودي الإماراتي، لسابق علاقاتهما ودورهما في تنسيق إرسال القوات السودانية الى اليمن سواءآ من الجيش أو الدعم السريع. ويمكن القول أن المجلس معرض لإنفراط عقده بإبعاد الإسلامويين من عضويته، نتيجة طموحات وإرتباطات الرئيس ونائبه بالمحور السعودي الإماراتي، الذي سيلقي بدعمه لهما في سبيل التخلص من الإسلامويين وقطع الطريق على أي دور للمحور القطري التركي في السودان.

كما يمكننا ربط ذلك بزيارة وفد الحركة الشعبية لدولة الإمارات، وما خطه ياسر عرمان في مقاله الأخير والمعنون : معلومات جديدة عن الثورة والثورة المضادة والمجلس العسكري، وفي هذا المقال يشير عرمان بوضوح الى أن (هناك قوى إقليمية لا ترغب في عودة الإسلاميين ... وعلينا التعامل معها بلا تحفظ لأن حركات الإسلام السياسي لها حلفاء إقليميين). ويخاطب عرمان المجلس مغازلآ رئيسه و نائبه : (ومن مصلحة المجلس العسكري ممثلة في الرئيس و نائب الرئيس التحالف مع الشارع في شراكة طابعها الحكم المدني الديمقراطي ... وهذا هو البرنامج الذي يمكن أن يحرر شعبنا من دولة التمكين و يقضي على الثورة المضادة ).. ونكاد نجزم أن هناك الآن خط إتصال مفتوح بين رئيس المجلس و نائبه _بوساطة إماراتية _والحركة الشعبية ممثلة في وفدها الذي زار الإمارات للتوصل لتفاهمات حول قضايا الفترة الإنتقالية. وسيؤدي ذلك بالضرورة الى ابعاد الإسلامويين من المجلس والذين سماهم عرمان بالإسم وعلى رأسهم عمر زين العابدين.                 فهل ستجد رؤية الحركة الشعبية، التي عبر عنها عرمان في مقاله الذي إنتقينا بعض ما جاء فيه، ويمثل فكرته المحورية، قبولآ لدى الأطراف المكونة لإعلان الحرية والتغيير، مع ملاحظة فجوة الثقة التي برزت مؤخرآ بين تحالف قوى الإجماع الوطني من جهة وتجمع المهنيين وقوى نداء السودان من جهة اخرى، والتي أدت الى بطء إيقاع التحالف الثوري، وتركه الساحة السياسية ليتحرك فيها المجلس العسكري، والقوى المضادة للثورة، وتلك الحذرة من مآلات الأمور، التي يمكن أن تؤدي الى تلاشي أي دور لها مستقبلي في المشهد السياسي مثل المؤتمر الشعبي.

إن تصريح نائب رئيس المجلس العسكري، وقائد قوات الدعم السريع بالقطع بعدم عودة القوات السودانية باليمن إلا بعد إكتمال إنجاز مهامها؛ لا يمكن أن يصدر إلا عن ثقة ببقاء المجلس على سدة الحكم بطول الفترة الإنتقالية؛ ويستند في ذلك على نفوذ قواته و قدرتها من جهة، ومن اخرى على تحسين صورته لدى الرأي العام والتي دعمها بإعلان حيادية قواته لدى بدايات الحراك الثوري و أثنائه، ودوره في إقالة البشير ومن بعده ابن عوف وكمال عبدالمعروف.

و ختامآ نتساءل : هل سيجد هذا التوجه الذي أوضحناه وفق الشواهد التي أوردناها القبول لدى الشارع السياسي الثوري و الذي إرتفعت لديه روح الوطنية ، و تقدير الذات الرافضة للإملاءات الخارجية . فضلآ عن أنه لا ينبغي التغافل عن طموحات (حميدتي) الواسعة والمتعددة النشاطات، والذي سيتوفر على سلطة مانعة من محاسبة قواته وضبطها، وخضوع أنشطته التجارية للتدقيق و المراقبة.

Rate this item
(0 votes)
Read 223 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001