الأخبار
Time: 2:25

محمد أحمد شقيلة* يكتب: محاضرة توعويّة لشباب الثورة لفهم ما يدور حولهم

السبت, 20 نيسان/أبريل 2019 07:39

تجمع المهنيين السودانيين والجيش بين مطرقة الثورة المضادة ومحاولة الأحزاب لسرقة الثورة

هنالك رواج لبعض الأقوال منذ تولي عبد الفتاح البرهان لرئاسة المجلس العسكري الإنتقالي يأتي في مقدمتها الرفض للبرهان في نفسه بإعتباره جزء من نظام الإنقاذ مثله في ذلك مثل سابقه ابن عوف، ورأي آخر رافض لحميدتي وقوات الدعم السريع، ورأي ثالث رافض لوجود مجلس عسكري من أساسه في تشكيل الحكومة الإنتقالية، وهذا بجانب ذلك الرأي الذي يروِّج إلى أن تجمع المهنيين مُتعنِّت ومُتصلّب ، ولا يريد أن يتمتع بقدر من المرونة ، ولا يريد أن تسير الأمور إلى الأمام. تصدر هذه الأقوال والآراء من جهتين هما: عناصر النظام البائد وعدد من الأحزاب المعارضة.

عناصر النظام البائد تعمل على ترويج رفض البرهان وحميدتي ، فوجودهما على رأس المجلس العسكري سيُعيق ، بل وسيُفشل أي محاولات لها للقيام بالثورة المضادة . إذ إن الرجلين ليسا من أبناء الحركة الإسلامية أو منتميان للمؤتمر الوطني ، فبرهان هو ابن القوات المسلحة، وهو مشهود له بكونه عسكري (مهني) ، وليس (حزبي أو سياسي) كابن عوف وكمال عبد المعروف ومن لفّ لفهما ، وهو الأمر الذي يجعله يتمتع بالقبول ويحظى بالإحترام من معظم عناصر القوات المسلحة.

أكثر من ذلك، أنه حتى الرتبة العسكرية الرفيعة التي نالها برهان ، ورغم غرابة حدوث ذلك في ظل نظام مثل الإنقاذ البائد، فقد حظي بها نتيجة لأنه رجل عمل (زول شغل كما يصفه الجنود الذين عملوا معه)، وهو في ذلك من شاكلة كثير من المدنيين والعسكريين الوطنيين العاملين في مؤسسات دولة حكم الإنقاذ من أولئك الذين لا ينتمون إلى النظام ، وفي نفس الوقت يتقلّدون مناصب رفيعة ، فهؤلاء سياستهم مع الإنقاذ (لسنا معكم ولن نمرر شئ خطأ أو غير قانوني)، وفي نفس الوقت يعرفون (الإخلاص في عملهم) ، فأمثال هؤلاء كان النظام البائد يستبقيهم طالما أنه مستفيد من مجهودهم وخبراتهم في إدارة مؤسساته، وطالما كانوا لا يشكلون خطراً عليه سيما أنهم قلّة ومتفرقون خاصة أن عناصره لا تعمل ولا تمتلك الخبرات ولا تفعل شئ خلاف اللهث وراء السلطة والمال أينما وجدا.

شهادة للتاريخ أن برهان: رجل وطني، وأنه ابن السودان وليس ابن الإنقاذ أو المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية ، ولذلك تُروّج عناصر منظومة الإسلام السياسي برُمّتها لرفضه لرئاسة المجلس العسكري. أما ترويجها لرفض حميدتي، ويشاطرها في ذلك دون وعي وبدافع العاطفة وليس العقل ، قطاع من التنظيمات السياسية المتبنّية لقضية أقليم دارفور العادلة، فهو يرجع لعدد من الأسباب يأتي في مقدمتها كونه لا ينتمي للحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني أو لأي واجهة من واجهات الإسلام السياسي، وشأنه في ذلك من شأن برهان. كما وأيضاً لأن حميدتي لديه خلافات كثيرة مع معظم عناصر النظام البائد، والتي بدأت من عقليتهم المريضة بـ (العنصرية) ومن كيف يُمكن السماح بتسليح قادم من الغرب أو الهامش وبهذا الحجم من القوة العسكرية الضاربة، ففي فهمهم أن القادمون من منابع الهامش أو ممن ينظرون إليهم بأنهم أحفاد للتعايشي، وما شابه من خزعبلات معشعشة في عقولهم المريضة، ليسو أهلاً لأي ثقة، وهو الذي يُفسّر لتلك الحالة الهيسترية حدّ التشنُّج والاغماء التي دخلوا فيها عندما أنتشرت قوات الدعم السريع لتأمين الخرطوم مع القوات المسلحة في الفترة الماضية، وتمددها في منطقة وسط وشمال البلاد، بشكل عام ، وذلك بعدما كان تواجدها بعيداً هناك في دارفور والصحاري والسهول السودانية. وبالطبع أن هذه العقلية المُشبّعة بالعنصرية التي يتمتع بها الغالبية من أركان نظام الإنقاذ هي التي أوردت البلاد موارد الهلاك التي تعيش فيها في هذه المرحلة ، والتي أن لم يتصدّى لها الجميع بـ (الحكمة)، فإن الجميع سيهلك لا محالة.

هذا الموقف يقف على رأس قائمة أسباب الخلافات بين عدد من أركان النظام البائد، وقوات الدعم السريع، وقد قام أركان النظام في مناهضتهم لذلك، بشكل (مستتر) بحملة دعائية ضخمة لإشانة سمعة هذه القوات والترويج لذلك بقوة، رغم أن اخفاقات هذه القوات لم تكن ترقى لذلك المستوى المُروّج له. كما وسخروا أجهزتهم الأمنية للقيام بأعمال قبيحة وغير مقبولة، والترويج بأن من قام بها هو قوات الدعم السريع، وذلك من مثل عمليات التقتيل التي قامت بها كتائب الظل أبان إنتفاضة سبتمبر 2013، وحملة حلق شعر الشباب وأزيائهم التي يرتدونها بطرق مذلّة وغيره، حيث كان هؤلاء يعملون بشكل مستتر على الترويج بأن من يقوم بهذا هو قوات الدعم السريع، وهي التي كانت بريئة منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

بالتأكيد تُشاطر عناصر النظام في هذه العقلية والنظرة لقوات الدعم السريع الأحزاب المركزية المعارضة التي تعمل الاَن، باستثناء واحد لحزب المؤتمر السوداني الذي يُجاهر بـ (النضال) ضد هذا الشكل من العنصرية وضد (العنصرية المضادة) كذلك، وهذا من باب الإنصاف لا أكثر. أما حزب المؤتمر الشعبي، ذاك غير المعروف في أي الصفوف يقف الاَن، فهو في حقيقته مُصنّف بأنه حزب أبناء الغرب والهامش في الحركة الإسلامية، وهذا بـ(الحقيقة العارية).

سبب آخر أكثر قوة عمل على تعميق الخلاف بين عناصر النظام البائد وقطع بينهم وحميدتي شعرة معاوية يتمثل في ما قاموا به من تلك العملية الأمنية القذرة لإعتقال الشيخ موسى هلال ليس من دون علم حميدتي وحسب، بل وأن تنفيذها أقتضى اغتيال ذراع حميدتي الأيمن الذي كان يعتمد عليه كثيراً وتربطه به صلة دم قوية جداً ، وتصاهر في اَن واحد ، بل وكان حميدتي كان آخر من يعلم بما جرى، فهو لم يكن يتوقع أن يقوم النظام بذلك، بل ولا يمكن لأحد أن يتوقّع أن يفكّر الشيطان ذاته في القيام بذلك: أن يُنفّذ عملية بهذه القذارة، بل واختيار وقت ماكر لا أخلاقي للتنفيذ، وهو مأتم والدة موسى هلال عليها الرحمة.

فالمعروف أن حميدتي كان أكثر حرصاً على عدم الدخول في مواجهة مسلحة مع موسى هلال، وكان حكيما جداً في التعامل معه، وذلك رغم أن موسى وهو في قمة (ثورته) كان قد أساء أليه كثيراً، فقد كان حميدتي رافضاً لاستخدام القوة ضد موسى هلال رغم ضغوط عناصر النظام عليه لالقيام بذلك سيما أن ذلك سيحقق لهم أهداف كثيرة أخرى ذات أبعاد عنصرية وعرقية وأمنية في نفس الوقت، وكان الرجل يبحث عن حل للمشكلة بعيداً عن استخدام العنف.

هذه هي الحقائق التي يجب أن تقال في حق قوات الدعم السريع وقائدها حميدتي، رغم وجود عدد من التحفظات عليهما في جوانب اخرى، وهي الحقائق التي تُفسّر (جزع) أهل النظام البائد من أن يكون حميدتي عضو في المجلس الإنتقالي، وقد انقلب جذعهم هذا إلى (هلع) بعدما تم اختياره نائباً لرئيس المجلس العسكري، فهذا المنصب، لمن يفهم ، فإن مسؤولية من يتقلّده هي بالمختصر (تفكيك الدولة العميقة للانقاذ، وحميدتي يُعتبر أهلٌ لذلك، بل لا يوجد أحد خلافه في هذا الوقت يُمكنه أو في أستطاعته القيام بذلك، وهو ما سيقوم به حميدتي بـ (أمتياز)، ولكن بـ (القانون) وكما قال هو نفسه لذلك في آخر لقاء جمعه بقواته، والذي كان مصوّراً.

كذلك ليكن في علم الجميع أن حميدتي رجل (بدوي أصيل)، ولمن يعرف البدو جيداً ، فإن البدوي ليس من شيمه الغدر، بل أن أهم صفاته هي (المواجهة). كما أن البدوي لا يعرف الكذب البتّة أو المرواغة، فالبدوي (صادق) لا ينطق لسانه ألا بما يعتمل في دواخله حقيقةً.

المراد قوله من ذلك أن على الناس أن تُصدّق حميدتي في كل كلمة يقولها، وفي كل وعدٍ يقطعه أو عهد يُقدّمه، فمن شيم البدو (الوفاء)، البدوي أو حميدتي، لا فرق ، (لا يخون)، فهو لا يهاب شئ حتى إن كان هذا الشيء هو الموت، ولذلك البدو لا يكذبون لا يخونون أو يغدرون حتى وإن كانت النتيجة هي الموت، وذلك ببساطة لأنهم لا يهابونه، بل ويستقبلونه دون ان يطرف لهم جفن.

هذا في مجمله يعني أن البرهان وحميدتي أهلٌ للثقة، وأنهما مع الثوار وشعب الوطن، ويعملون لأجلهم، ولا علاقة لهما ، على الأقل منذ الإطاحة بالبشير، بالنظام البائد، وبل أنهما سيعملان على تفكيك منظومته بكل صرامة دون تهاون أو تراخي، وهذا هو السبب في لماذا قام النظام بتنفيذ (مسرحيته) عبر ابن عوف وعبد المعروف، ولم يختار لها برهان وحميدتي، فهو يعلم أنهما لن يقبلا القيام بمثل هذا الدور لصالحه، وهذا ناهيك عن أن النظام البائد كان لا يمكن أن يُقدم على مثل هكذا أمر ، لأن الرجلان لا ينتميان لحزبه ولا ينتميان لمنظومة الإسلام السياسي الواسعة حتى.

هذا يفسر، من جانب آخر، تلك الأسباب التي قدمها عدد من فصائل المعارضة في التشكيك بالرجلين ورفضها لوجود مجلس عسكري ، وذلك بشكل مبسط يعود إلى أن وجود مجلس عسكري، خاصةً حال كان يقوده البرهان وحميدتي، فإنه سيعيق هذه الأحزاب المعارضة من تنفيذ مخططها لسرقة الثورة من تجمع المهنيين والثوار والجيش أصحاب الثورة الحقيقيين، وكما قامت بعملية السطو على ثورة أكتوبر 1964 و أبريل 1985، وحولت كلاً منهما إلى إنتفاضة، ولم تُحدث أي تغيير يذكر، فالأحزاب كانت مشغولة بالصراعات حول السلطة واقتسام الغنائم والامتيازات السياسية منذ توليها الحكم وحتى سقوطها عبر الإنقلاب العسكري.

وواضح أن هذه الأحزاب قد شرعت الاَن في تنفيذ مخططها لسرقة الثورة الحالية، وهو المخطط الذي تعتبر من العقبات التي تقف أمامه أن تشمل الحكومة الانتقالية مجلس عسكري، ولذلك تقوم هذه الأحزاب (اللصوصية) بعملية التشكيك في البرهان وحميدتي باعتبارهما رجلين قويين لن يسمحا لها بذلك وترفض وجود حكومة تضم مجلس عسكري.

ولا بأس هنا من رمي رسالة في صندوق بريد الثوار من أهل دارفور وقيادتهم يقول نصها: (دعونا ننظر لبرهان وحميدتي بشكلهما الحالي، ودون أن يعني ذلك مسامحتهما على أي شيء ترون أنهما اقترفوه بحقكم في الماضي، فبالنسبة لبرهان، فإنه لا يوجد ضابط رفيع في القوات المسلحة لم يشارك في القتال بإقليم دارفور حتى يمكننا الإتيان به ليرأس المجلس العسكري. كما أن عدوكم الحقيقي هو المؤتمر الوطني ونظام حكمه، وليس حميدتي الذي سخّره النظام ضدكم، وهو الذي الآن أصبح منوط به دور تصفية ذات النظام ومؤسساته وتقديم عناصره للعدالة. لا يُمكن أن يُملي أحد عليكم شيئاً، لكن هذا لا يمنع من القول إن كنتم لا تقبلون بحميدتي فهذا حقكم، ولكن على الأقل لا تقفوا ضده في هذه المرحلة، ولنتفق على أن الحساب ولد ولكن ليس هذا وقته).

كما يعمل عدد كبير من أحزاب المعارضة على الترويج وسط الثوار، ويشاركها في ذك عناصر النظام البائد، بأن تجمع المهنيين مُتعنّت ومُتصلّب ولا يريد الوصول إلى حلول، وهذا بغية أن يفضّوا من حوله ما يستطيعون من أنصاره والملتفّين حوله والمؤمنين ب ، وذلك على الرغم أن العكس هو الصحيح ، حيث أن تجمع المهنيين قمة في الحرص على عدم ضياع حق واحد من حقوق الثورة، ويعرف أن خطأ واحد ستكون نتيجته خسران الكثير، ويعرف أن المسألة ليست لهفث خلف السلطة أو المناصب كما تفعل هذه الأحزاب، بل أن المسألة بالنسبة له أكبر وأهم وهي أنها مسألة: بناء وطن، وهي لذلك تتطلب منه عدم العجلة في شئ، لا يهمه متى نصل والمهم بالنسبة له فقط أننا نسير إلى الأمام، صحيح نسير بخطوات بطيئة ولكنها ثابتة، ولا مجال للهرولة مثل بعض الأحزاب التي تستعجل السلطة وسرقة حد تقديمها مقترحاً لحكومة انتقالية تتكون من مجلس سيادي ومجلس وزراء وبرلمان ، بالله عليك قل لي كيف يمكن أن تكون هذه حكومة (إنتقالية) ، وألا فقل لي كيف سيكون شكل الحكومة بعد الفترة الإنتقالية إذن؟ هذه حكومة (مكتملة) وليست انتقالية. كما ويمكن الملاحظة بوضوح أن هذا المقترح لا يشمل مجلس عسكري، وتُقدّم هذه الأحزاب تبريرات مضحكة لذلك أو أنها تفترض في الناس الغباء. نقول لهم من الآخر : لا مجال لسرقة هذه الثورة من قبلكم هذه المرة ، وكفوا عن محاولاتكم اللصوصية هذه، فهي فاشلة مُقدّماً.

هذا هو الذي يدور الاَن، والذي يقول بأن على المجلس العسكري أن ينفّذ إعلان الحرية والتغيير بحذافيره وأن يعمل على حل حزب المؤتمر الوطني باعتباره أهم مؤسسات الدولة العميقة التي يجب تفكيكها، بل وأخطرها على الثورة من خلال أنه قد يقوم بـ (الثورة المضادة)، لكن دون أن يتم حجر أو حظر على حركة الإسلام السياسي.

وعلى أن يقوم تجمع المهنيين بالاتفاق مع المجلس العسكري على تكوين مجلس وزراء من (التكنوقراط)، وعلى أن تكون سلطتيّ المجلسين (متوازية)، أي لا سلطة لأحدهما على الآخر، سلطة المجلس العسكري أمنية كما ورد في البيان الأول للبرهان، وتؤول السلطة السياسية لمجلس الوزراء. وعلى تجمع المهنيين التنازل عن مطلبه بـ (حل جهاز الأمن والمخابرات) وأن يكتفي بالمطالبة بفصله إلى جهاز أمن داخلي يتبع لوزارة الداخلية وجهاز أمن خارجي، وكما كان في السابق مع إعادة هيكلتهما وإصدار قانونين جديدين لهما، لا يمكن حل جهاز الأمن والمخابرات، هذا كان خطأ كبير وقعت فيه الحكومة الانتقالية في العام 1985، ودون تفصيل.

وعلى الثوار الأبطال دعم اتجاه تكوين حكومة انتقالية بهذا الشكل إن أرادوا ألا تنجح الثورة المضادّة أو ألا تسرق أحزاب المعارضة منهم ثورتهم، وإن أرادوا أن يتحقق حلمهم بسودانٍ جديد حرّ مُشرق ومزدهر، وعليهم أن يقولوا للأحزاب لنلتقي معكم بعد توصلكم لاتفاق سلام مع نظرائكم في المعارضة المسلحة، وبعد أن تتفقوا في جميعكم على وضع دستور دائم محترم يليق بحكم السودان العظيم، وتنافسوا من بعد ذلك في الانتخابات، ومن يفز نسلمه السلطة، وينتهي عندها دورنا ودور قيادتنا تجمع المهنيين ودور الجيش شريكنا في الثورة.

أيها الثوار أما أن يحدث هذا كما هو أو فأعلموا أنه: أما أن نجحت الثورة المضادة أو سرقت الأحزاب ثورتكم، وحينها لا تلوموا ألا أنفسكم. ألا قد بلغت - اللهم فاشهد.

*محاضر بقسم العلوم السياسية – جامعة بحري

Rate this item
(0 votes)
Read 231 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001