الأخبار
Time: 4:53

أتيم سايمون يكتب: المتاهات

السبت, 02 آذار/مارس 2019 11:20

بدلا من ان تعمل الاطراف الموقعة على اتفاق السلام لجنوب السودان من اجل دخول الفترة الانتقالية بروح جديدة عنوانها السلام والمصالحة و الاستقرار، إلا انها اختارت الدخول في متاهة لامتناهية من الانقسامات التي قد تلقي بنتائج سالبة علي العملية السلمية برمتها، الشيء الذي يعكس غياب الارادة السياسية المخلصة لتنفيذ اتفاق السلام، من خلال ملاحظة أن التطورات الاخيرة التي وقعت داخل فصيل المعارضة المسلحة التابع لتعبان دين.

والتحركات التي تحدث داخل كيان الحركة الوطنية بقيادة كوستيلو قرنق، وعملية اعادة التوحيد الجزئية التي جرت بين بعض فصائل حزب الحركة الشعبية الحاكم، يبدو واضحا من خلال تلك التطورات. إن هناك ثمة محاولات جادة تقوم بها بعض الاطراف للاجهاز على اتفاق السلام، عبر إضعافها وإفراغها من مضمونها حتي تنخفض الى مستوى التفاهمات العادية، لعدم توافق مصالحها مع ان تكون هناك تسوية حقيقية تصب في صالح تحقيق الاصلاحات المؤسسية، والمحاسبة والتحول السلمي في جنوب السودان.

   بدأت أولى فصول هذه المتاهة السياسية في مرحلتها الثانية، التي اعقبت إنقسام تحالف احزاب المعارضة الشهير (سوا) لثلاث مجموعات متفرقة تحت قيادة ( شانغسون، لام أكول، وتوماس سريلو) ، وقد توقع الذين قاموا بتدبير ذلك الانشقاق ان الأمر سيتوقف على ذلك، بعد ان حققوا انجازا يهدف لاقصاء أحد الاطراف وإبعاده من حلم الاقتراب من منصب نائب الرئيس الذي خصصته اتفاقية السلام للمجموعة، لكن الساقية لم تتوقف عن الدوران كما توقعوا، سيما بعد ان قامت مجموعة من الاعضاء السابقين من حركة كوستيلو قرنق بتنصيب السلطان عبد الباقي ايي رئيسا للحركة والجنرال اقانج عبد الباقي، قائدا لقواتها، ولم تكن تلك مفأجاة كبيرة لكل متابع لما يدور داخل المجموعة، لتتعقد بذلك حساباتها ايضا في امكانية إدراك (كرسي) نائب الرئيس الذي خصصته الاتفاقية لمجموعة (سوا)، لتقع بذلك ضحية لذات التكتيك الذي استخدمته قبلا في ابعاد مجموعة لام أكول من التحالف، وحينما تتشابه الادوات المستخدمة في اي عمل، فذلك يؤكد على ان من قام بذلك الفعل هو شخص واحد.

   أمس الاسبوع الماضي، اعلنت مجموعة كانت منضوية تحت الجنرال تعبان دينق قاي، نائب رئيس الجمهورية، وبقيادة الجنرال قاتهوث قاركوث، سحب الثقة عن تعبان دينق وتنصيب قاتهوث رئيسا لها، هنا بالعاصمة جوبا خلال مؤتمر صحفي محضور، شارك فيه اعضاء بالبرلمان وقيادات سابقة من مجموعة تعبان دينق، في خطوة لم تكن فقط مفاجئة لأي مراقب، لكنها طرحت بدورها أسئلة جديدة حول منصب نائب الرئيس ذات نفسه، الذي قالت انه سيذهب الى مجموعة المعارضة المسلحة المتحالفة مع الحكومة، ولم تحدد الاتفاقية شخصا بالاسم، بل تركت الباب مواربا امام اي شخص ترشحه المعارضة المسلحة المشاركة في الحكومة، وقد حرص الجنرال قاتكوث أن يختار لمجموعته ذات الاسم الوارد في اتفاقية السلام، وذات المؤسسة التي يحق لها ترشيح الشخص الذي تراه مناسبا لشغل المنصب، وتعيدنا تلك التدابير الي مؤتمر فندق كراون في العام 2016، الذي اعلنت فيه مجموعة تابعة للمعارضة المسلحة ترشيحها لوزير التعدين آنذاك الجنرال تعبان دينق، ليكون بديلا لمشار في الحزب والحكومة، وقد كان. وحاليا يعود قارهوث يستخدم ذات التكيك، وينصب نفسه رئيسا للمعارضة، ويحدد مائة يوم للتفاوض مع الحزب الحاكم بغرض الانضمام اليه بطريقة مستقلة وبعيدا عن تعبان دينق حسبما افاد بذلك في المؤتمر الصحفي، فهل بات قاتهوث نفسه يطمح في منصب نائب الرئيس في الحكومة المقبلة، أم انها مناورة كبيرة منه ومجموعته التي ظهرت معه في المؤتمر الصحفي، للحصول على مكاسب بعد المساومة، لكن مع من ستكون المساومة ياترى؟، الايام وحدها كفيلة بكشف ذلك.

ايضا تمثل وحدة الحركة الشعبية التي تم الاعلان عنها مؤخراً، فصلا كبيرا من فصول المتاهة السياسية بالبلاد، سيما وانها قد جاءت دون ما نصت عليه وثيقة اتفاق اروشا، التي حددت ثلاث فصائل رئيسية (الحكومة، مجموعة المعتقلين السياسيين ومجموعة المعارضة المسلحة التابعة للدكتور ريك مشار)، فما حدث هو ان تعديلا جوهريا قد طرأ علي وثيقة الوحدة الاندماجية الجديدة التي استبعدت مجموعة مشار وأحلت محلها فصيل تعبان دينق الذي لم يكن موجودا لحظة توقيع الاتفاق، وقد هاجمت مجموعة مشار تلك الخطوة واعتبرت انها تعد تقويضا لاتفاقية السلام التي تعد واحدة من الاولويات الضرورية لتحقيق الاستقرار لشعب جنوب السودان، ويجئ هذا ربما لاحساس المجموعة باقصائها من العملية، أو ربما تكون قد (قنعت) من خيرا فيها واختارت ان تمضي ككيان مستقل، تتحدد خياراته مستقبلا في مقابل المجموعة التي توحدت تحت مظلة الحركة الشعبية، وتلك ايضا خطوات تمت بتكتيك إستباقي للمرحلة التي تلي الفترة الانتقالية المقبلة.

     لقد كرست تلك الجماعات جل طاقاتها في ممارسة التكيك كل ضد الأخرى، بهدف اضعافها، وربما إقصائها من الساحة السياسية عبر الاستئثار بغنائم الاتفاق ، وقد استهلك ذلك جهدا وطاقة ذهنية ومادية جبارة منها ، وأهدر وقتا ثمينا في قضايا جانبية، متأكد انه لو تم استغلال 50% منه في دعم تنفيذ اتفاقية السلام، وابتداع افكار جديدة، مثل تلك التي تم استخدامها في التكيكات التي ذكرناها، لساهمت في وضع خارطة حقيقية تخرجنا من جميع تلك المتاهات وتفتح الفرص امام المستقبل الآمن لبلادنا.

Last modified on السبت, 02 آذار/مارس 2019 11:44
Rate this item
(0 votes)
Read 70 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001