الأخبار
Time: 4:53

أتيم سايمون يكتب: الخروج من العدمية الراهنة

الخميس, 21 شباط/فبراير 2019 14:41

لاتتجاوز الحالة السياسية الراهنة التي تعيشها بلادنا، أكثر من توصيفها بالعدمية الكاملة، فهي حالة تعاني من انسداد في النفق المفضي الى الحلول الشاملة، لما يمكن ان نطلق عليه مجازاً بالازمة الوطنية، نسبة لغياب القوى السياسية التي تتولى عبء ومسئولية التحدث باسم الناس العاديين، وإن تكون صوتاً لهم، في المطالبة بالتغيير وإصلاح أوضاعهم، ومن ثم إشراكهم بانفسهم في مناقشة القضايا الوطنية، بصوت عال ومسموع، فاي تحول سلمي مرغوب في البلاد نحو الاستقرار يبدأ مع تشكل الوعي السياسي للمبادرة والعمل وسط الجماهير، بأدوات العمل السياسي السلمي، لتحقيق الغايات المستقبلية المنشودة، من سلام، ووحدة وإستقرار.

إن اتفاق السلام الموقع مؤخرا بين الحكومة والمعارضة، على علاته، يمثل بالون إختبار حقيقي لامكانية ان يتسع الفضاء السياسي لممارسة حقيقية، تحتمل الدفع بدماء جديدة في الساحة السياسية الملبدة بالعديد من الغيوم التي لن تنجلي الا من خلال قيادة حراك جديد، يهدف الى تأسيس كيانات سياسية جديدة، كيانات تؤمن بالعمل المدني السلمي بادواته المعروفة، لإجتراح حلول جديدة، وقد بات ذلك ممكنا بدليل الحوارات والنقاشات المستفيضة التي انتظمت بين الشباب، والتي تنادى جميعها بضرورة إبتدار مرحلة جديدة في العمل السياسي، الذي لاتكون غاياته الاساسية خوض غمار التسويات التي تنتهي بتقاسم السلطة عن طريق المحاصصة ، فتلك غايات تنظوي على تغليب المصالح الفردية التي تنتهي بانتهاء أجل تنفيذ المعاهدة المبرمة، وتلك ثقافة سياسية متوارثة في التاريخ السياسي المعاصر لبلادنا، حيث تعودت النخبة على إختلاق كيانات سياسية الغرض منها الوصول الي السلطة، وهناك ينتهي كل شئ.

ان بلادنا في حالة لتجاوز (الثقافة السياسية لاتفاقيات السلام) التي تنشأ على أساسها أحزاب وحركات سياسية، متكررة من حيث قائمة المطالب والطروحات، التي يتم وضعها على عجالة بغية تكملة الاجراءات المطلوبة للالتحاق بقطار السلطة، وقد وقع الشباب ضحية ذلك الفعل، بشعاراته الثورية البراقة، فمنهم من أصابه الاحباط ومنهم من إستسلم وقام بالتطبيع البراغماتي، بينما قنع أغلبهم من الغنيمة بالإياب.

خلال الفترات الماضية، إنتظمت نقاشات مستفيضة في اوساط الشباب، بضرورة وضع خارطة جديدة للعمل السياسي بالبلاد، لكنها اتسمت جميعها بالطابع النوستالجي الذي يفكر في استعادة ايام العمل الطلابي في الجامعات، وهى دعوة كانت انطلقت بدواعي وغايات متباينة، علاوة على كونها قد انطرحت حين اندلاع الأزمة، وماتسببت فيه من انقسامات جديدة اختبرها معظم الشباب لأول مرة، مثلما انها استندت ايضا على التصنيفات القديمة للكوادر الطلابية في فترة التسيعينيات، ويؤخذ عليها انها كانت تنادى باعادة تكرار التجربة السابقة كما هي، برغم المتغيرات العديدة التي جرت في الساحة السياسية بجنوب السودان بعد الانفصال.

إن ضرورة نشوء تيار سياسي فكري جديد في جنوب السودان، وبالاخص في هذه المرحلة تستدعيه الضرورة الموضوعية من وجهة نظري الضعيف، اذ ان الاطراف الموقعة على اتفاق السلام ستنصرف الي مشاكساتها، وستهتم بالفوائد والمكتسبات التي تعنيها في المقام الاول و الأخير، ليس بحكم تجربة اتفاق اغسطس المنهار أو حتى اتفاق السلام الشامل، فالتجربة بدت عقب اول تسوية سياسية شهدتها البلاد مع اتفاق اديس ابابا للسلام، وكادت ان تكون صفة جينية ملازمة للحركة السياسية في جنوب السودان، وهذا يتطلب نهاية مدركة لاسس المشكلة والحلول التي تنطوي عليها.

ان تجربة العمل السياسي الطلابي بالجامعات، يمكن ان تمثل رصيدا كبيرا امام هذا الجيل المحظوظ جدا، فهو ربما سيكون آخر الاجيال التي ساهمت في الحركة الطلابية التي بدأت في الاندثار الكامل مع انفصال جنوب السودان، وقد لعب جزء منه دورا لايستهان به في القضاء على تجربة العمل السياسي بالجامعات هنا، كجزء من فلسفة حملت اسم (الصراع)، تلك التجربة متفردة لكونها قامت على اساس مدنى داخل الجامعات الت تمثل اكبر مراكز للاستنارة والاشعاع، وهي خبرة فشلت في استعابها الحركة الشعبية، وكافة الحركات المنبثقة عنها، لسبب جوهري ووحيد، بسبب تركيزها على البرامج والإطروحات الفكرية، وليس المغانم الآنية الزائلة، بسبب انها تنطلق في خطابها من (قاعدة وجماهير).

     اتفاقية السلام ذات نفسها تهدف لتذويب القوات التي كانت تعتمد عليها الاطراف كوسائل وحيدة في حربها مع بعضها، وستنتهي حتما الى مرحلة التداول السلمي الديمقراطي للسلطة، لكن الأكثر خطورة في الأمر، هو أن الاتفاق قد يتعرض لهزات عديدة، مثلما ان الجماعات الموقعة عليه بدات الان في الانقسام على نفسها بسبب السلطة، وأموال النفط المبذولة لمنفذي لتك الانشقاقات، لذا فان الساحة ستكون أشد حوجة لإعلان سياسي جديد وبرنامج وطني يؤسس للحل الشامل لازمات الوطن الحقيقية ، ويخرجه من حالة العدمية الراهنة.

Last modified on الخميس, 21 شباط/فبراير 2019 14:50
Rate this item
(0 votes)
Read 86 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001