الأخبار
Time: 8:09

ألاء حسن حسين تكتب: هذا أوان البوح!

الجمعة, 28 كانون1/ديسمبر 2018 06:32

تظهر الخرطوم، وكأنها مكان غريب، تغيرت الشوارع، والأرصفة حتى تلك الابتسامة المفتعلة لم تعد موجودة، أقف متأملة في الحشود الغامضة الثائرة التي تحتشد بجانبي، وأتذكر بأنهم كانوا يسيرون هنا منذ أعوام! حيث ظهرت هذه المدينة بشوارعها الباهتة التي لا خلاص فيها، حفر الارصفة ولوحات الاعلانات في ميادينها التي تعلن عن وعود معلقة كمشعوذة شريرة تلعن كل من يخرج عن طوعها، قذارة الشوارع، الروائح المنبعثة من صناديق القمامة.

كل هذا الإضطراب والفوضى،غلاء الاسعار، انعدام العلاج، التعليم، كل تلك الاشياء كفيلة بجعلي اتساءل ان كانت هذه المدينة تعاقبني لأنني أضيف الى قذارتها، فأنا هنا، حين تبدأ سوداويتها تتسرب الى ومني اليها، فأبدا في الاعتقاد انه ليس هناك ما اقوم به، فأنا جثة لازالت تتنفس، بائسة، حكم على بالسير على أرصفة بقذارتها وهزيمتي! ولكن في كل مرة يراوضني الأمل كطفل يجيد الغميضة، توقفت قليلاً من انشراحي الصبياني ذلك..بدأت الرياح بجلب اصوات هتاف_إذا شئت:(حرية، سلام، عدالة، الثورة خيار الشعب) بدأت بالتركيز من اين يأتي الصوت، أدرت رقبتي بمرونة تشبه دمية اختي الصغيرة المليئة ببقايا القماش..اسمع صوتا اخر يأتي بأقصى شيء رميته بأعماقي:(حارنك نحن ودايرنك، الما من شعبنا ما منك، عشقا جوانا اتارنك، حبا في القلب مضارنك، للشمس حتمشي مبارنك) ..وحي ما يناديني : تعالي! أحرك قدماي بخفة ضوء..فأصل الى ذات المكان، إمرأة في الخمسين من عمرها تضع (صينيتها) المليئة بالفول والتسالي، تحمل بيدها الكثير من أوراق النيم توزعه على المارين وتدعو لهم: (الله ينصركم يا أولادي)..مجموعة من النساء، الرجال من كل الفئات العمرية وكافة مجالاتهم.

وكأن روحا تتلبسني، بدأت اردد معهم ببطئ ويداي ترتجفان، يزداد صوتي اعلى فأعلى، اصرخ كمن تفقد عذريتها وهي مرغمة..(مرقنا مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا)، بجانبي الايسر مجموعة من الشباب، يهتفون، يلعنون، ويقسمون بالانتقام لكل شهيد..اعلم يقينا انهم لم ولن ينزوا في ثياب الحداد...بعد دقائق تمطرنا السماء بوابل من الغاز المسيل للدموع، فبدأوا بالتشتت رغما عنهم افلتت الٱم يد ابنتها ،الابن يصرخ: أختي..والموكب يسير، فجأة وجدت نفسي وسط مجموعة من الشباب لم التقيهم من قبل، تتباطأ انفاسي، لم يعد باستطاعتي التنفس، سقطت على الأرض.. التفوا حولي وكٱنهم يؤدون طقسا دينياً، قام أحدهم بتغطية رأسي بوشاحي بعد أن اشار لإحدى الفتيات برفعه، قامت بوضع قطعة مليئة بالخل وأخرى بالخميرة..بعد دقائق بدأت بالتحسن ..نهضت مفزوعة وعيناي تجحظان، أرى ذات الفتى يسقط برصاص قناص، أصرخ ويصرخ كل من بالمكان..وتبدأ الهتافات من جديد:(بالروح بالدم نفديك يا سودان). الان اصبحت اعلم يا صديقي الثوري الذي لم يمهلني الوقت ان اشتم رائحة عرقه التي فاحت تحت اشعة الشمس دفاعا عن الوطن! أعلم تماما أن الزهر لاينبت في لجة البحر، لكن ينبت على الصخر. .إن الربيع لايزور كل البقاع. أن الطيور تحن إلى اعشاشها حيثما كانت وتتهافت وجدا. ..أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا وطن، وإن هذا الوطن قد يكون ذاتي أو ذاتك، أو قد يكون (الثورة) التي يجب ان تولد وسط الزحام ..وأن الثوار كالغابات من غير رائحة. ..وأن رائحة الغابات أقوى من كل العطور! ولكن تبقى رائحة الغابات عالقة في الفضاء.

آمل ألا تهب الرياح من حيث لا نود أن تهب..

Last modified on الجمعة, 28 كانون1/ديسمبر 2018 06:54
Rate this item
(0 votes)
Read 423 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001