الأخبار
Time: 6:50

عبد الحفيظ مريود يكتب: من حيث أفاض النّاس

الخميس, 01 تشرين2/نوفمبر 2018 09:26

رؤيا

قبل عامٍ ويزيد كان قد دعاني السّلطان محمّد يوسف عبد الله، سليل سلاطين الفور، إلى مكتبه للتباحث حول أفلام وثائقيّة يجب أنْ ترافق فعالية (مئوية السلطان علي دينار)، تحمّستُ لأسباب كثيرة. أهمّها أنّ المئويّة ستكون فرصةً لاستكشاف علي دينار بمهلٍ شديد، كما تقضي صناعة الوثائقي. أنْ تهضم كتابات ووثائق لن تتوفّر لك في ظروفك العاديّة. ثمّ إنّ استكشاف الرّجل الأقرب إلى الأسطورة مغرٍ إلى حدٍّ كبير.

قابلتُ السلطان محمّد يوسف عبد الله، بمكتبه بمجلس الأحزاب الإفريقيّة، بغاردن سيتي. كان حينها نائباً للدكتور نافع. أو شيئاً من ذلك. ثمّ تمخّضت جلستنا عن ثلاثة أفلام تتعلّق بالسلطان على دينار. كسوة الكعبة، المحمل الذي يطوف دارفور ويحملُه نخبةٌ إلى أرض الحجاز، ثمّ علاقات علي دينار بالعالم الخارجي. أنهيتُ البحث الأولىّ والتصوّرات الكاملة بميزانياتها وجلستُ مرّةً أخرى إلى السّلطان. كان المشروع كلّه برعاية نائب الرئيس السابق حسبو محمّد عبد الرّحمن. أحالنى السلطان محمّد يوسف إلى لجنةٍ عليا، تضمُّ السفير الشفيع محمّد أحمد، الدكتور حسن برقو (وقتها كان يحضّر للدكتوراة)، والزّبير عثمان أحمد، مدير الإذاعة والتلفزيون، رئيس اللجنة الإعلاميّة، والكثيرين من حملة ألقاب الدّكتور، حسب مناداة بعضهم لبعض. لم أتحمّس منذ بدأ الاجتماع. حاسّة سادسة أو سابعة قالت لي إنّ هذا الجمع الكريم ليس هو المعنىُّ ببضاعتك. لكنْ علينا أنْ نصبر. لم تمضِ إلاّ نصف ساعةٍ منذ بدأ الاجتماع حتّى دبّ الخلاف بين القوم. كان حسن برقو قد قدّم تنويراً حول اتّصالات أجراها مع السّعوديين والقطريين وربّما السفير التّركي عن المئويّة. التقاهم لأغراض مختلفة وانتهز السّانحة فعرض المسألة. وبيّن حماس الجميع واستعدادهم للمساهمة في تكريم علي دينار. لكنّ التنوير لم يعجب بعضُ أعضاء اللجنة فثارت ثائرتهم انتصاراً للمؤسّسيّة. تابعتُ الجدال والاحتجاج والتبرير، بعض الوقت. ثمّ قال لي قريني الذي يعشق الطّريفيّة، كما يقول عكير الدّامر، قُمْ فاخرج. فخرجتُ.

لم يسألني أحدٌ عن سبب وجودي هناك. لم يقُلْ لي أحدٌ إلى أين أنتَ ذاهب. كما لم يتّصل بي أحدٌ بعدها، خاصّة السلطان محمّد يوسف ليسألني عن أي شيء. وقدّرتُ – انطلاقاً من ذلك – بأنّ المئويّة ستكونُ على شاكلة الاجتماع الذي ضمّ الشّركاء المتشاكسين. لم تعدُ المئويّة عن أنْ تكون احتفالاتٍ كبيرة في صيواناتٍ أو في الهواء الطّلق. غنّى فيها مغنون ورقصتْ فرقٌ شعبيّة مناطقيّة، وقال الكثيرون كلماتٍ جليلة في حضرة المناسبة الجليلة. ولم يمكث في الأرض ما ينفعُ النّاس، قطعاً.

كان بعض اليأس قد أصاب الكثيرين من المهووسين بالوثائقي، في السّودان، من إنفاذ المشاريع الكبرى. بدا لي – حين تلّقيتُ الاتّصال – أنّ موسماً جديداً لتحقيق المشاريع قد أزف. كنتُ أحتاج بشكلٍ دقيق إلى إنجاز مشروعات منها على دينار، السّلطان تاج الدّين سلطان المساليت، المك عجبنا، المك نمر، عثمان دقنة، الإمام الهادي المهدي وغيرهم. ذلك لأنّ لديَّ يقينٌ راسخ بأنّ ما يقرّبُ السّودانيين إلى بعضهم يكمنُ في معرفتهم لأنفسهم، لتأريخهم القريب، قبل ذلك البعيد الضّارب في القِدَم. لكنّ علي دينار كمشروع تمّ إجهاضُه عبر اللجان.

في الواقع المشاريع الكبرى عادةً تكون مشاريع دولة. تتبنّاها المؤسّسات الحكوميّة المعنيّة بالأمر. قد تكون وزارة الثقافة، وزارة الإعلام، رئاسة الجمهوريّة، غيرها. أو تتبنّاها مؤسسات كبرى يعتبر الإنسان أكبر همّها. لكنّ مؤسساتنا غارقةٌ في اليومي المقيت والقاتل. تكسب رزق اليوم باليوم. لا مشروعَ استراتيجي لها. وليس ذلك بغريب. فإذا كانت الحكومة عاجزة عن صياغة مشروع سياسي اقتصادي لها، فهي – بالضّرورة – أعجز من أن يبنّي مشروعاً إبداعياً أو ثقافياً ببعدٍ استراتيجي.

Last modified on الخميس, 01 تشرين2/نوفمبر 2018 09:38
Rate this item
(0 votes)
Read 134 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001