الأخبار
Time: 6:52

عبد الحفيظ مريود يكتب: إلى نهاية الفيلم

الأحد, 28 تشرين1/أكتوير 2018 13:03

رؤيا

قناةُ ناشيونال جيوغرافيك، أبو ظبي بثّتْ فيلماً عن الحضارة المصرية القديمة المصرويات، كانت ثمّة فترة من تسلسل ملوك وحضارت مصر هي انتحال كامل الدّسم. إذْ ليس علميّاً بالنّسبة لقناة محترمة أنْ تجهل تدقيق المادّة العلميّة. دخل بعانخي وبقيّة عائلته ضمن فراعنة مصر في الفيلم. الذين أسمتهم بالفراعنة السّود. قد تكون جرتْ في ذلك مجرى الكثيرين من علماء المصرويات المدلّسين. لكنّ ذلك لا يعفيها من التّدقيق العلمي الرّصين الذي يردُّ الحقَّ إلى أصحابه. على أنّ أي عاقل سيتحسّس عقله إنْ صدّق أنّ أبو ظبي، أو المصريين الذين شاركوا في الفيلم في أي مرحلة من مراحله كانوا بلا نوايا سيئات. بل يجزمُ أي عاقل بأنّ مصر والمصريين – إلاّ من رحم ربّي – يخلون من الغرض اللئيم المنتقص من السّودان، تأريخيّاً وحاضراً.

الجميعُ يعلمون بأنّ أغلب المؤرّخين العرب ذكروا ميناء عيذاب، في بلاد السّودان المقريزي، ابن حوقل، ابن بطوطة، وغيرهم. وعيذاب هو ضمن مثلث حلايب المتنازع عليه منذُ بعض الوقت، إنْ لم نقُلْ المحتلّ. المؤرخون والرّحالة وصفوا الميناء وصفاً دقيقاً. أهلُه سّودٌ من البجاة، ليس ثمّة من يختلف حول ذلك. ولهم رئيس هو سيّده، تذهبُ إليه الجبايات، ثلثا الجبايات على الأقل، فيما يذهب الثّلث إلى الحاكم العثماني، الفاطمي، المملوكي، حسب السيادة أوان زيارة الرّحالة أو كتابة المؤرّخ. لكنّ المؤرّخين المحدثين من المصريين يتحاشون التوغّل في هذا الأمر. إلاّ من كتب قبل الاحتلال وكان يتحرّى وجه الحقيقة. تمّ تغيير مسالك التأريخ. والسّودانيون قومٌ لا يقرأون – عادةً – ولا يحفلون بالأثقال ووجع الرأس. يميلون إلى الونسة والفاقة. ذلك ما يجعلُ المؤرّخين المحدثين من المصريين يدبّحون تأريخاً مثقلاً بالتخريب واللوثات. حين يتمّ الحديث عن المماليك وبلاد النّوبة – وبالمناسبة هو أحد الكتب المعروضة بمعرض الخرطوم الدّولي، ولم تقُل فيها لجنةُ المعرض رأياً – يتمّ تصوير حكم المماليك على أنّه الإرادةُ المصريّة والدّولة المصريّة، فيما يجرى التعامل مع (بلاد النّوبة) على أنّها خرائب وشبه ممالك آيلة للسّقوط والانحسار، في أي مرحلةٍ، دون أنْ ذكر لأي قوّة لها.

لا يأتي ذكرٌ لحدود بلاد النّوبة الشماليّة مطلقاً عندهم. كأنّما خط 22 درجة الذي جاء به اللورد كرومر كان منذ الأزل. ولذلك يجري ترسيخ ما جرى في دولة النّوبة وكوش، التي كانت حدودها شمال أسوان الحاليّة على أنّها أرضٌ مصرية منذ القدم أيضاً. وليس النوبيون هناك، ولا سيرة دولة بني الكنز الذين أسقطوا مملكة نوباتيا، ولا حراك البدو والعبابدة، أبناء عَرَك، والجهينيون على أنّه جزء من تأريخ السّودان وليس تأريخ مصر. فحين يحكم الفاطميون أو المماليك أو أسرة محمّد على باشا يتمّ تصوير كلّ ذلك على أنّه الإرادةُ المصريّة. وليس ثمّة من ذكر للتأريخ القبطي مطلقاً. فمنذ دخول جيوش عمرو بن العاص، انتهى الوجود القبطي بالنّسبة للمؤرّخين. مات المجتمع القبطي.

ما الذي يغرينا برفع الحظر عن المنتجات المصريّة الآن؟

بحسب ما فُهِمَ من بيانات رئيس الوزراء معتز موسى أمام البرلمان، فإنّ هناك توجّهاً سودانياً لزيادة الإنتاج والصّادرات، الالتفات إلى تطوير قطاعات الزّراعة نباتياً وحيوانيّاً. ومن ثمّ العمل على تطوير الصناعات التحويليّة. ثمّة مشروعٌ وطني في البيانات التي قدّمها، يقوم على إرساء بنى تحتيّة لتطوير الإنتاج والصّادر، ويشتمل على إعفاءات وغيرها. يحتاج أنْ ينغلق بعض الوقت حتّى يؤتىَ مشروعه هذا أكلَه. فما هو وجه العجلة في رفع الحظر عن المنتجات المصريّة؟ حظرها السّودان منذ سبتمبر 2015م دون أنْ يتضرّر أو تتراجع حياته.

هل نقرأ جيّداً التأريخ ونتفهّم الحيل والانتحالات المصريّة؟ هل نقرأ الواقع جيّداً قبل أنْ نعطي مصر – مجاناً – حزمةً من الاتّفاقيّات ومذكّرات التّفاهم وغيرها؟

الواضح أنّنا لا نقرأ التّاريخ فنردّ ما سلبته العزيزةُ مصر من بين أيدينا، ولا نقرأ الواقع أو المستقبل، فنكفّ عنّا أذاها وأطماعها المغلّفة. لذلك فهنيئاً للمصريين بجيرانٍ أغبياء، تماماً.

Rate this item
(0 votes)
Read 48 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001