الأخبار
Time: 9:12

عبد الحفيظ مريود يكتب: فقدان

الجمعة, 05 تشرين1/أكتوير 2018 06:05

رؤيا

في مذكّراته التي حققها ونشرها البروفيسور محمّد إبراهيم أبو سليم، والتي اشتملتْ على بعض رسائل إلى قادة الدّولة (المهدي والخليفة)، كان عثمان دقنة متحسّراً على الأوضاع في شرق السّودان. الكثير من الجهود كانت تذهب أدراج الرّياح بسببٍ غير كافٍ بالنّسبة إليه.

فقد كانت اتّصالاته وتفاهماته مع البني عامر، الحباب، الزّبيديّة (الرّشايدة) وبعض قبائل الشرق كانت تنقض اتفاقاتها وبيعتها بفعل تأليب السّادة المراغنة، وهو الأمرُ الذي لم يستطع أنْ يتفهّمه بشكلٍ واضح. إيمانه بمهديّة المهدي وضرورة طرد المستعمِر، حتّى وإنْ كان مسلماً، لقد ظلّ الأمير عثمان دقنة على حيرته تلك حتّى لقي حتفه. مستفهماً استفهامه الكبير حين كان أحدُ السّادة المراغنة يرافق الجنرال كتشنر في حملته تلك، يقاسمه اللقمة بملاعق الفضّة الكولينياليّة ويتسامر معه، وكتشنر ينفث دخان غليونه، فيما كانت المدافع تحصد أرواح الرّجال الأشاوس، الذين أدهشوا الإنجليز.

فيما بعد، وأمام جلالة الملك في لندن، ألقى السيّد علي الميرغني خطاباً نيابة عن الوفد السّوداني، قال فيه (إنّ القليل الذي أعطيناه، إنّما هو ثمرةُ ما زرعته حكومة جلالتكم من الإحسان، فكانت ثمرة الإحسان الشّكران..جعلتم العدلَ أساس ملككم الواسع، فسادت روحُ العدالة والسلام سائر أنحاء البلاد، وما أظهرته حكومة جلالتكم من الاهتمام بشئون السّودان والتضحية . إنّ حياة أهل السّودان في المستقبل تتوقّف على زيادة ارتباط البلاد بإمبراطورية جلالتكم....). هل كان السيّد علي يعي ما يقول؟ وهل كان الوفدُ المرافق له موافقاً على الكلمة التي قيلتْ، وواثقاً من تمثيله لأهل السّودان؟

ليس من الصائب إجراء محاكمات للتأريخ. ثمّة من يتفنّنُ في اجتراح الأعذار للسّادة الكبار الذين مثّلونا في (أوقات الشّدّة)، بلا استثناء. ولم يكنْ أحدٌ من الوفد معارضاً لكلمة مما تفوّه به السيّد علي أمام جلالة ملك بريطانيا. ليس هناك من دماء جرتْ أو سالت دفاعاً عن شرف هذه البلاد، أو كرامتها. لكنّ الذين جاءوا من بعد الرّعيل الأوّل، الآباء المؤسّسين للوطنيّة، من خريجي غردون وتأريخها المجيد، لم يجدوا بدّاً – وقد تقدّمتِ الدّولة الوطنيّة حبواً – من أنْ يدخلوا مجدّداً تحت عباءة السّادة الذين (مثّلونا) في لندن أمام جلالة الملك، وهو أمرٌ ذو دلالة واضحة: الاستمرار في خطّ السّادة صنائع الإنجليز، دون أنْ يحيدوا قيدَ أنملة، إذْ لم يضرب أحدٌ أحداً على يده للسّير في خطى السّادة، ولم يكن الإنجليز قد صنعوهم عبثاً واعتباطاً. لم يخرجِ الإنجليز إلاّ بعد أنْ استيقنوا أنّ مناصريهم سيؤدّون الأدوار على أكمل وجه، ومهما بدا من تمرّدٍ واختلافٍ من الأجيال الجديدة من الخريجين، فإنّ هناك آليّة لإعادة الآبقين إلى الحظيرة. فـ(حياة أهل السّودان في المستقبل تتوقّف على زيادة الارتباط بحكومة جلالتكم) بحسب عبارة السيّد علي الميرغني.

كانتِ الحربُ العالميّةُ الأولى قد وضعتْ أوزارها. وتلك كانت تهنئةً من (النّخبة السّودانيّة) للإنجليز على (الانتصار على الباطل)، بعبارة السيّد علي الميرغني. كانت دماء علي دينار وجنوده الأشاوس لم تجف بعد. تمّ ضمّ جزء من دارفور توّاً لحكومة جلالة الملك، فيما بقيتْ (دار المساليت) حتّى لحظة الخطاب الألمعي خارج السّودان. كان الفكي السحيني قد شنق في سوق نيالا، وتفرّق رجاله. ولم تمضِ إلاّ بضع سنواتٍ على ثورة المك عجبنا في جبال النّوبة.

من ذاك التأريخ، شبه البعيد، من تأليب السّادة المراغنة، وتعزيز الأحداث اللاحقة، خضوع السّيديْن، وعلية القوم للإرادة البريطانيّة، وارتضاءهم تحريكها إيّاهم كالدّمي، ظلّتْ قضايا الشعب مسألةً لا تعني أحداً من القادة والسّادة والسياسيين المهرطقين إلاّ من رحم ربّي. وحتّى هذه اللحظة الماثلة، لم ينفكّ ارتباط مستقبل السّودان عن حكومة جلالة..........بالوكالة أو بالأصالة. المهم أنْ يكون هناك جلالته – بطريقةٍ ما – يملي علينا إرادته. ليس هناك من إرادةٍ وطنيّة بعد عثمان دقنة.

Last modified on الجمعة, 05 تشرين1/أكتوير 2018 06:16
Rate this item
(0 votes)
Read 264 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001