الأخبار
Time: 9:05

عبد الحفيظ مريود يكتب: علاقات خطِرة

الثلاثاء, 02 تشرين1/أكتوير 2018 20:09

من بين الكثير من التعليقات على مسألة قيادة الدّعم السريع – أنكرتها لا حقاً – لحملةٍ واسعة لتأديب شباب الخرطوم عبر الحلاقة المذلّة والضرب وتمزيق الملابس التى بدتْ مخالفة للأعراف والتقاليد والقيم السّودانيّة، من بين تعليقات مهولة استوقفنى تعليق دكتور شهير، كتب مقالاً طويلاً، نوعاً ما، عن الشبه الكبير بين الحملة هذه، وحملاتٍ مشابهة كان يقوم بها جنود الخليفة التعايشىّ، إتّصفتْ بالعسف والمصادرات والإذلال، مما جعل (أولاد البحر) يضعون أيديَهم فى أيدى المستعمر الغازي، كوسيلةٍ للخلاص من غوغائيّة وظلم الجنود الباطشين. وأعلن – الدّكتور – في مقالته إنّه لم يعُدْ يراعي كلّ ما يُقال عن الوطنيّة والقوميّة والنسيج الإجتماعىّ، بل يقولها جهيرةً بأنّ الوقت قد أزف للوصول إلى مستعمِرٍ جديد يخلّصنا من نظام الإنقاذ وجنود التعايشىّ المعاصرين.

الدكتور اسمه عثمان يس ود السّميتْ. متسائلاً عن (ماذا سيقولُ حميدتى، القادم من دارفور لو تغوّل أبناء الخرطوم على أهله هناك؟ ولماذا أقام أبناء دارفور الدّنيا ولم يقعدوها عندما طالهم بطش هذا النّظام؟). المقال من واردات الواتساب، قد يكون حقيقياً نسبُه، وقد يكون منتحلاً. لكنّ الجديد هو التحوّل في النّظر إلى أزمة الدّعم السّريع، التي تمّ إنكارُها، من حملة لا قانونيّة وجائرةٍ ومنتهكةٍ للحقوق جميعاً للمواطنين الذين تمّت حلاقةُ شعورهم، قصّ وتمزيق ملابسهم وضربُهم، إلى حملةٍ جهويّة ، شبه عنصريّة بامتيازٍ، تمّ استقدامُ التأريخ إليها كشاهدٍ لا يكذبُ عن بربريّة وهمجيّة وتغوّليّة القادمين من الغرب، فى ركب الخليفة التعايشىّ. وهى حالة نموذجيّة يمكنُ إسقاطها على الرّاهن والتعامل مع قوات الدّعم السّريع على أنّهم (الجهاديّة الجُدد)، ويتوجّب التعامل معهم كما تعامل أسلافنا مع أولئك.

الإقرارُ بأنّ (أسلاف أولاد البحر) تعاملوا مع حكومة التعايشىّ كقوّةٍ همجيّة باطشةٍ، نكّلتْ بهم، ودفعتهم دفعاً لإستقدام الغازي الأجنبي لاستعمار السّودان، أو إعادة استعماره، وعملتْ جنباً إلى جنبٍ مع قوّاته، كما فعل الدكتور ود السّميت، هو تجنٍّ صريح وقفز فوق حقائق التّاريخ وإسفاف ليس وراءه من إسفاف. فالتأريخ يخبر عن معارك المهديّة منذ بدئها حتّى منتهاها على أنّها معارك وطنيّة شارك فيها كلّ قاطني السّودان. خاصّة الكبيرة منها مثل حصار الأبيّض والخرطوم، معارك المهديّة ضدّ الحبشة، معاركها ضدّ مصر، ثمّ النّخيلة، عطبرة، المتمّة، كرري، وحتّى أم دبيكرات، بما يجعل من نسبة المهديّة للغرب وحده عملاً غير أمين، و(مغروض) كما يقول صديقى الكاتب ميرغنى أبّشر. وعليه، فحتّى حين تمّتِ البيعة للخليفة التعايشىّ، كانتْ بيعةً قوميّة، تمرّد عليها فيما بعد الأشراف. وليس لأنّ الخليفة من الغرب يصحّ نسبة الدّولة المهديّة كلّها إلى الغرب، كجهةٍ مبهمة، وغارقة في الأصمّ هذا. فالغربُ ذاته (كردفان ودارفور) فيها قبائل وقفتْ ضدّ الخليفة عبد الله، نكّل بها وقتل فيها مقاتل عظيمة، مثل الكبابيش والرّزيقات والمساليت وغيرهم. هذا الخلط المنهجىّ يشبه نسبة نظام الإنقاذ الذى يقف منه الدكتور ود السّميت موقفاً مناوئاً ومعارضاً، إلى مطلق (أولاد البحر)، باعتبار أنّ الرئيس البشير هو قائد هذا النّظام، وبالتّالى لا يحقّ لأحدٍ من أبناء البحر، أو عرب الوسط التنصُّل عنه، ويجب تحميلهم كلّ سوءاته.

وعلى فرض أنّ نفىي الدّعم السّريع لعلاقتهم بالحملة لم يكن إلاّ ذرّاً للرّماد فى العيون، وانّهم فعلاً من فعلوا ذلك، هل يجوز تحميل كلّ الجهة (الغرب الكبير، أو دارفور لوحدها) مسئوليّة ما فعله ويفعله الدّعم السّريع وحميدتي؟ أليس هناك من عاقلٍ يواجه الأسئلة الصّحيحة بما يكفي من الضوء حتّى لا ننزلق إلى المستنقع الذى نحاول الإبتعاد عنه، قدر جهدنا؟

يقينى إنّ الحملة والتداعيات كلّها لم تكن برئية تماماً. ليست عبثيّة ولا هي بعيدة عن إعادة إنتاج الأزمة التقليديّة المممزّقة للنسيج الإجتماعىّ. ثمّة أيادٍ موغلة فى الإثم وخبيرة بالتفريق تقود القصّة لصدامٍ حتمي، يلغي العقول ويحوّل المعرفة إلى أدواتٍ للهدم، قد يكون الدّعم السّريع مستخدماً فيها دون أنْ يدري.

Last modified on الثلاثاء, 02 تشرين1/أكتوير 2018 20:34
Rate this item
(0 votes)
Read 145 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001