الأخبار
Time: 9:09

عبد الحفيظ مريود يكتب: مسألةٌ في ......

السبت, 22 أيلول/سبتمبر 2018 22:16

رؤيا

كان مضيفنا في الصّين، مستر تشاو قد تجاوز السبعين عاماً، شيوعىٌّ عتيدٌ. وملحدٌ لا يؤمن بشيء. يلبس التي شيرتات والأردية. يحملُ كاميرا حديثة ويرافقه موظّفٌ جديد في السادسة والعشرين، هو سام. يلّقنه إدارة الوقت والتّرجمة من وإلى الإنجليزيّة، ويخصّه بخلاصاتِ تجاربه في الإعلام ومرافقة الوفود الإعلاميّة، وماذا يعني تقديم صورة وطنيّة عبر الإعلام الأجنبي.

وكانت الصّين تقومُ بتقديم الدّعوات إلى المحطات الرّسميّة والمؤثّرة حول العالم لزيارة الصّين وإعادة تقديمها للشّعوب جميعاً، في إطار الانفتاح. سألته إنْ كان ما يزالُ موظّفاً في الحكومة الصينيّة ويتلقّى راتباً. فأجاب بالنّفي. قال إنّه نزل المعاش منذ سبع سنين. لكنّه يعمل، ضمن نظام الاستفادة من الخبرات والكفاءات، بالمشاهرة. ليس من أعباء حياتيّة تتطلّبُ معافراتٍ مرهقة. والصّين – حين يتجاوز الفردُ منهم السبعين – تعفيه الدّولة من الدّفع في أي مرفق أو خدمةٍ مقابل رسوم. يركب وسائل النّقل مجاناً، يتعالج مجاناً، يدخل الحدائق والمنتزهات والمتاحف مجاناً. يحمل بطاقة فقط، تثبتُ أنّه فوق السبعين.

هل كلُّ المعاشيين يستوون في القدرات الجسمانيّة والعقليّة والاستعداد للعطاء؟ هل يجبُ أنْ يذهب المسنُّ، الذي تجاوز المعاش إلى النّسيان، فقط لأنّه تقدّم في السّنّ، وتخطّى المعاش، وثمّة من ينتظر دوره في الترقيّة أو التوظيف؟ هل هناك ميزانٌ للاعتدال في تناول خبرائنا وأساتذتنا وسنام حياتنا العمليّة؟

تتكدّسُ الشهاداتُ والخريجون على سلالم التوظيف، بسبب التوسّع في التعليم العالي، وبسبب ضيق فرص التوظيف الحكومي وبأسباب أخرى. ويبدو السّببُ الرئيس هو ضيقُ ذات اليد الحكوميّة وقلّة حيلتها. وقد ظلّتِ الحكومةُ تكابدُ منذ بعض الوقت، ما يقارب العقد من الزّمان، تخطو كلّ يومٍ نحو هاوية سحيقة لا تعرفُ لها قراراً، ولا تملكُ تصوّراً للخروج إلى برِّ الأمان. وهي أزمةٌ ظلّتْ تتخلّق وتنمو تحت سمع وبصر الحكومة، هذا إذا كنّا نحاذر الوقوع في سوء الأدب، وإلاّ فهي تحصدُ بذارها بالضبط، حين كانت تصنع قيودها وتلفُّ الحبال التي تخنقها على رقبتها، علمتْ أم لم تعلم. فلن يكون السبيل الواضح للخروج هو قراراتٌ رئاسيّة تمنعُ منعاً باتّاً التعامل مع من تمّتْ إحالتُه للمعاش التعامل مع الحكومة تحتَ أي ذريعة، إلاّ باستثناءات من رئيس الجمهوريّة. وهي – في السياق الصّادرة فيه – محاولة لتقليل الانفاق الحكومي على من يُسمون بالخبراء، أو المتشاهرين. بمعنى أنّها جاءت في سياق محاولات تقليل الإنفاق الحكومي، السياسة التي انتدب إليها رئيس الوزراء الجديد وحكومته.

لكنْ في المقابل- والقرارات لا تستثنى أحداً- فإنّها تتعامل مع أناس مهمّين في مجالاتٍ مختلفة بالسواء مع من كانت الحكومة قد ميّزتهم كـ"خبراء وطنيين" ذات يوم ومنحتهم امتيازاتٍ واسعة وهائلة، وهي فئةٌ منتخبةٌ لا شيء يجعلها مميّزة إلاّ الولاءات وحسب. وحين لم تُساوِ التحيّزات الحكوميّة بينهم وبين "عامّة" المعاشيين، فلا معنى لأنْ تساوِ بينهم في "التخلّص من عبئهم"، في الوقت الذي تكون البلاد أحوج ما تكون لعلم وحنكة وثقل أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين وغيرهم، ممن لا ينبغي المساواة بينهم وبين "الخبراء الوطنيين". هذا فضلاً عن أنّ بعض الموظفين والعمّال الذين لا يؤبه لهم، لا يمكن تعويض ذهابهم ضربةً واحدة، إذْ هم ليسوا سبباً في الأزمة ليحصل الواحدُ منهم على استثناءات، فيما لا تقدّمُ له الدّولة شيئاً ذا بال، بل حتّى عائدات صناديقهم لا يرجون منها خيراً.

الواقع هو إذا كانت سنّ المعاش هي الفيصل في الذّهاب إلى المنزل، لإفساح المجال لأجيال جديدة، أو للحيلولة دون تبديد أموال الدّولة أو إنفاقها، في غير وجهها، فالذين يُفترَض أنْ يغادروا المكاتب الحكوميّة ليسوا هم العاملين بالمشاهرة بعد سنّ المعاش، بل يجب أنْ يذهب كثيرون هم أولى بالذّهاب.

Last modified on السبت, 22 أيلول/سبتمبر 2018 22:28
Rate this item
(0 votes)
Read 110 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001