الأخبار
Time: 9:04

عبد الحفيظ مريود يكتب: الصفعة

الأربعاء, 19 أيلول/سبتمبر 2018 21:31

   رؤيا

لم يكنِ الخليفةُ عبد الله التعايشي يدرك أبعاد الخطاب الذي أرسله إليه ملكُ الحبشة، حينَ كان الخليفة قد شنشنَ لحربه. فقد قال ملكُ الحبشة للخليفة، إنّ بلدينا تتعرّضانِ لحربٍ أوربيّة..وجيوش الأوربيين على الأبواب، لنتّحدْ ونصدّ أعداءنا، ثمّ نتفرّغ لحلّ خلافاتنا البينيّة. لكنّ الخليفة كان واثقاً من النّصر على الحبشة، ثمّ النّصر على مصر، وواثقاً أكثر بأنّ كتشنر وجيشه لن يأخذا أكثر من (ضحوة)، فقط. بعدها ستكون أم درمان تتحدّثُ متندّرة على الخواجات الكفرة الفجرة.

هل يعيدُ التأريخُ ذاته؟

ليس ثمّة ما يشيرُ إلى أنّ الحكومة السّودانيّة تُقدّر الموقف الدّاخلي، الإقليمي، علاقاتها مع الجيران وغيره. وهي في طريق سلفها، الخليفة التعايشي، تسير باتّجاه خسارة كلّ شيء من أجل بقاء (المهديّة)، فيما المهديّة نفسها تتكئُ على الفقه الإسلامي الذي يميّز بين الأولويات، ليس هناك ما يدعو لفناء كلّ البشر من أجل سيادة الدّين. فالدّين يقدّم بقاء الإنسان. وفي محاولات دولة الخليفة المعاصرة لحماية مصالحها، تنظر اليوم لتجدَ أنّ الجيران: إثيوبيا وإرتيريا طويا صفحة خصام دام عشرين عاماً، احتفل به الملك السعودي، فيما لم يعرنا أدنى اهتمام. وقد كانت الحكومة السّودانيّة تعتقد أنّها ستكون الجارة الأثيرة والمؤثّرة للدّولتين، دون أنْ تعمل على استشراف أو رسمِ مستقبل للمنطقة وعلاقاتها. كانت تعتقد أنّ البلدين لن يتمكّنا من التصالح أو الاستغناء عنها باعتبار السّودان لاعباً لا يُستهان به في المنطقة. وبالتحوّل الذي طرأ هذا، يمكننا إضافة العبارة هذه إلى مصافّ العبارات المتحفيّة، مثل (السّودان سلّة غذاء العالم)، السّودان المعبِّر إلى إفريقيا، السّودان الجسر الذي يربط بين عالمين. فقد ثبت الآن أنّ عبارة السّودان رقم لا يُستهان به في المنطقة مجرّد عبارة فارغة لا قيمة لها، يحاول الكثير من السّاسة والمثقفون المأزومون التعويض بها عن الإخفاقات المتراكمة، والقصور في الرؤية السياسيّة والاستراتيجيّة.

يتجاوز القرن الإفريقي – بحسب مجريات الأحداث الرّاهنة – كلّ أدبيات السياسيين السودانية وأوهامهم. بدليل أنّ الأحداث تجري هناك، دون أنْ يُحَاطَ السّودانُ علماً، دعْكَ من أنْ يكون صانعاً أو شريكاً في الصّناعة. تتقارب إرتيريا وجيبوتي الآن، وتمضيان باتّجاه صياغة علاقة تصالحات ومصالح ومنافع، سيتوّجها الدّعم السّعودي، بمثلما فعل في مسألة إثيوبيا وإرتيريا. وسيكون من السّابق لأوانه الزّعم بأنّ السّودان يراجع شيئاً من سيرة علاقاته مع جيرانه أو يخطّط لها. فالواقع أنّ المسألة العسكريّة التي توجّهت ضدّ إرتيريا في إطار التحسّب لمكائد قد تحرج السّودان، يبدو أنّها لم تنشأ عن معلومات دقيقة ولم تتمّ بناءً على وعي استراتيجي. وقد شكا البروف محمّد حسين أبو صالح من غياب الوعي الاستراتيجي للدّولة السودانيّة، وللحكومة السّودانيّة أيضاً. ولم يكن في تصوّر الذين وضعوا سيناريو محاصرة إرتيريا وخنقها أنّها ستجدُ خيراً منهم وأشدّ تثبيتاً. كما لم يدُرْ بخلد المنغمسون في التّخطيط للعلاقة مع إثيوبيا بأنّ إثيوبيا ستتحوّل بعيداً عن العلاقات السّودانية باعتبارها علاقات مرهقة ولا طعم مستقبلي لها. وإذا كان الدّاخل (المواطن) قد يئس من طعمٍ للسّودان، فلا شكّ بأنّ المراقب القريب والبعيد سينفض يدَه من مثل هذا الرّهق المؤسف.

ما الذي يغري بالحرص على علاقاتٍ مميّزة مع السّودان، لو كنتُ أحدَ جيرانه؟ هذا هو السؤال الذي سيجد السّودان جميع جيرانه يجيبون عليه إجاباتٍ نهاريّة، وأخرى ليليّة.

Last modified on الأربعاء, 19 أيلول/سبتمبر 2018 21:39
Rate this item
(0 votes)
Read 196 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001