الأخبار
Time: 1:47

حيدر المكاشفي يكتب: جربان ياكل بعينو

الجمعة, 07 أيلول/سبتمبر 2018 22:03

ضحكت حتى أشرقت عيناي بالدمع عندما طالعت الخبر الذي أوردته (السوداني) أمس تحت عنوان (عضو بتشريعي الخرطوم.. الحالة صعبة والأكل أصبح بالعيون) وفي تفاصيل الخبر (انتقد نواب بمجلس تشريعي ولاية الخرطوم ارتفاع أسعار السلع الأساسية خاصة اللحوم، وقالوا (لا يعقل أن يصل سعر كيلو اللحم العجالي 180 جنيها، وكيلو الموز 20 جنيها، وأضافوا (أصبحنا نخجل من السؤال عن أسعار اللحوم خاصة البيضاء، والأكل أصبح بالعيون)..

ومبعث ضحكتي على هذا الكلام البرلماني أنه ذكرني بحكاية بائع النيفة والكوارع، فحين كنا صغارا درافين نلعب بالطين، كان يجوب حلتنا ويجوس خلالها ليلاً بائع للكوارع ورؤوس النيفة وان شئت لغة المطاعم لك أن تقول (الباسم). كان هذا البائع ضخم الكراديس مفتول العضلات يحمل بضاعته الشهية المكونة من رؤوس البقر والضأن المطهية في طشت (طست) كبير يضعه على رأسه الكبير (المكودس الذي يشبه سرج العجلة) وفي يده عكاز ضخم وطويل ومضبب يذب ويصد به الكلاب التي كانت تستثيرها الرائحة وتسير خلفه أينما اتجه علها تظفر بـ(كدة)، وكان يعلن عن وجوده وينادي على بضاعته المكونة من الرؤوس والأظلاف بصيحة مجلجلة بصوته التينور الحاد (نيييييفاااا كواااارع مزمز تاكل منو وتتمسح منو وجربان ياكل بعينو)، وبندائه هذا الذي يستثني منه (الجربانين) والتعساء كان هذا البائع من حيث يدري أو لا يدري بالديالكتيك والمنشفيك والبلشفيك يمارس الفرز الطبقي .. ذلك ما كان بشأن نداء بائع الكوارع والنيفة والذي استعاده جماعة تشريعي الخرطوم بحديثهم الذي وقع منه موقع الحافر على الحافر..

وعطفا على حديث الأكل بالعيون وليس الخشوم، تبقى الحقيقة التي لا مراء فيها أن غالب السلع والخدمات ان لم نقل جميعها بلا استثناء، صارت عصية المنال لا يطولها غالب أهل البلد وخاصة الفقراء والمساكين وذوي الدخل المحدود والحيل المهدود، ولتدني القوة الشرائية وانعدام السيولة تظل اللحوم معلقة على شناكل الجزارات، وأرفف المحال التجارية تنوء بالبضائع وضرب الكساد والبوار كل شئ، ثم لا مشتر اللهم الا من قلة قليلة من ذوي الحظوة والبسطة في المال، أليس بربكم ما قاله نواب تشريعي الخرطوم بشأن الأسعار هو عين ما قاله بائع الكوارع والنيفة (جربان ياكل بعينو)، ومعاناة أهل هذا البلد منكود الحال والمنكوب بنخبه، ومن يقفزون إلى قيادته، ظلت على الدوام تلهمهم هذه معاناتهم ببعض الحلول الإبداعية الشعبية، في مجالات عديدة نذكر منها على سبيل المثال الطعام ومنه (أم بلقسات) المكونة من أرجل الدجاج وأطرافه وأحشائه، و(ساندوتش الموز) وغيرها من أطعمة شعبية فقيرة المحتوى، ابتكرها الفقراء لإسكات قرقرة بطونهم وإبقائهم على قيد الحياة، ولكن أياً يكن تواضع ومحدودية مثل هذه الحلول الشعبية، إلا أنها تبقى متقدمة ومتفوقة على الخيال الرسمي الذي ظل عاجزاً عن إبداع وابتداع أي حلول لمشكلات هذا البلد وقضاياه التي ما انفكت تعيد نفسها وتتكررعلى مر السنين..

Last modified on الجمعة, 07 أيلول/سبتمبر 2018 22:16
Rate this item
(0 votes)
Read 103 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001