الأخبار
Time: 1:45

غازي عبدالرحمن طه يكتب: رفع الاذان في مالطا

الجمعة, 07 أيلول/سبتمبر 2018 08:26

كلما طرق سمعي عبارة أن (شخصا ما يؤذن في مالطا) تتبادر الى ذهني ثلاثة أشياء .. أولها أن المؤذن غبي .. لأن أهل مالطا لا يعرفون اللغة العربية ولا يتحدثونها .. وثانيها وثالثها اما أن أهل مالطا ان كانوا يعرفونها يصغون ولا يسمعون أو هم صم .. و تعجبني عبارة (لا مستحيل تحت الشمس) لما تحمله من اصرار على الانجاز كما ادعى الراحل الأستاذ/ صديق مدثر يوما أنه يستطيع أن (يستنطق الصخر العصيا) و لأن بعضا مما يراه الناس مستحيلا يمكن تحقيقه .. و تحقيق المستحيل ممكن و قد يكون له عواقب ..

وتدهشني عبارة (لا يسمع لقصير كلام) – و التي تنسب الى سيدنا علي بن أبي طالب وان كنت غير واثق من صحة ذلك .. اذ لا أري صلة بين طول قامة الانسان وما يصدر منه من قول حقا أو باطلا كان ..

على كل.. بطول يبلغ 186 سنتمترا و وزن يبلغ 61 كيلوجراما – متمنيا الايكون للوزن صلة بالأمر ايضا – سأظل ارفع الاذان في ام درمان حتى يسمعني أهل مالطا و يفقهوا قولي ..

بدأت في تلقي أولى دروس علوم الاقتصاد في النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي من اساتذة اجلاء مترعين بالعلم والمعرفة في سهولة ويسر .. سأظل ممتنا لهم بذلك ما حييت وفخورا بشرف تلقي تلك المعارف على أيديهم ..

كان اول تلك الدروس التعريف الكلاسيكي لعلم الاقتصاد .. (يعنى علم الاقتصاد بدراسة سلوك الانسان لتلبية احتياجاته الغير محدودة من الموارد المحدودة) .. يرمز للانسان بـ "المستهلك" .. و يقصد بالموارد "الموارد الطبيعية" وهي محدودة فعلا .. ان تلبية الاحتياجات تنطوي على الاستهلاك .. أي أن الأمر برمته يدور حول الاستهلاك و المستهلك .. لكي يتسنى للانسان الاستهلاك لا بد له من أن ينتج ما يود استهلاكه .. عليه يصبح الاستهلاك الدافع الرئيسي للانتاج ..

وكان ثاني تلك الدروس أن الاستهلاك يقاس بحجم انفاق المستهلكين من مال في الأسواق لشراء السلع و البضائع و الخدمات التي ينتجها المنتجون الذين يسعون لتحقيق أعلى أرباح ممكنة .. لذا يعتبر انفاق المستهلكين المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي اذ أنه يشكل الطلب الفعلي على السلع والبضائع والخدمات .. فكلما زاد الاستهلاك زاد الانتاج والعكس صحيح .. يلتهب مصراني العصبي كلما سمعت وزارء المالية السابقين وبعض المسئولين الاخرين طوال العقود الثلاث الماضية يصفون الشعب السوداني بلا رشد بأنه "شعب مستهلك و غير منتج" دون أن يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا .. لماذا يعتقدون أنه شعب غير منتج؟؟.. بالقطع لا يملكون اجابة على هذا السؤال .. وسأجيبهم .. ومع ذلك يبشرون من حين لاخر أنهم وضعوا موازنات وخططا وبرامج لزيادة الانتاج والانتاجية!! .. لا ادري كيف يمكن أن تحقق خططهم و موازاناتهم و برامجهم زيادة في الانتاج بشعب غير منتج ..

وكان ثالث تلك الدروس الأساسية.. ان الضرائب غير المباشرة تضعف القوة الشرائية لدخول المستهلكين .. وإن ضعف القوة الشرائية للدخول يقلل من حجم انفاقهم .. النتيجة الحتمية هي انخفاض الانتاج .. كثيرا ما كتبت عن شغف وولع وزراء المالية بفرض الضرائب غير المباشرة مبينا لماذا وكيف يفعلون ذلك .. جاءت افادة من الاستاذ/ عبدالقادر محمد احمد (المدير السابق لديوان الضرائب) في مقال له عقب تركه لذلك المنصب أن (الضرائب غير المباشرة) تشكل 92% من الايرادات التي يقوم ديوان الضرائب بتحصيلها .. مما رصدنا من ضرائب غير مباشرة فرضت خلال الأعوام الثلاث الماضية لا بد من أن هذه النسبة قد زادت الان .. ان عبء سداد الضرائب الغير المباشرة يقع على الجميع .. يكون تأثيره ضارا و كبيرا على أصحاب الدخول المنخفضة و يزيد من عدد الفقراء كما يزيدهم فقرا .. و أقل وطأة على أصحاب الدخول المتوسطة .. و اثره الضار على اصحاب الدخول العالية لا يكاد يذكر ..

تمثل الضرائب المباشرة(ضريبة الدخل الشخصي وضريبة أرباح الاعمال) أحد أهم أدوات توزيع الثروة .. اذ أنها من المفترض أنها تأخذ من الأغنياء و تدعم الفقراء .. واقع الحال يقول ان الأغنياء لا يقومون بالوفاء بالتزمهم بسداد ما عليهم من ضرائب الدخل (أي الأرباح) المستحقة مقابل ما تقدمه لهم الدولة من فرص و تسهيلات لتحقيق أرباحهم .. و بذلك تنمو ثرواتهم .. كثيرا ما بينا كيف يفعلون ذلك .. أدهشني أحد وزراء الدولة بوزارة الملية العام الماضي عندما دعى لتكوين لجنة لوضع خطط لمكافحة التهرب الضرائبي .. كان من ضمن الأعضاء اتحاد أصحاب العمل!! وهم المعنيين بمكافحة التهرب الضرائببي .. رغما عن ما صدر من تشريعات تجرم التهرب من سداد الضرائب ومن تصريحات من المسئولين و غيرهم لا نجد في السجلات أن أحدا أدين يوما ما بهذه التهمة أو عوقب أو حتى تم تحقيق معه على أسوأ الفروض ..

و كثيرا ما كررنا أن تحسين اليات تحصيل الضرائب المباشرة سيغني وزارة المالية عن الفرض المستمر للضرائب غير المباشرة و يزيد من ايرادتها ..

ان من أخطر مساوىء الضرائب الغير مباشرة أنها تحول دون الادخار و بناء رؤوس الأموال لاعادة استثمارها و زيادة الانتاج .. لهذا السبب نجد أن كثيرا من الدول النامية و السودان ليس استثناءا تدور في حلقة مفرغة من المصاعب الاقتصادية و ضعف النمو الاقتصادي و الفشل في سداد الديون الخارجية ..

ان أي مراقب حتى غير الاختصاصيين (laymen) و بعين واحدة نصف مغمضة يرى نذر الانهيار الاقتصادي .. وحال اقتصاد البلاد كمريض في في غرفة العناية المكثفة يكابد الأطباء للابقاء على حياته توطئة لعلاجه مما يعانيه من مرض أو أمراض .. ومن ينكر ذلك من الاقتصاديين الاختصاصين يكون بلا معرفة أو نهى ..

ما الحل؟؟

يجب البدء فورا "أمس قبل اليوم" في خفض الضرائب الغير مباشرة تدريجيا كضريبة القيمة المضافة و رسم الوارد "الجمارك" على السلع الواردة و بنسب كبيرة و الغاء الكثير من الضرائب الغير مباشرة الاتحادية و الولائية و البدء في تطوير و تحسين اليات تحصيل الضرائب الغير مباشرة .. سؤال مشروع قد يسأله وزير المالية (طيب كيف يا شاطر ممكن نمول مصروفات تشغيل الدولة و توفير الخدمات للمواطنين؟؟) .. و الاجابة بسيطة .. خفض الانفاق الحكومي الذي استلزم فرض هذه الضرائب .. بعد تعيين رئيس الوزراء الحالي بشهور قليل صرح قائلا بأن خفض الانفاق الحكومي صعب و لم يقل مستحيلا .. و هذه افادة غير دقيقة .. فخفض الانفاق الحكومي ليس صعبا أو مستحيلا .. يبدأ بتصحيح الخطأ التأريخي الذي أتخذ بتبني النظام الفدرالي لادرة البلاد رغم تحذير العالمين و العارفين قبل أكثر من خمسة عقود بارتفاع تكلفته التي لا تتلاءم مع ظروف البلاد الاقتصادية .. قبل بدء دراسة هذا الأمر و اعادة تصميم نظام اداري جديد يجب البدء فورا في تقليص اعداد العاملين في الاجهزة التشريعية و الولائية من نواب و ما يسمى بالدستوريين في الجهاز التنفيذي .. و الغاء بعض الأجهزة شبه الحكومية التي لا نرى سببا لوجودها أصلا ..

و يتحتم البدء فورا في اعادة تصميم النظام الاقتصادي و لمعالجة المعضلات التي تعترضه بجمع الاختصاصيين من أهل المعرفة ويستثنى الاقتصاديين المنسوبين للحزب الحاكم لما ثبت من ضعف معارفهم الفنية ..

و نترك أمر رفع الاذان في مانهاتن للذين يرغبون في تعذيب امريكا ..

Last modified on الجمعة, 07 أيلول/سبتمبر 2018 08:45
Rate this item
(0 votes)
Read 101 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001