الأخبار
Time: 1:09

محمد فرح وهبي يكتب: والآن ثم ماذا؟

الثلاثاء, 03 تموز/يوليو 2018 12:36

باتجاه مجهولٍ أسمه الوطن..

لا تُدّون (الميديا) ماهو أهم: شعور الناس، لحظتهم بكل إحتمالاتها المفتوحة والمغلقة، تلك الآهة التي تصدر بليل، ذلك الحنين ومعني أن يحلم الآدمي بعيش كريم، تتعاطي(الكاميرا) مع الناس كـ(موديل) لا أكثر، وجل الأحداث المهمة تُفرغها من مضمونها بوحشية لتضعها ببساطة في موضع النكتة العابرة والتي لا يمكن أن تستمع إليها مرتين، مهما حدث ومهما كلفك الأمر، لن تستطيع.

كنت تساءلت في تلك اللحظة سؤالاً خاطفاً.. مالوطن؟ هذا أوان إستماعي لنغمة هاتفه الجوال مقطع من أغنية "في بعدك يا غالي" موسيقي في توحشها الأزلي وبربريتها المشجونة. إعترض وبشدة علي ما أسماه إهمال الآثار من قِبل الدولة ما يعني ضياع "هويتنا" تماماً. قالها هكذا..

ومع كل إعتراضاته لم يبدو علي وجهه أدني غضب ولم تطل حشرجة الغيظ تلك بحنجرته، بل علي العكس كانت ملامحه الهادئة تخبر بفرح ما ، فرح غامر، يتصاعد مع كل لحظة تطل مع جمله المعترضة، فالوطن في إحدي صوره الغريبة حقاً هو أن تعترض، وأن تشعر بحنق وغضب عظيمين ومن كل شيء..

هذا الشعور العفوي العابر أو المقيم علي حد سواء ، يعني أنك علي النقيض مما تقول، في بلادك أنت وفي وطنك، لأنه غالباً لا يمكننا الإعتراض ورفع أصواتنا إلا في أوطاننا، هي تفهم لغتنا، تعابيرنا، إختلاج أرواحنا، ونحن نشكوا لها حالنا، لا يشكوا الناس شيئاً ولا يسرون بسر إلا لما هو قريبْ، قريبٌ جداً من الروح.

كان قادماً لتوه من "الجنوب" كمواطن من الهناك، لدولة أخري، برائحة خليطٍ من بارودٍ حار وباباي.. قادماً من هناك في قلب الهُنا ومع ذلك لم يزل يتكلم بلسان " النحن " باعتبار أننا ما زلنا واحد في عالم يخصنا، فقط بعلمين مختلفين ونشيدين.

تُسجل (الميديا) العامة لحظات عامة ولا تُبصر أبعد من مدي الكاميرات بإختلاف أنواعها، ونفسها جماهير الشعوب في كل الكرة الأرضية، تَشكلّ وعيها بما تُمليه عليهم شاشات التلفزة، سواء أكانت أخباراً أو مباريات لكرة القدم أو أفلام وغيره، ذاكرة كاملة اسمها الإنسان اليوم، شكلتها تلك الصور والمشاهدات والتي لا تأتي في مجملها برئية كما نتصور..

إذ أنها تعمل بقصدية تامة لأجل سيطرة مطبقة علي هذا المشهد، والذي هو الإنسان في كل تجليات وجوده ، أن تُبصر الإنسان وتستهدف ماهيته. تُحاك ضد حياته مؤامرة هائلة الإتساع والتعقيد، أن لا يصير أي شيء في النهاية سوي محض ظلٍ ركيك أو ذكري لما كان سيسمي إنسان.

في الجُمل والمُفردات والصور الثابتة أو المتحركة دائماً توجد هذه الخدعة الكبيرة: أن لا تري كما يجب، أن تُبصر دائماً نصف صورة ونصف إطار ونصف روح ونصف بلاد. لا أدري ربما كلّنا وبكل أسف وقعنا في الفخ، فخ المفردات العجيب..

كأن نردد بكل براءة مُفردة مناقضة تماماً لكل ما نحياه، مُفردة تُخبر عن مأزقنا الوجودي وعن عمأنا الشعوري وغياب تلك الحساسية والرهافة المبصرة، كأن نتحدث مثلاً عن حياة الدكتاتور و نتمني موته، بلا إدراك منا بأن مانتمناه هو حادث حقاً، مقابل ما لم يحدث ولن، إذ ليس للدكتاتور حياة بالأساس..

أن نتمني حياة الدكتاتور مثلاُ فهو أمر منطقي، أن نتمني له الحُب وسعة الرزق فيه، هو طاغية كما قلت مراراً لأنه لم يُحب، ولأنه لم يعرف هذا الشعور من قبل، ولأنه نفسه واقع في فخ اللغة، إذ يُخيّل إليه دائماً النقيض في كل ما يقول ويشعر.

أتخيل أن كل طاغية في الارض يتصور نفسه بطلاً ومُحباً للكائنات بل ومُخلّصاً، كل البشاعات في العالم أُرتكبت والحماقات باسم هذا التخلِيص، خلصُونا من التخلِيص هذا، وقولوا لكل طاغية في الأرض أنه محض ظِل و صنم، كما قالها شاعرنا العظيم الفيتوري:

كل طاغية صنم

دُمية من خشب

أخبروا كل طاغية في الأرض بموته، وكيف أننا علمنا بخطته المُضحكة لجرنا لمربعه، لنقطة تخلقه في العدم، ذاك الذي تمخّض في نهاية الأمر عن موات وأسف وبياخة، بالنسبة لحاله طبعاً.

هل يوجد طاغية يُمكن أن تُحركه تلك النسمة المُشبَّعة بالرطوبة ورائحة الحناء، هل بالإماكن أن يهزُه جمال المرأة ورقة الطبيعة، هذا ليس حُلماً لقد حدث وأن فعلتها (حسنة بت محمود) في تلك اللية المُقمرة في القرية المنسية عند منحني النهر كما وصفها الطيب صالح..

ولم يكن الرواي الذي إنتمي إليها، إلي تلك المرأة برعشة بالغة حد إقترابه من عناقها، ولم يفعل، سوي معانقة نفسه، لحظة صحوه الاولي تلك كإنسان وإغفاءته الغامضة والأخيرة شأنه شأن كل عابر إلي الهناك حيث لا يرجع أحد، لم يكن هذا الشخص سوي آدمي في تمام آدميته، سوي إكتمال لرغبة فادحة، أن تشتهي وتشتهي وتقترب فتجد نفسك، مطمئناً في تمام السلام.

بالمقابل وفي مشهد آخر لم يكن من مزّقها أي (حسنة بت محمود ) نفسها، ومزقته مثل (ود الريس) سوي تجلي واضح لوحشية الطغاة.. الطاغية محض رغبة تسيطر وتعمي صاحبها.

يستحيل الناس لرُكامٍ وعدمْ، محض ظلال تعبر أمامك من وقتٍ لآخر، يُرهقني تماماً الليل، أن تعبر إمرأة أمامك ويشهقك العطر، أن (تتشحتف) روحك كشاعر أمدرماني في بواكير القرن العشرين يغني بصوت منتصب مشجون:

" أنا حالي ظاهر، أنا حالي ظاهر أنا .. أنا ".. ثم أنه: لا شيء غير العدم الأخير ونُطفة تخلقت لملايين السنيين ولم تنتج غير طيف شاعر، هذا الذي حاله ظاهر، هذا الذي هو أنا.

الأماكن نفسها لغات، مكتوبة بأحرفٍ متنوعة: فرح الناس، رغائبهم الجنونية،أحلامهم المتمنعة، غدهم المأمول، وكل شيء، دمهم ودمعهم، المتخثر والمُضاء كما يقول حسان بورقية، وكل ما يمكن أن يدلك علي وجودك يُنقذك من عدمك الخاص، هذا ومن الذي تسميه عالم ويسميك لحظة عابرة.

أنت لحظة العالم الطفلة و سيد الإرادة، أن تكون كما يجب أن تكون، أن تعلو دائماً هناك في فضاء لا تحده اللغة والدين والقبيلة، فالهزيمة ألا تعي ذاتك جيداً، أن تضع نفسك في مكان لا يليق، أن تبحلق في السماء بخوف متجاهلاً إمكانيتك المهولة في التحليق.

دوّنت (الميديا) عبر كاميرتها كل شيء، في تلك الفترة ــ قبل إنفصال جنوب السودان ــ ميلاده الجديد كدولة جديدة اسمها جمهورية جنوب السودان. كنت مُحرِراً بصحيفة الأخبار، وذات صباح خرطومي ضاج بالرتابة والموات، في أهم شوارع المدينة، إسمه "الحُرية" وواقعه يقول عكس ذلك تماماً..

إذ لا يُفلح هذا الشارع في شيء سوي في سحقك وسلبك حُريتك والإمعان في إغاظتك حد أن تنفجر، ربما حينها ستمسع صوتاً ضخماً لقهقهة خشنة وغير موزونة بما يكفي، سيكون نفسه الشارع من أطلق ضحكته هذه في وجه جثتك المسكينة المتشظية لملايين القطع الصغيرة وسيامثل حالك حال القطار المسكين ذاك والذى وفي فورة حزنها ولوعتها دعت له إحداهن دعاءً مُحطِماً:

"القطر الشالك أنت يتكسر حتة حتة"!.

يقهقه الشارع في وجه تشظيك وكيف أنك مسكين وأبله كونك تصدق مِلهاته وتعدها حقيقة حد أن تنفعل وتنفجر:

إنني أكذوبة إنني إكذوبة إنني..هههه.

كتبت في ذلك اليوم من وحي مشاهدتي لحركة الشارع في صبيحة يوم الإستفتاء بشأن التصويت لمشروع إنفصال الجنوب، المُعد سلفاً، مقالاً مُطولاً اسميته (وإدشدش صحن الصحيني) نُشرته بالصحيفة نفسها "الأخبار" في الــ10 من يناير 2011 وقد كتبته مستلهماً فيه لمقولة الزعيم إسماعيل الأزهري التاريخية حين وصف استقلال البلاد بصحن الصيني الــ(لا فيه شق لا طق) وقلت في مقالي ذاك: " يبدو أن لعنة الصيني أصرت أن تعمل عملها في الوطن، فقد أعلنها في زمن مضي يوم إعلان الإستقلال من البرلمان السيد الرئيس اسماعيل الأزهري إذ وصفه بالنظيف (اللا فيه شق ولا طق، زي صحن الصيني)..الآن وبعد مُضي خمسة وخمسين عاماً على رفع العلم والإستقلال الــ( لا فيه شق ولا طق) ها هو الوطن يتجزأ وينقسم إلي نصفين بشقٍ وطقٍ أحدثا دوي عظيماً صم الآذان..وتابعت: "بين عشية وضحاها أصبح (دينق ومتيانق وأجوك وأداو)..غُرباء تحتاج للوصول إليهم لــ(فيزا) وأصبح مكان "ريتشارد جاستن" شاغراً في ملاعب الشمال.

الآن كل المؤشرات تدل علي إنفصال جزءٌ عزيزٌ من أرضنا ويُصبح السؤال: إلي أين ستتجه الدولة السودانية بعد أن أصبحت دويلة شأنها شأن كل الدويلات التي لا تتعدي مساحتها الآلاف من الأمتار؟!..

وحال تعديل الدستور (النيفاشي) والإتجاه لإعلان دولة الخلافة عبر ما يروج له بالدستور الإسلامي..هل ستكون دارفور أيضاً بحاجة لأن تُطلّق المركز ثلاثة، ومن ثم الشمال النوبي المسلم والشرق السوداني متعددِ الأعراق والألسن؟".

كان مقالي ذاك بكائية عظيمة من صحفي يافع بالسن، ومع ذلك طرح الأسئلة إذ لم يقف موقف المتفرج، والمنتظر والذي عليه أن يرضخ طيلة الوقت ويُسلّم بكل شيء وأن ينطق بكل مفردة في القاموس البذئية منها والطيبة، كل مفردة تقال يقلها عدا كلمة واحدة .. لا. كما يحدث عادة في هذه البلاد، وقولها الأبدي بـ"نعم" وبلا أدني تفكير أو مقاومة.

إذ لم يكن بالنسبة لي مخيباً في ذلك اليوم ــ صبيحة الإستفتاء ــ إلا حركة الناس العادية تلك برتابتهم ذاتها و(تقلة دمهم) وبروح باردة للغاية وواحدة تكون وقفتهم أمام مخبز أو محل لبيع "للتمباك".

لقد قلت " لا " لأني فقط أحيا بأمر واحد مُهم ومُؤثر ككائن يشعر ، لأنه لم يمت إحساسي بعد ولأنني حيٌ وحيْ.

ومع ذلك ( أدشدش صحن الصيني) بانفجار ودوري عظيم وأظنه ــــ أي الزعيم نفسه ــــ وفي عالمه البعيد ذاك قد سمع الدوي الهائل الذي صم أذان الكائنات حد إرتعاشه كمن يستيقظ بغتة وقد أخذته سنة من النوم آنفة، داهمه كابوس مُبهم وبصورة غامضة أخذ يُردد بعينين بارزتين بخوف وخُلعة حتي تخالهما ستخرجان من وجهه : " اللهم أجعله خير، اللهم خير أجعله، أجعله خير اللهم ، اللهم أج..."

لم يكن ثمة شيء يا "زعيمنا " فقط " إدشدش " صحنكم الصيني. ليتك وصفته بغير هذا الهش سريع الكسر الأملس والذى لا يستقر علي حالٍ أبدا.

لو أنك "يا زعيمنا" فقط أبصرت أبعد من مداك قليلاً وتمنيت أن يكون إستقلالنا متيناً كتمثال "آبادماك" وجميلاً كخصر "أماني شخيتو" وباسلاً مثلها، ومعطاء مثل "آمون رع" وثابتاً مثل "النُورْ كَل" كما تُنطق باللغة النوبية أو "البركل" أوان حداثتها المفرطة في لغة جديدة نبتت في هذه التربة لخمس أو ستة قرون، أو كما قال أحدهم: (قول ألف عام!.) لا شيء، سوي كل هذا الإغتراب.

تغرس "الميديا" اللا شيء في غير تربته. هل تنبأت شاشة واحدة بما سيؤول إليه حال ملايين الناس في الجنوب أو دارفور أو أرض النوبيين، أو غيره وفي جميع الإتجاهات؟.. ماذا بعد ذلك؟ لا أحد بإمكانه أن يُبصر، ماذا بالإمكان أن نفعل؟ أيضاً، كذلك.. لا شيء.

رغم أن العمل يبدأ في تلك اللحظة التي تماثل النهاية وتشبهها.. في ذلك الشعور الغامض عندما يظن الناس أنه إنتهي كل شيء، بخدعة مماثلة ينفد الوقت وتتضاءل الأحلام.

الآن عشرات من فقدوا عقولهم من تلك الجهات يغطون المدي. باسم الوطن صيروهم والحُلم، حملوهم في "صنادل" نيلية بليلٍ أو نهار ورددوا جميعهم وبصوت واحد:

"الآن فقط صار لنا وطن، صارت لنا بلاد، الآن فقط الآن..الالويا، الالويا".

وبليلٍ آخر قدِموا بنصف ذاكرة ونصف جسد ونصف روح، يُبصرون المدي أمامهم كوليمة دسمة من الرصاص.. لقد فقد كثيرهم عقله.

كنت رتبت لعمل "تدوين" طويل المدي بشراكة كتاب ومثقفين من جهات مختلفة علي رأسهم الأديبة "إستيلا قاتيانو" لأجل تدوين ما لم يدون، وما لم تُدركه بصيرة الكاميرا وأوراق الساسة وشريط الحدود الرفيع الموضوع بعناية علي الأرض كحدٍ فاصلٍ بين دولتين.

ما يُربك في الأمر أن آهة ألم الإنسان أقرب من ذلك الشريط، أقرب للكاميرا ولـ(مايكرفون) المذيع، مع ذلك لا يُبصرهم أحد، السياسي تعنيه الأرقام والكتل، والأدب والكتابة الحرة يُعنيان بالأفراد، بمصائرهم الخاصة، ويفتتا الكتل، لذلك خُلقت الكتابة وخُلق الأدب.

إذ وعبرهما يمكن أن نُحرض على صياغة السؤال مرة أُخري: مالوطن؟. عرفوه من جديد، إبتكروا تعريفاً آخر غير تعريفكم هذا.. لكل من يأتي بسيرة (حلايب وشلاتين) دعوني أسألكم: ماذا تعرفون عن (أرياب) وعن أطنان الذهب التي تُخرج نهار ليل من الأراضي النوبية، وعن أروع آثار حضارتنا التي لم يعد لها أثر..

عن الجزيرة أرض الله التي سُطحت ومشروعها العظيم، عن البلاد التي تتقلص يوماً إثر يوم، عن ملايين الجوعي والفقراء والمُعدمين، في بلاد الذهب والماء والشمس والحقول، في بلاد فيها يرتفع كل شيء، الإنسان فقط من ينخفض و في كل شيء، أقداره، أحلامه، روحه وكرامته.

ماهو الوطن؟

بالنسبة لي فإن أرض الله واسعة، هذا حتي قبل "أن تباع صكوك اﻵخرة وتصبح ضيقة". وأنني مواطن للدنيا كلها، لا يشدني الحنين ﻷسفل، ولا تربطني الأكاذيب كوتد بمكان محدد، كل قيم الإنسان الرفيعة هي قيمي، وكل قضية تعنيه تعنيني، لذلك لا يكسرني واقع مثل الذى نحياه، ولا يختزل طاقاتي في إرادة واحدة إسمها الرئيس أو الحزب أو الدين أو القبيلة أو أي شيء آخر.

كنت أنت كما يجب أن تكون نافذة للضُوء وتعبيراً حُراً وطليقاً عن الإتساع ، البصر والبصيرة، رحابتك المهولة، قدرك الخاص وشراستك التي تبقيك بكل هذا التوهج وبكل هذه الحياة.

أن نحرر أرواحنا من كل ما يعيق تحليقها، ويلوث أقدارها النقية. فالنزحزح حتي يقينياتنا الجامدة إن هي أعاقتنا ولم يعد أدني فائدة من بقائها، ولنبصر عميقاً، شاسع الحياة و اﻷماكن، ولنكتب وندون بأقلامنا ما لم تقله الكاميرا بعدستها.. فلتكن نظرتنا الأفق، فكل جميل مثلك نظرته الأفق.

Last modified on الأربعاء, 04 تموز/يوليو 2018 10:12
Rate this item
(0 votes)
Read 60 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001