الأخبار
Time: 9:27
اخر تحديث:20-05-18 , 21:27:06.

حسن محمد صالح يكتب: علاقة الإسلاميين بإنتفاضة إبريل 1985

السبت, 21 نيسان/أبريل 2018 08:43

لم أتمكن من متابعة الجدل الكثيف الذي دار حول علاقة الإتجاه الإسلامي في السودان بإنتفاضة السادس من إبريل لعام 1985م، ولكن ما أستطعت أن أستخلصه من بعض أحاديث المجالس، وما يقوله أدعياء النضال بأن الإسلاميين لم يكن لهم دور في الإنتفاضة، وأنهم كانوا سدنة لنظام نميري الذي إنقلب عليهم وأدخلهم السجون والإنتفاضة، هي التي أنقذتهم من حبل المشنقة الذي كان ينتظرهم بعودة الرئيس نميري من رحلته العلاجية للولايات المتحدة الأمريكية ليصادق على إعدام ما يربو على الخمسين من قيادات الحركة الإسلامية كانوا في السجون وستكون محاكماتهم عاجلة وناجزة لا تتجاوز ساعة من الزمن وينتهي الأمر.

وأقول إبتداءاً إن الجدل حول الإنتفاضة ومن قام بها ليس بالجديد، وقد بدأ من أول يوم في الإنتفاضة وأستمر لوقت ليس بالقصير من الزمن، وأذكر أنني كنت أستغل لوري لشمال كردفان وتجادل المسافرون حول الإنتفاضة ومن فجرها هل هم الشيوعيون أعداء نميري التقليديون أم البعثيون الذين كانوا يكتبون علي الحائط في جنح الظلام (يسقط نظام نميري)، أم هم الشماسة الذين تقدموا لإحراق مؤسسة ود نميري التعاونية (تعبيرا عن رفضهم لحكم النميري)، وإنتقاما من تلك المؤسسة التي كان ينظر إليها من قبل البعض بأنها رمز للفساد ومحاباة نميري لأهله عندما أطلق عليها إسم نميري الذي جر عليها غضب وسخط كثير من القطاعات التي كانت تشعر بالحرمان ومن بينهم الشماسة، (أول ضحايا الحرب والجفاف والتصحر الذي ضرب السودان خلال الثمانينيات من القرن العشرين)، وادى لإفرازات سالبة من اهمها نزوح مواطني الريف إلي المدن وعلي رأسها العاصمة القومية التي إستقبلت الأعداد الأكبر من هاجري ديارهم بسبب الجوع والجفاف وإنعدام الأمطار. كان سائق اللوري يستمع للأحاديث في واحدة من محطات التوقف على الطريق وقال للناس بطريقة سودانية عفوية من غير تكلف أو معرفة بالمتحاورين : والله أنا عاجبني الأخوان المسلمين ديل أول ما نميري سجنم بالراحة سقطوا حكومتو.

ولعل الجدل الكثيف والأشبه بمغالطة التاريخ والوقائع التي ما زال من شاركوا فيها أحياء ومتقدي الذاكرة ولهم شهود ووثائق وشواهد تؤكد صدقهم وتدل على أفعالهم في ذلك الزمان. لقد إنحصر الجدل ومغالطة التاريخ (في جامعة أم درمان الإسلامية وإتحاد طلابها)، الذي كان يقوده التضامن الإسلامي وهو تحالف للطلاب المستقلين وطلاب حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي وكان طلاب الإتجاه الإسلامي في المعارضة الطلابية وظل الإتجاه الإسلامي على مدي سنوات طويلة هو الذي يسيطر علي إتحاد الطلاب بالجامعة وخلال الفترة من العام 1982 إلي العام 1984م فقط كان يقود الإتحاد (رؤساء الإتحاد) الإخوة المسلمي البشير ومحمد يوسف آدم وعثمان قادم. وكانت دورة التضامن بقيادة الأخ الصديق محمد أحمد سلامة دورة إستثنائية لم يتمكن التضامن بعدها من قيادة إتحاد الطلاب حتى في أيام الديمقراطية الثالثة وسنين الإنتفاضة التي قاد فيها الإتجاه الإسلامي الإتحاد بقيادة الطالب وقتها والدبلوماسي حاليا أنس الطيب الجيلاني والشهيد حسن الحربي وغيرهم فلو كان التضامن يمثل للطلاب مفجراً لثورة في مقام ثورة إبريل لما فرط فيه الطلاب ولقاد الجامعة إلى يومنا هذا، ولكنه ذهب أيد سبا وتفرغت بمجموعاته السبل وتصدع ولم يكن قادراً على البقاء لأن الذي كان يجمع بين تياراته هو بغض الإتجاه الإسلامي وهي عدوة أصابت طلاب حزب الأمة وكيان الأنصار من قبل اليساريين والشيوعيين الذين كانوا يقودون حركة الطلاب المستقلين سراً ومنهم من كشف عن هويته بعد التخرج من الجامعة وهم اليوم من كوادر الحزب الشيوعي ومنهم رئيس تحرير صحيفة الميدان الناطقة بإسم الحزب الشيوعي الأستاذة مديحة وغيرها من كوادر اليسار.

نعود للإنتفاضة ومن المسلمات أن الحركة الإسلامية ونظام نميري كل منهما كان يتربص بالآخر ولم تكن الحركة الإسلامية تريد أن تبادر النظام بالعداء لأنها لم تكن مستعدة لمواجهة النظام وإسقاطه ولم تكن مهيئة لأن تتولي مسئولية الحكم عقب سقوط نميري وذلك لما كان يعتري الساحة السياسية من تناقضات ولما كان عليه نميري من قوة وسيطرة أمنية من خلال جهاز الأمن القومي الذي كان يحصي أنفاس السودانيين ويحرس أمزجتهم قبل تحركاتهم السياسية والفكرية، وكان النظام قد إنتصر للتو على الجمهوريين (أنصار محمود محمد طه)، من خلال حملة إعلامية كبيرة أدارها عبر الجامعات السودانية وعلى رأسها جامعة أم درمان الإسلامية بواسطة الإتجاه الإسلامي الذي إعتبر تصفية الحزب الجمهوري إنتصاراً للعقيدة والشريعة الإسلامية في السودان.

وكانت الحركة الإسلامية تعلم بما يدور في الخفاء، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والزيارة التاريخية لنائب الرئيس الأمريكي يومها جورج دبليو بوش الأب عقب تطبيق الرئيس نميري لقوانين سبتمبر من العام 1983، وكان القرار الأمريكي هو إسقاط نظام نميري الذي أصبح نظاما داعما للإرهاب والتطرف الإسلامي ولكن السياسة الأمريكية قررت أنه لا يجب أن يتم أسقاط النميري قبل أن يقوم نميري بضرب الإسلاميين والقضاء عليهم وكان البديل المناسب هو زعيم معارضة نظام نميري السيد الصادق المهدي، وما كشف عنه الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي من لقاء بين الأمريكيين والصادق المهدي لقيادة رئيس حزب الأمة مرحلة ما بعد نميري وقام الأستاذ عثمان ميرغني بنشره في عموده بصحيفة التيار في الأيام القليلة الماضية. وقد قام نميري بالدور المرسوم له وهو التخلص من حلفائه الإسلاميين وإدخالهم السجون وكان عدد المعتقلين من الأخوان فوق الخمسين قليلا بقيادة الشيخ الترابي عليه رحمة الله ويس عمر الإمام ولم يعتقل نائب الأمين العام الأستاذ علي عثمان محمد طه. وكان خبر الإعتقال قد وقع علي الإسلاميين كالصاقعة وكان داوياً ولكنه للتاريخ لم يجد تأييدا من الشارع السوداني ومن قاد الحملة ضد الأخوان كان هو نميري نفسه الذي تحدث في خطاب مطول عن تمددهم وعن مؤامراتهم وسيطرتهم على البنوك وعلى الإقتصاد وأنهم قد صاروا دولة داخل دولة ولهم صحيفة ناطقة بإسهم هي صحيفة ألوان التي تم التصديق لها بأن تكون صحيفة ثقافية إجتماعية وكانت الصحف تتبع للإتحاد الإشتراكي السوداني بموجب قانون الصحافة والمطبوعات مما إعتبره نميري مخالفة صريحة وجريمة لا تغتفر. وكان خطاب الرئيس نميري ضد الأخوان عبر (الراديو والتلفزيون ثم الصحيفتين المواليتين له الصحافة والأيام)، وهو يغادر البلاد جرت الإعتقالات. ولا أذكر يومها (وكنت طالبا في المستوي الثالث بالجامعة) أن توجيهات قد نزلت للقاعدة الطلابية من الإخوان بالقيام بأي تصرف وربما كانت الإعتقالات مفاجئة للساحة السياسية بأكملها فقد دام التحالف الحذر بين نميري والحركة الإسلامية زهاء العشر سنوات منذ المصالحة الوطنية في العام 1976م حتي الإنتفاضة في العام 1985م، وربما إنشغلت الحركة بتأمين ما تعتقد أنها وثائق قد يستخدمها النظام في إدانة الحركة ومعتقليها فهو كما قلت كان يتحدث عن كل شيء حتي صحيفة ألوان الثقافية المستقلة لم يتحدث عن مضمونها وما يكتب فيها ولكنه تحدث عن أوانها الزاهية دليلاً على القدرات المالية للتنظيم. كان التأمين يمضي على قدم وساق وعمليات نقل الوثائق من الجامعات والدور إلى المنازل لم تتوقف ولم تكن هناك وسائل للحركة من سيارات وغيرها فالتحرك كان يتم سيراً على الأقدام والمواصلات العامة من مكان إلى آخر. وكان هناك أمراً مهماً وهو أن الحركة الإسلامية كانت قد تركت للطلاب الإسلاميين حرية التعامل مع النظام لدرجة أن الذي ينظر للطلاب الإسلاميين بالجامعات والمعاهد العليا وبعض المدارس الثانوية يومها يعتقد أن الحركة الإسلامية تعارض النظام وتسعى لإسقاطه والذي ينظر لوجود الإسلاميين في مجلس الشعب التابع لنظام نميري وفي الوزارات والإتحاد الإشتراكي وفي السلطة القضائية يجزم بأن الحركة الإسلامية تتحالف مع النظام وتسيطر علي كل مفصل من مفاصل السلطة في أجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والسياسية. وكما هو معلوم فإن إعتقال قيادات الأخوان على يد الرئيس الراحل جعفر نميري قد وقع مطلع مارس من العام 1985م، وصدرت جريدة المرصد الناطقة بإسم الإتجاه الإسلامي بجامعة أم درمان الإسلامية بعناوين حمراء : الطاغية نميري يعتقل آلاف الأخوان في جميع أنحاء السودان. وكان خبراً مدوياً جعل الأنظار تتجه لجامعة أم درمان وزاد أعداد الحضور للجامعة لقراءة المرصد وإن كانت كتابة المرصد في تلك الأيام بعناوينها المصادمة للنظام مشكلة فالمشكلة الثانية في إحضار المرصد وإلصاقها في موقعها المعلوم في الجهة الشمالية من قهوة النظام وقد قامت بتعليق المرصد كتيبة إخوانية كانت مرشحة للإعتقال ومصادرة الصحيفة وتم توزيع الأيام كل ثلاثة عليهم يوم لتعليق المرصد. ودخلت كلمة الطاغية نميري قاموس السياسة من أوسع أبوابه في جرأة لم يعتاد عليها النظام جهاراً نهاراً، إلا في الخفاء من قبل البعثيين كما ذكرت وكان الشارع أحد الخيارات للطلاب الإسلاميين بجامعة أم درمان الإسلامية وما ينقصهم هو المنبر الطلابي المتمثل في إتحاد الطلاب وقد كان خروج الشارع السوداني في مظاهرات ضد غلاء المعيشة والأوضاع السيئة هو المنقذ للمعتقلين في سجون النظام من موت محقق وعندما إحتد الجدل بعد الإنتفاضة عن تخلف الأخوان عن الخروج في تظاهرة 26 مارس بقيادة إتحاد الطلاب كان الفيصل هو الصور الفتوغرافية التي ضمت مجموعات من الأخوان من بينهم الأستاذ مختار محمد مصطفي، وهو ناشط في مجال العمل الإنساني وأحمد إدريس علي وغيرهم وكانوا يقودون التظاهرة ويحرضون الطلاب على الخروج، وتم رفع صورهم في ندوة شهيرة تحدث فيها قادة الإتجاه الإسلامي بالجامعة وأخرصت أصوات أدعياء النضال ممن يشجعون كرة القدم اليوم ويسقطون في إنتخابات الإتحاد العام لكرة القدم ويقولون للناس أنهم كانوا مناضلين وهم الذين فجروا الإنتفاضة وهذا غير صحيح وليتهم سكتوا ولم ينكروا على زملائهم هذا الفضل.

والبعض يقول إن الإنتفاضة بدأت منذ الأعوام 1979م إضراب السكة حديد والبعض يردها إلي العام 1982م بإضراب الأطباء الشهير، ولكن الأيام قد اثبتت أن الثورات الشعبية لا تستمر على وتيرة واحدة زمناً طويلاً، وكلما تأخرت في حسمها لقضية التغيير تحولت إلى نزاع أهلي مسلح كما يحدث الآن في سوريا وليبيا ولكن ثورة الربيع العربي في تونس لم تتجاوز أحداثها الشهر من إنتحار بو عزيزة حتى هروب زين العابدين بني علي، وكذلك ثورة 25 يناير في مصر تم حسمها لصالح الشعب المصري في أقل من شهر. وذات الحال بالنسبة لإنتفاضة رجب أبريل التي وقعت في السادس من أبريل من العام 1985م لم تتجاوز أحداثها الشهر من إعتقال قائد ثورة إكتوبر المجيدة الشيخ الترابي في مارس 1985م، حتى نهاية الأحداث التي كانت متسارعة كأنها إعصاراً مدمراً. وعلقت الموسوعة الحرة على ذلك بالقول (بعد إزاحة الترابي من السلطة لم يعمر نظام نميري طويلا فأطاحت به إنتفاضة أبريل وهنا بدأ فصل جديد حيث أن التمكين السابق أتاح للترابي أن يساهم في الأحداث من خلال أعوانه الموجودين في مفاصل كثيرة، خاصة الجيش). والبعض يقول إن الإنتفاضة كانت مجرد إنقلاب عسكري ولكنها إنتفاضة شعبية ولم يكن مخطط لها وقد إنحازت القوات المسلحة للمتظاهرين والمحتجين في لحظة مفصلية كما حدث مع ثورة إكتوبر 1964م، ولو كانت محض إنقلاب عسكري لما أعقبها تحول ديمقراطي من نظام نميري الأحادي إلى تعددية سياسية وحزبية لم تستثني أحد ولم يكن ذلك منة أو هبة من جهة من الجهات ولكن لأن الكل قد ساهم في الإنتفاضة الشعبية فصارت ملك للجميع مع الإختلاف وتنوع الفرص وبعضها كان بالبصارة والدبارة كما علق صاحبنا سائق اللوري في ذلك الوقت. .elkbashofe @gmail.com

Last modified on السبت, 21 نيسان/أبريل 2018 09:20
Rate this item
(0 votes)
Read 98 times

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001