الأخبار
Time: 2:46
اخر تحديث:12-12-17 , 02:46:24.

شرف حسن يكتب: الجنقو مسامير الأرض، رائعة بركة ساكن

الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 10:14

         تظل شخصيات الجنقو مسامير الأرض..موضع حذر في الأخذ خاصة وأن النص قد يروي تفاصيل عن شخصيات حقيقية بالتالي تناولها في إطار النقد قد لايبدو ماموناً خاصة لووضعنا في الإعتبار التغيرات الحتمية التي تصيب الكائنات الحية..ومجتمع الجنقو..شديد الإستجابة لتلك التغيرات..وقد يتعرض صاحب النص الأصلي ومن يحوم حوله للمسائلة من قبل الصافية نفسها ..أخر مصير تمنته  الصافية أن تواصل تعليمها وتصبح محامية ضليعة..(الصافية) لماذا؟ لأنها اكثرمسمار تم طرقه في تلك الدهاليز..بعد ود أمونة .القوقو: حقيبة صغيرة يحملها الجنقو على أكتافهم، يحتفظون فيها باغراضهم ويعتقدون فيها كذلك...وربما جاء هنا إقتفاء أثر مقولة إذا لبس   نبياً لامته للحرب لاينزعها..                                                                                                                                   

شاهدشاهدناها من بعيد تقف أمام البائع، تتفاوض في شراء جلباب، قال لي فيما يشبه الهمس- الصافية الرهيبة...... أنا عايز اتكلم معاها... يا صديق.

حوار بين الراوي والشخصية الأكثر ثرثرة في الجنقو..

 - المخلوقات البسيطة الصغيرة المهملة المرمية على هامش المجتمع والمكان، تجد فيها أسراراً لا حد لها، أن الله دائماً ما يستودع حكمته في نوع زي ديل.

أنا عايز أصل لأصل الحكمة فيها

قلت له ساخراً بذات اللغة التي تحدث بها

. عايزها مشروع حياة-

 بالضبط، حتكون إضافة حقيقية لتجاربي الإنسانية. 

تصور لو عرفت كل تجربة مرت بحياتها، لو عرفت أحلامها وأحزانها وآمالها، لو عرفت كيف بتفكر الزولة دي، كل زول لاقيته في الحلة دي يحكي لي عنها حاجات أقرب للأساطير، كلمني عنها مُخْتَارْ عَلِيْ، أنا عايز أصل للحقايق بنفسي، وليس من سمع كمن شاف.(1)

تتسلم الصافية دفة الحديث..

        قالت لنا الصافية من بين قرقرات الشيشة، وكأنها تمتص العالم كله في نفس واحد .

- البلد دي أسستا حَبُوبَتِي الصافية، أنا سموني عليها, لمّان جات هِنا، كان البلد ما فيها غير المرافعين والقرود و الحَلُوٌفْ والجنون، البلد كُلها غابة كِتِر و لالُوب ونَبَكْ.حَكَتْ لنا حكايات كثيرة ممتعة،عن المكان قبل عشرات السنين، عن سُجناء يهربون ب(الفِرو) من سجن الحُمرة  بأثيوبيا، عن جنون يسكنون ويتزاوجون مع البشر،عن بشر يتحولون إلى حيوانات وغربان، عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت,وعن أناس عندما يموتون ويحيون سبع مرات يتحولون إلى أبي لمبة.  وعن بشر يأكلون البشر، وعن... عن.إلى أن قاطعها صديقي سائلاً- قولي لينا حكايتك شُنُو مع ود فور؟(...)

الصافية، وهي غزالة  سوداء نحيلة، قل نحلة لأنها دائمة الحركة، لها رائحة متميزة، عبارة عن صُنان مختلط ببقية الليلة الماضية وعرق كدح دءوب، هذه السيدة البسيطة الهزيلة، التي يتبعها لفيف من الجنقو كظل لها، المسالمة، من يحتفي بالإخوان ومجالسهم، الطيبة، هي ذاتها الحيوان الشرس الضاري في المشروعات الزراعية، الذي، عندما يقتحم حقل السمسم يرمي الحِلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة.

وكأنها تعمل بماكينة، ما شاء الله، ينجح الجلابي صاحب المشروع حتماً إذا نجح في أن يضم الصافية إلى فريق عمله،(2) الصافية..تلك الجنقوجوارية..الأنثي القائدة التي يأتمر بأمرها..أكثر من عشرين جنقاوي للصافية خصوصيتها، هنالك جوانب مظلمة في حياتها، خاصة فيما يتعلق بنشاطها الجسدي، وكل ما يدور في هذا الشأن ليس سوى اسطورات صغيرات يمْخِرن في أودية وخيران دافئة، تحت سنطات وسيالات عجفاوات، وعلى حوافر الثعالب والأرانب والحَلُوٌفْات أسطورات حالمات وديعات.(3) حكي لي عن أسرة الصافية كما طلبت منه.الجدة ووالدها عبد الرازق، حدثني أن الجد جاء إلى هنا بعد هروبه العجيب من سجن الحُمرة وعلى رأسه (الفِرو)، وهو أول شَخص في تاريخ الحبشة يهرب بـالفِرو، وربما في إيطاليا ذاتها، لأن الإيطاليين هم الذين جاءوا بالفِرو إلى الحَبَشَة، وهو يُستخدم لتأديب الثوار واللصوص.(4) الحِلة كانت عبارة عن بيت واحد كبير جداً مزروب بالشوك، بيت طوله حوالي ألف متر وعرضه أكثر من ذلك بكثير، ومحروس بالكلاب وهو بيت الصافية الحبوبة، في الداخل كان مقسم لبيوت كثيرة، كلها قطاطي من القش والقصب ورواكيب كبيرة من حطب الكتر والدهاسير، وفي المنتصف توجد مطامير الذرة والدخن وخمارات الكَوَلْ، كل الجُدد القادمين إلى الحِلة، يجدون لأنفسهم براحات يبنون فيها قطاطيهم داخل هذا الحوش الكبير، أما العابرون إلى جهات أثيوبيا وإريتريا، أو الصعيد، الذين أتى بهم الطريق، فإنهم يُستضَافون في ديوان الجَدة الصافية، حيث توجد زاوية الصلاة وسبيل للمياه والمستراح؛ وهو عبارة عن حفرة معروشة بالحطب القوي والقش تستخدم كمرحاض. وقد عبر بهذا الديوان حجاج جاءوا من تشاد، نيجيريا، النيجر والكميرون، وحتى مغاربة بيض الوجوه لهم ذقون ولحى طويلة شقراء، استراحوا هنا، وهم يمضون نحو باب المندب إلى اليمن ثم إلى مكة، كان بعضهم يقيم لأكثر من عام، فيتخذ لنفسه أرضاً، يقوم بفلاحتها وزرعها بالسمسم والدخن، وقد يتزوجون وينجبون الأطفال.

         منزل واحد كان مركز الدنيا، وامرأة واحدة كانت سمعتها تملأ الشرق كله، وقد نقل سيرتها الحجاج إلى بيت الله الحرام بمكة، ولمّا رجعوا لأهلهم، حكوا لهم عنها كذلك، في الحقيقة، ما كانت الصافية الجدة هي مؤسسة هذا النزل، ولكنها الأشهر بين صافيات كثيرات عِشْنَ في هذا المكان، سُلالة جد جاء هارباً من سجن في الحُمرة، في سنة موسومة بسنة النَجَمة أم ضَنَبْ التي لا تظهر إلا في السنوات التي سوف تشهد أحداثاً عظيمة، كان نجماً كبيراً تبختر في السماء بذيله الطويل لأسبوع كامل (5)... ثم حكتَ لي الحكاية الحقيقية وما عداها اعتبرته تشويهاً دافعه سوء النِيّة والجهل و الحَسَدْ، عندما جاء أهلها إلي هذا المكان، لم يكن به سُوى الثعالب، المرافعين القرود، الحَلُوٌفْ، أبو القدح، الأرانب والصقور والحُبار، وأحياناً يرى الناس بعض النُمور، كانت هناك غابات كثيفة من شجر الكتر واللالوب والهشاب وبعض السَيّال وعند الخيران وبرك المياه تنمو أشجار السُنُطْ، أما في الكَرَب وعلى شاطئ النهر فالعرديب والتبلدي، ولكن البلد مشهورة بالجن وأبي لمبة، منذ أن تغرب الشمس يخرج أبو لمبة، كانت أسرتها في طريقها إلي مدينة القضارف بعد أداء شعيرة الحج، حيث إنهم قدموا عن طريق اليمن، باب المندب، مصوع، الحبشة ثم إلى هنا، وقد داهمهم الخريف في هذا المكان، فأقاموا وبنوا أول منزل، قطع جدها وأبناؤه الأشجار، نظفوا الأرض وزرعوا محصول الذرة والدخن والسمسم، قالت: دا قبل أكثر من مية، مية وخمسين سنة- حكت لها بذلك جدتها عن جدتها عن جدتها، قالت جدنا الأكبر اسمو عبد الرازق وله توأم اسمو عبد الرزّاق، حبوبتي قالت، حبوبتها قالت ليها: كانا يعملان في تجارة الحطب والمحاصيل الزراعية التي ينتجانها، حيث يقومان ببيعها إلى الحبش في الحُمرة وبحر دار وحتى نواحي قُندر، قد يسافران لأيام تطول، بينما يبقى أبواهما في المنزل مع أختهما الصغيرة وهي التي تسمى الصافية، حكت لها جدة عن جدة عن الصافية، كان عُمرها لا يتجاوز العَشر سنوات، في ذلك الوقت ولكنها تتذكر إلي الآن اللحظة التي جاء فيها أخوها عبد الرازق التوم على رأسه طُوق من الحديد، مربوط بشكل محكم، عيناه محمرتان وبارزتان إلى الخارج ولسانه خارج فمه مثل لسان الكلب، ورغم ذلك كان صامتاً، فقط يصدر صوتاً من صدره مثل نداء البوم، فهب إليه أبوها وأمها وأخوها عبد الرزاق، والذي خرج من السجن قبل يومين فقط، تذكر إلى الآن جملة واحدة وهي: أنا ممكون بالفرو-وكان جسده كله يتصبب عرقاً، أخذ أبي يقرأ على رأسه آيات من القرآن ولكن عبد الرازق قال له ,,المُبرد، المُبرد يا حاج- وفعلاً أتى أخي عبد الرزاق بالمبرد وقاما بقطع الفرو، وكانت لحظة عجيبة جداً, كلنا أحسسنا بالراحة, وكأنما هو وُلِدَ من جديد في تلك اللحظة، ولم يهتم أحد من الأسرة إطلاقاً بالهواء العظيم الذي اندفع من دُبر أخيها عبد الرازق، في شكل دوي هائلٍ محركاً سكون هواء الخريف الثقيل، ناثراً عُفُونة إسهال حبيس بائس, ثم استفرغ، ثم نام,أيقظه أبوه في منتصف الليل، حيث أطعم، ثم نام مرة أخرى تاركاً الأسرة كلها قابعة قرب رأسه ينظرون إليه مندهشين، وكان عبد الرزاق بين حين وآخر يردد أنا السبب، دا كله عشاني أنا-ولكن أمه كانت تخفف عنه بالقول في النهاية أخوك، تكررها في قلق.(7)أكدّ لي أنّ مشروع الصافية بالنسبة إليه لم ينته بعد، وأنه قرر أن يخوض المعركة إلى آخر طلقة، ولم يكن تصريحه هذا غريباً، فأنا أعرفه فيما يزيد عن الثلاثين عاماً من الصُحبة، القراءة المشتركة، السفر، الفشل، الإحباط، النجاحات الكبيرة، العمل والعطالة، سيكون تصريحه غريباً إذا قال لي إنه تنازل عما سمّاه بمشروع الصافية أو خاف،قال بثقة كبيرة. أنا بحلل وضع الصافية بالطريقة دي:امرأة عندما تُثار جِنسياً، ينمو الصوف في جسمها كله، تطول أظافرها، وأذنيها، تتحول ملامح وجهها إلي ما يُشبه ذئب كبير، أسدٍ أو حتى قرد، فتهاجم العشيق، فيهرب،وهي نفسها لا تكون واعية بحقيقة ما يجري لها,ثم طرح سؤالاً: الزول لو انتظر للنهاية حيحصل ليهُ شنو؟

        دعونا نفكر في هذا الموضوع بجدية، دعونا نفكر كيف نتعامل معها، يجب ألا نتركها هكذا تعاني وحدها هذه الأزمة الإنسانية الفريدة، نحن شُركاء على الأقل في الإنسانية نحن بشر، يعني، هنالك مسألة تخص الفرد، تخص الجميع، وما يخص الجميع يخص الفرد، مسألة مصير واحد، مآل واحد، ثقب واحد يجب أن نعبر به جميعاً نحو الحياة، أن يعثر أحدنا فيه، يعني ألا يمر الآخرون، وأخذ يهذي في كلام أعرف أنه يجيده والأسوأ أنه يؤمن به والأسوأ أكثر أنه سيفعله.قدمت له نصيحة لا تفيده، وقد تكون طوق نجاة لغيره أتمنى أنك ما ترمي بنفسك في التهلكة.(8)

       الصافية، أصبحت مشروع حياته الآني، والآني هنا كلمة مهمة وذات دلالات غير محايدة، وسوف يغتاظ فعلياً إذا علم أنني استخدمها في هذا السياق، فهو متقلب المزاج، طائش، تطوف برأسه أفكار كثيرة وقد تكون متناقضة في ذات لحظة تولدها،  ولكن الثابت أنه يتبناها ويشرع في تنفيذها مباشرة، تماماً كما يفعل طفل نزق في الحلم، أو فنان مجنون في لوحة، وهذا طبعه منذ أن تعرفت عليه في طفولتنا الأولى، وأعرف، طالما اختلق فكرة مشروع الصافية، فإنه سيصل إلى قاع الفكرة المظلم البارد وسيلقم من حصبائها المالحة، فما اعتبره تطفلاً يسميه هو مهام صعبة... لم أندهش عندما قال لي أنا عايز أحسم موضوع الصافية دا-قلت له سوف تموت .-قال بثقة لا معنى لها -أنا لن أموت مقتولاً، كلمتني قارئة فنجان وكف حلبية قابلتها في بورتسودان، أنا حأموت غرقاً وفي عمر كبير، ربما بين السبعين والثمانين.كويس، هل قالت ليك حتغرق بكامل أعضاء جسمك وأطرافك عيونك مثلاً؟(9)

إذا أضفنا جملته القاطعة: أنا نجمتها، مُشْ هي النَجَّمتنِي .ربما أربك مشروع الصافية هذه مشروع دراسة الجدوى، لأن همّ الناس الآن وقضية ساعتهم هي إدراك حقيقة الصافية والبنك ملحوق، فما زلنا في شهر يناير، ولكن هناك دائماً من يشذ عن القاعدة وعلى رأس هؤلاء الصافية ذاتها، جاءت في وفد من ثلاثة رجال تسأل عن دراسة الجدوى، قلت لهم معليش أنا آسف، ما قدرت أكملها، كنت مشغول شوية-قالت الصافية في جرأة - في موضوع صاحبك؟قلت مراوغاً في هموم كتيرة، ولكن بكرة الصباح بكون خلصتها-قالت بصورة حادة وجادة أخافتني وهي تحمّلِقْ في أم عيني بمقلتين حمراوين شرستين-أحسن تشوف المواضيع الفيها فايدة، وتسيب القُوالات والصُواطات لل... والل.... وال.....وقالتها بطريقة تعني تماماً أنني من هذه الفئات الثلاث والأخيرة بالأخص.(10)

اعقد مقارنة في وعيي ما بين ألم قِشي والصافية والفرق بين المرأتين  ليس كبيراً. ألم قشي تجد نفسها تقوم  بأفعال وأقوال لا تعبر عنها في واقع الأمر.. قد تكون حالة مرضية وقد تعني هي ذلك. الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج بها ما يشبه المؤتمر في بيت  أداليا دانيال الصيف الماضي.. لها شخصيتان، شخصية ظاهرة وهي الشخصية التي نعايشها يومياً، وهي الغالبة وشخصية أخرى لا تظهر للعيان فيما يبدو  إلا إذا أثيرت عاطفياً فقط، لأنها حتى في لحظات الغضب لا تبدو عليها أية تحولات شاذة أو غريبة.

      لكل من المرأتين شخصيتان، إذا صَحّ أن نُطلق على الصافية لقب امرأة.. إلا إذا أخذنا بإفادة الرجلين وافادة الصافية  نفسها.(11) الصافية تحمل علي ظهرها القوقو مشدوداً عصاه من حطب العندراب، يتبعها خمسة من الجنقو الذين دائماً ما يشكلون معهاً فريقاً واحداً، نزلوا عندنا في التاية، في الصباح عملوا معنا في الحصاد وسكب القصب في آنٍ واحد، كانوا سُعداء وهم ينشدون أغاني الحصاد الجميلة التي كادت أن تيبس علي أفواههم. مُنذ أسابيع كثيرة توقفوا عن العمل نتيجة لمنافسة الآلات الرخيصة السريعة والأكثر دقة. كانوا يعملون بشهية كبيرة ومتعة لا تحدها حدود.(12)

       أتت فجأة الصافية،التي ارتبط مصيرها نهائياً بجيش الجنقوجورا، و أصبحت لها أهداف أكبر من العمل و الأكل و الشُرب،أسرت لي أنها تريد أن تقرأ في الجامعة و تتخرج محامية، وهذا ليس ببعيد عند الله.(13) وبرضو ما لقيت وقت، وقتي كلهُ للشُغُل، بعد دا، حأخلي بالي من نفسي شُوية قلت لنفسي: الموضوع ما بيستحق، خلينا نخلص-كنت مصمماً على أن أجعلها تدخل تجربة جديدة مثيرة في حياتها، تجربة لا تُنسى، بما يساوي نقطة تحول، قالت: قاعدة أنظفُهُ وأسرحو بالمشط كل يوم جمعة-حكى لنا بالتفصيل المُمِل، في الحقيقة ليس مُمِلاً، بل مؤذياً وضاراً جداً، ثم أقسم وأقسم وقال: الصافية انقلبتْ مَرَفَعِين-قلنا بصوت واحد - مرفعين؟  مرفعين عديل كدا-اللحظة التي وضع يده ...

نكبة الصافية: بدأ الصوف ينمو في جسدها، صُوف أسود غليظ خشن وقبيح، تماماً مثل صُوف الحِمار، كان ينمو بصورة مذهلة، بِسرعة رهيبة، ثم أخذتْ ملامحُ وجهها تتغير، برزت أنيَابُها، ثم أخذتْ تُصدر صوتاً غليظاً، ثم انقضتْ عليّ، كما لو كانت أسداً ضارياً، وأنا فريسةٌ بائسةٌ جريحة، حدث كل ذلك في ثوانٍ معدودات. لا أدري كيف تمكنتُ من الهرب، عبر الباب المغلق، أم عبر الشُبّاكْ الصغير،أو  أنني قد اخترقت السياج اختراقاً، لا أدري ولكنني وجدت نفسي خارج القطيه، خارج بيت أدّي،  خارج الحِلة كلها، حدث ذلك  في لمح البصر. خلع جُلبابه وأراهما خُدوشاً في ظهره واليتيه: ضحكنا (14).

الكلام عن النساء  وفيهن مثل أكل المُوليتة، مُرٌ، حارقٌ ولكنه لذيذْ، دائماً له طعم متجدد، ربما لأنه يحرك حنيناً منطوياً في وذاتهم عن أم جميلة فُقدت في موطن ما، أو أخت حنينة لم تنس تماماً ولكنها مختبئة في ركن غيب الذاكرة بعيدة قريبة في آن واحد، أو بنت استحال إنجابها، وربما زوجة، عشيقة، صديقة لم تتبين ملامحها بعد في موطن جاءوا جميعاً منه إلى هنا.

           كل هذا الإحتفاء بالصافية غيربعيد عن منفستو ساكن الفسيح,الذي يحتفي بهن وبهم في حياتنا اليومية  شديدة التعقيد ومشرعنة الإبعاد والتهميش داخل الأسرة في اماكن العمل وساحات الإحتفال وأقبية السجون وحانات المراهنات وصوامع العبادات.

الهوامش: صفحات رواية الجنقو مسامير الأرض.

1-(47- 48), 2- (46- 47), 3- (78), 5- (65-66), 6- (61), 7- (79-80), 8- (84), 9- (107), 10- (119-120), 11- (143-144), 12- (192), 13- (208) 14- (35- 36)

Rate this item
(0 votes)
Read 72 times

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001