الأخبار
Time: 10:45
اخر تحديث:13-12-17 , 22:45:18.

خالد سعد يكتب: حول مفهوم الاقتصاد السياسي.. قرار "ترمب".. فرص ومخاطر!

الأربعاء, 11 تشرين1/أكتوير 2017 15:43

حُظي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإلغاء نهائي للعقوبات الاقتصادية الآحادية المفروضة على السودان، باهتمام مشترك من قبل المواطنين والنخب في توقيت واحد. وهي حالة نادرة في تأريخ السودان الحديث الذي ظل إغتراب النخب السياسية عن شعبها علامة بارزة فيه.

كما أحاط القرار، زخم سياسي معارض ورسمي، واضح للملاحظة، ووجهات نظر وتحليلات عديدة ترصد الآثار الايجابية لهذه الاجراءات على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، لحد أن صور البعض القرار كالعصا السحرية التي سُتعيد للاقتصاد الوطني عافيته. لكن كل ذلك قد تجاهل بقصد أو دون قصد مدلولات الاقتصاد السياسي الذي تضمنه القرار، خصوصا وأن فرض العقوبات نفسها كان شأنا سياسيا قبل أن يكون إجراءاً اقتصاديا قاسيا.

يبدو القرار للوهلة الأولى وكأنه اجراءا اقتصاديا يُعيد السودان للانخراط في البورصة المالية العالمية فقط. بيد أن القرار في الواقع كسر عزلة سياسية للسودان استمرت سنوات طويلة وكانت تزاد ضيقا مع مرور السنوات، حيث شكل الحصار المصرفي الذي تصاعد في السنوات الثلاث الأخيرة، آخر حلقة في سلسلة الخناق الاقتصادي والسياسي على السودان، بعد أن انخرطت فيه دولا على صلة اقتصادية مؤثرة بالسودان مثل المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة.

وأكثر أهمية من ذلك، فقد منح القرار شرعية دولية للحكومة السودانية ظلت تبحث عنها منذ انقلاب الانقاذ في يونيو 1989. فالقرار يقر بوجود حكومة في الخرطوم تُسيطر على زمام الأمور، ويعترف علنا بقدرتها على إدارة دبلوماسية خارجية مع الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، بل أن القرار الأمريكي يذهب بعيدا، ويعتبر أن العلاقة بين واشنطن والخرطوم في مرحلة من مراحل التطبيع.

ومعروف في مفهوم العلاقات الدولية أن التطبيع هو اعتراف متبادل لنظامين سياسيين في بلدين مختلفين، واتفاقا بين النظامين على التبادل التجاري، والدبلوماسي، والتفاهم السياسي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

يُعد هذا الوضع اختراقا حقيقا في أخطر وأكبر ملف في العلاقات الخارجية في تأريج نظام الانقاذ؛ لأنه يُزيل أهم هواجس النظام ومخاوفه التأريخية وهو كيفية اكتساب الشرعية الدولية، فعلى الرغم من كافة التكتيكات التي اتبعها العقل السياسي للإنقاذ بداية بالتمويه عن حقيقة القوى السياسية التي تقف وراء الانقلاب، مرورا بما سمي بقرارات رمضان التي أطاحت بزعيم الاسلاميين الراحل حسن الترابي، وحتى اتفاقية نيفاشا للسلام وانتخابات العام 2010م، ظل الهدف المعلن والضمني –أحيانا- هو الاستمرار بالسيطرة على الحكم بالداخل، واكتساب الشرعية، والتطبيع مع المجتمع الدولي.

كان مخططوا انقلاب الانقاذ شديدي الحرص في التحايل و"التقية" على المجتمع الدولي حتى لا يجهض الانقلاب من الخارج، وفي ذات الوقت تكسب الحركة الانقلابية اعترافا من الخارج بالوضع الجديد، وقد نجحت الخطة مؤقتا باعتراف الحكومة المصرية وقتها التي انطلت عليها تدابير التمويه، وروى بعض الذين لعبوا أدوارا في هذا الانقلاب لـ "المحرر" أنهم لم يفهموا دوافع المخططين الكبار، واصرارهم على حجب هوية الانقلاب الاسلامية، لدرجة ظنوا فيها أن الأولوية للتمويه، وليس للترتيبات الأمنية التي يتطلبها انقلاب عسكري.

من هذا النقطة يمكن تفهم الدلالة السياسية المباشرة للقرار الاقتصادي الأمريكي، فالطرف الأخير، منح الخرطوم ما كانت تريده منذ 28 عاما، وهو الشرعية الدولية للحكم، رغم ربط هذا الاعتراف باشتراطات مثل حقوق الانسان وتسوية الخلافات مع الفرقاء واقامة انتخابات "مقبولة" في الموعد المضروب عام 2020م، مع التأكيد على وجود العصا الأمريكية المعتادة والمتمثلة هنا في الابقاء على إسم السودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب، وهو أمر مفهوم في السياسة الخارجية الأمريكية، كما يمكن تفسيره أيضا بأن الولايات المتحدة لا يمكنها الاعتراف علنا بنظام سياسي يرفع شعارات إسلامية مناوئة لظلم السياسة الخارجية الأمريكية، في وقت تقود الولايات المتحدة تحالفا دوليا للقضاء على ما تسميه (الإسلام المتطرف)، مع أن هذا الزعم مختلف عليه داخليا من خلال ما يقوم به النظام من انحرافات سياسية فادحة في ممارسة السلطة بالداخل.

في غضون ذلك، لا يمكن التغاضي عن الدور الذي لعبته الخرطوم خلال المحادثات العلنية والسرية مع واشنطن، في المدى الإقليمي أو الدولي، فالخرطوم كانت حاضرة في كل ملفات الاهتمامات الأمريكية في المنطقة الأفريقية وهاجسها الأساسي "ملف مكافحة الارهاب"، سواء بالتعاون الاستخباري أو عبر تأمين المنطقة من انتشار "التطرف العنيف" في دول الجوار، مثل ليبيا المفككة بعد سقوط ورحيل القذافي.

كما استفادت الخرطوم من هاجس الغرب، والمتمثل في تنامي ما يعرف بـ "الشعبوية"، وصعود "القومية المتطرفة" الرافضة لاستضافة المهاجرين الافارقة أو القادمين من مناطق النزاع العربية، وقدمت الخرطوم نفسها كلاعب أساسي في ايقاف جرائم الاتجار بالبشر، باعتبار أن السودان ظل معبرا للهجرات الافريقية نحو المصير الغامض في أوربا.

ومما يجدر ملاحظته في سياق التأثيرات السياسية لـ "التطبيع"، ما نشأ من تحالفات مفاجئة انحازت إليها الخرطوم في منطقة الشرق الأوسط بالإشارة إلى الدور الذي يلعبه السودان في الحلف العربي المعروف بـأسم "عاصفة الحزم"، فضلا عن الانخراط الموضوعي للخرطوم في الحصار الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة والغرب ضد إيران وحلفاءها في المنطقة، وذلك بعد أن أعلن السودان رسميا قطع العلاقات مع طهران.

ولما كانت القرارات الاقتصادية ذات دلالات ايجابية، فهي أيضا تحمل المخاطر السياسية، أبرزها أن قرار "ترمب"، قد يعرض الخرطوم للاحتواء من قبل الولايات المتحدة الامريكية، ويجعل من استراتيجياتها التنموية والسياسية مرتبطة بحسابات العلاقات الجديدة مع أمريكا، ما قد يحد من قدرتها على بناء تحالفات سياسية أو محاور اقتصادية بشكل أكثر استقلالا مما كان في السابق، وقد يخرب هذا الوضع السياسي والاقتصادي الحرج تحالفاتها القديمة مع الشرق، خصوصا الصين التي اعتمدت عليها الخرطوم في كل محاولاتها لكسب الشرعية الدولية أو لدعم مشروعاتها الاقتصادية منذ البدء في عمليات استخراج النفط كسلعة سياسية واقتصادية دفعت بالسودان إلى الظهور كلاعب مهم في الميدان الدولي.

هذه التقاطعات المختلطة في اللعبة الدولية بين الغرب والشرق قد تجعل الخرطوم عرضة للضغوط الدبلوماسية.

والمسألة الأكثر تحديا للنظام في الخرطوم، هي قدرته على الابقاء على تحالفاته الداخلية الأساسية وفي مقدمتها "الحركة الاسلامية" التي تعتبر الرافد الرئيسي للحزب الحاكم، فضلا عن تحالفات النظام التي ارتبطت بشعاراته الاسلامية والتي تبدو مواقف متململة حاليا من التقارب بين الخرطوم وواشنطن، وظهر ذلك بوضوح في الانتقادات التي وجهتها "جماعة انصار السنة المحمدية" للإجراء الحكومي بحذف موضوعا دراسيا من أحد المناهج التعليمية.  

كما سيواجه النظام بمراكز قوى اقتصادية تضخم نفوذها السياسي بفعل دورها في تلافي الحظر الاقتصادي ومهاراتها في التحايل بأثمان باهظة على اجراءات الحظر الأمريكية. حيث مثل هذا الطريق الثالث موارد مالية هائلة لهذه الفئة نتيجة السمسرة والعوائد المتحصلة لهذا النوع من الاقتصاد الطفيلي.

Rate this item
(0 votes)
Read 117 times

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

تابعنا على الفيسبوك

تابعنا على تويتر

سياسة النشر

sudantimes0001